أســــــرة

الحمداوي: كل مجتمع يمنح معنى خاصا للسخط والرضا

ابراهيم الحمداوي
الأستاذ الجامعي قال إن السخط أو الرضا تحدده معايير وقيم وضوابط مجتمع أو أسرة بعينها

اعتبر ابراهيم الحمداوي، الأستاذ الجامعي بكلية الآداب بتطوان، أن المعايير لا يمكن عزلها عن النسق الكلي لوجود علاقة تفاعلية. وأضاف الحمداوي في حوار مع “الصباح”، أن الأسرة التي تؤثر في المجتمع وقيمه وضوابطه من خلال مده بناشئة بمواصفات محددة، تتأثر بدورها بالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع ككل.

ما هي العناصر المحددة للسخط والرضا داخل المجتمع المغربي؟
تعتبر الأسرة نسقا اجتماعيا يتكون من أجزاء يربط بينها التفاعل والاعتماد المتبادل، ويمكن أن نفسر نظام الزواج والأسرة من هذا المنظور، أي من خلال ما تقوم به الأسرة من أدوار وظيفية تسهم بها في المجتمع الكبير الذي يعتبر مؤسسة المؤسسات.
والأسرة كتنظيم، لها مجموعة من الوظائف الاجتماعية المقبولة حسب تعريف “بارسونس”. من هذا المنطلق تتأكد علاقة الأسرة بالوحدات الاجتماعية الكبرى وعلاقتها بالوحدات الفردية الصغرى والعلاقة بين الأسرة والشخصية. وبهذا نحدد الوظيفة الأساسية للأسرة المرتبطة بالتنشئة الاجتماعية للأطفال، إذ لا تستطيع أن تنعزل عن النسق الكلي وبالتالي يتم إدماج عناصر ثقافة المجتمع بقوانينه ومعاييره وضوابطه في الفرد.
ويضع حدودا تفصل بين السلوكات المقبولة داخل المجتمع في إطار نسق قيمي معترف به أو معمول به اجتماعيا. وبالتالي فتحديد السخط والرضا كأحكام اجتماعية قيمية ليس سوى كلمة حسب “بورديو”، أي أن كل مجتمع له دلالته ومعناه للسخط والرضا، وكل مجتمع أيضا يحدد ما يقبله وما يرفضه من السلوكات والتصرفات. ففي بعض المجتمعات الخروج عن طاعة الوالدين رغم مطاطية مفهوم الطاعة أو التصرف عكس إرادتهم والإصرار على هذه المواقف والتصرفات يخرج الفرد أو الابن من دائرة الرضى ويصبح “مسخوطا” خصوصا عندما يتفوه بها أحد الوالدين أو هما معا. رغم أن السخط أو الرضا ليس مجردا أو ليس له تحديد عقلي وفق معايير معروفة لدى الجميع وإنما يتم حسب معايير وقيم وضوابط مجتمع بعينه أو أسرة بعينها.

هل هناك تغير في هذه المعايير؟
 إذا كانت المعايير لا يمكن عزلها عن النسق الكلي، أي المجتمع، لوجود علاقة تفاعلية، أي أن الأسرة تؤثر في المجتمع وقيمه وضوابطه من خلال مده بناشئة بمواصفات محددة، فإنها هي الأخرى تتأثر بالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع ككل.
ومن المعلوم أن المجتمع عرف تغيرا في بنياته، خصوصا بنية الأسرة، إذ تقلصت وظائفها التقليدية، سيما في السنوات الأخيرة، إن على مستوى الشكل إذ نجد انتقالا من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية وهو ما تؤكده المعطيات الإحصائية الخيرة للمندوبية السامية للتخطيط، إذ هناك اتجاه قطبي نحو الأسرة النووية إلى جانب ظهور مؤسسات الحضانة والمؤسسات التربوية التي يلجها أطفال ابتداء من سنتهم الثالثة، مما يعني نقل التربية أو التنشئة من مؤسسة الأسرة إلى المؤسسات المدرسية. ويفسر ذلك بأن زمن مكوث الطفل مع الأسرة لتشبعه بالقيم الاجتماعية سحب منها لصالح المدرسة التي تختلف بدورها من شريحة إلى أخرى، وبالتالي فان الأسرة التي يتلقى من خلالها الأطفال جميع عناصر المجتمع ومعاييره وضوابطه، طرأ عليها تغير كبير زاد من حدته الانفتاح الإعلامي على عوالم وثقافات أخرى. هذا الانفتاح وتغير الأدوار داخل المجتمع غير قيم ومعايير المجتمع إلى درجة أحدثت خلخلة وتصدعا فيها، هذا التصدع يظهر في ما نسميه صراع الأجيال أو الثقافات والتغير الكلي أو الجزئي في القيم الناشئة.

هل تمكنت طريقة العيش الجديدة في الحاضرة المغربية من تغيير مقاييس الرضا والسخط؟
يشير البناء الاجتماعي للأسرة إلى الطريقة التي تنتظم بها الوحدات الاجتماعية والعلاقات المتبادلة بين الأجزاء، كما يشير إلى أنماط التنظيم التي تختلف بصورة واضحة في العالم. فسهولة التنقل من مكان إلى آخر تبعا لمقتضيات  العمل أو خروج الأسرة إلى العمل لوقت طويل، وتدخل الخادمة للمساعدة في التربية، ونوعية السكن، سهل دخول شركاء جدد كالشارع والأصدقاء وفضاء اللعب في التنشئة الاجتماعية، مما يقلص حدة تدخل الأسرة في مسألة التنشئة الاجتماعية، بالإضافة إلى اللاهوية التي يشعر بها الفرد أثناء تنقلاته الكثيرة تنقص كذلك من أهمية الاعتبار الاجتماعي للسلوكات. كما ساهم تغير نمط الإنتاج والتحولات الاجتماعية والاقتصادية في تشظي الأسرة، وبالتالي ذوبان أو اختفاء معايير وقيم أفرادها.

ما مدى حضور المعيار الديني في نظرة المجتمع إلى المسخوط؟
من الواضح أن السخط مؤطر في القرآن كريم، إلا أنه في الوقت الحالي، ومع الازدواجية في ثقافة المجتمع المغربي، يمكن القول بان هذا الجانب الديني له أناسه، وبالخصوص الأجيال القديمة التي كانت قد تلقت تربية يحضر فيها الجانب الديني بشكل كبير، إذ يرتبط رضى الله برضى الوالدين. غير أن هناك فئات عريضة من المجتمع تحكم تنشئتها لأطفالها أيديولوجيات مختلفة ليست مؤطرة دينيا.
أجرى الحوار : جمال الخنوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق