أســــــرة

علاقة الآباء والأبناء… “ها السخط هاالرضا”

آباء “يبتزون” أبناءهم من أجل الانصياع إلى رغباتهم وأبناء نادمون على طاعة آبائهم

يصعب، في الواقع، الحديث عن رضا الوالدين أو عقوقهما، بدون استحضار أهمية الوازع الديني وقوته في التعاطي مع هذا الموضوع الحساس، وداخل مجتمع ما زالت العادات والتقاليد تلعب فيه دورا حاسما في تحديد نوعية العلاقة بين الفرد ومحيطه.
لقد أوصى الله في كتابه الكريم على ضرورة الإحسان إلى الوالدين، بل قرنه بالعبادة حين قال عز وجل “واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا”. ومن هذا المنطلق، تحددت العلاقة مسبقا بين الآباء وأبنائهم، وأصبح كل محيد عنها يدخل في دائرة من يسميهم المجتمع “مساخط الوالدين”.
وظلت هذه القاعدة هي المتحكمة في العلاقات بين الوالدين وأبنائهم، رغم تغير الأجيال وتبدل الأحوال، إلى الدرجة التي أصبحت الهوة شاسعة بين الطرفين، في الوقت الذي اقتربت فيه المسافات، فكريا وعقليا، بين الأبناء وأصدقائهم، فكثرت انتقادات الآباء لتصرفات أبنائهم وابتعادهم عن المنهج “القويم” الذي ربوهم عليه.

“ممنوع النقاش… ممنوع إبداء رأي مخالف”

وحسب العديد من علماء الاجتماع والمتخصصين في شؤون التربية، فإن مجتمعاتنا العربية تضع حواجز كبيرة بين الآباء والأبناء، وهي الحواجز التي قد تكون غير مقصودة، وذلك يعود لأسباب ينشأ عليها الآباء أنفسهم، ونظرتهم الخاصة إلى الالتزام والطاعة، وقد تكون حواجز مقصودة من أجل إبقاء مسافة يمنع تجاوزها على الأبناء، فلا يناقشون أمرا ولا يسألون ولا يبدون رأيا مخالفا، وقد تكون حواجز تضعها العادات والتقاليد خجلا أو خوفا من التطرق إلى كل المواضيع مع أبنائهم، وبذلك يكبر الآباء وتكبر الحواجز بينهم وبين آبائهم.
(ق. ع) من الأشخاص الذين تسببت لهم هذه الحواجز الموضوعة من طرف الآباء، في العديد من المشاكل مع والديه، خاصة أمه التي لم تتمكن يوما من أن تفهم بأن ولدها له حياة خاصة واختيارات خاصة في هذه الحياة، وخيرته “بين السخط والرضا”، إذا “زغبه” الله وتزوج المرأة التي أحبها قلبه. يقول في حديث إلى “الصباح”: “كنت مجبرا على الانصياع لرغبة أمي. فقد تربيت على أن طاعة الوالدين من طاعة الله، ولم يكن في إمكاني أن أعيش سعيدا ووالدتي غير راضية عني. فضلت أن أتزوج المرأة التي اختارتها لي. وقد أمضينا اليوم 6 سنوات من عمر زواجنا أنجبنا خلالها طفلا أدخل على قلبينا السعادة، رغم أنني أحيانا أشعر بأنني تعيس في حياتي الزوجية رغم كل شيء”.

آباء يمارسون التسلط على أبنائهم ويبتزونهم

يصر بعض الآباء على ممارسة تسلطهم على أبنائهم مستغلين في ذلك مسألة “السخط والرضا”، فهم لا يؤمنون باختلاف الآراء ويرفضون الحوار والمناقشة و”يبتزون” أبناءهم من أجل الرضوخ لرغباتهم، حتى ولو كان ذلك على حساب سعادة هؤلاء الأبناء أنفسهم.
(ر. ف) أم تحاول أن تكون علاقتها مع أبنائها مبنية على الصراحة والحوار والاستقلال بالذات. تقول ل”الصباح”: “ربيت أبنائي على أن يكونوا قادرين على تحمل مسؤولية اختياراتهم. فقد عانيت في صغري من تسلط والدتي التي كانت تذكرني دائما، كلما اختلفت معها في الرأي، بكل ما كابدته من أجلي حتى أصير ما أنا عليه، وكانت تعتبر أن من واجبي عليها طاعتها طاعة عمياء دون أن أسأل أو أفهم، وغالبا ما كنت أنصاع لما تقوله لأن ضميري لم يكن يسمح لي بمخالفة أوامرها، لكنني اكتشفت بعد فوات الأوان، خاصة بعد موتها، أنها جنت علي رحمها الله في العديد من القرارات التي اتخذتها بدلا مني”.

انعدام الحوار يؤدي إلى كره الأبناء لآبائهم

يقول علماء التربية إن الأهل الذين يفضلون إعطاء الأوامر وإلزام أبنائهم بما يقولونه سيضطرون يوما إلى الاصطدام بفلذات أكبادهم، الذين سيردون حتما في يوم من الأيام بثورة أو غضب قد يصل بهم إلى إعلان كرههم للآباء. لذلك فهم يشددون على أهمية الحوار والمشاركة في بناء علاقة صحية بين الأبناء وآبائهم من شأنها تقريب المسافات فيما بينهم.
يقول ياسين، (35 سنة): “لم تكن علاقتي بوالدي يوما جيدة. أتذكر في صغري أنني وإخوتي كنا نموت رعبا وهلعا منه. كان مثل سي السيد. كنا نحسد أصدقاءنا وزملاءنا في المدرسة حين نراهم رفقة آبائهم يناقشونهم ويتحدثون إليهم ويراجعون معهم دروسهم، في الوقت الذي كنا نضطر فيه إلى الاختباء كلما سمعنا وقع أقدام والدنا على السلم، خوفا من تقريعه لنا ولو بدون سبب وجيه يذكر. اليوم، أنا عاجز أن أشعر بالحب والحنان تجاهه، رغم أنه حاول تدارك الأمر بعد مرضه. أظن أن حتى موته قد لا يعني لي شيئا. وأكاد أجزم أن الأمر نفسه بالنسبة إلى باقي إخواني. قد يسمي البعض هذا عقوقا، لكنه شعور خارج عن إرادتي ووالدي وحده المسؤول عنه”.

آباء… عاقون

من جهته، يعتبر مصطفى (48 سنة)، أن الحديث عن العقوق لا يجب أن يقتصر على الأبناء فقط، إذ من الممكن الحديث عن آباء عاقين لأبنائهم، وأعطى نموذجا بوالدته التي لم تكن أما مثل سائر الأمهات، تهتم بأبنائها وتجعل من تربيتهم أولى أولوياتها. يقول “كانت أما طائشة. كل ما يهمها هو السفر والسهر والتسوق وإقامة الحفلات مع صديقاتها. ووالدي كان يجاريها لأن شخصيته كانت ضعيفة أمامها. أحيانا أضطر إلى طردها إلى بيت أخي، وهو كذلك يفعل الشيء نفسه مع باقي إخوتنا، حتى نتفادى المشاكل التي تتسبب لنا بها مع زوجاتنا أو أبنائنا، رغم أن لا شيء ينقصها ونحاول، كل من جهته، أن نوفر لها كل متطلباتها. إنها امرأة أنانية جدا لا تهتم إلا بنفسها”.
نورا الفواري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق