أســــــرة

مفهوم “الرضا والسخط” حاضر في كل الثقافات

التلمود اليهودي يوجب على الأبناء خدمة الآباء كالعبيد وفي الهند الطاعة للحموين أيضا

تجمع مختلف الديانات والثقافات على منح علاقة الآباء بالأبناء ميزة خاصة، تصل في بعض الأحيان حد التقديس.  ويزخر التراث الإنساني بقصص وأساطير تتحدث عن خصوصية هذه العلاقة، كما تحث مختلف القيم الدينية على أهمية امتثال الأبناء لرغبات آبائهم، وتبرز كيف كانت عاقبة الخارجين عن طاعة الوالدين.
وإذا كانت الثقافة العربية، عموما، تقدس بشكل كبير علاقة الآباء والأبناء، وتنظر إلى عاق الوالدين نظرة استنكار واستهجان، فإن الأمر لا يختلف كثيرا في باقي الثقافات الشرقية، التي تتفق أغلبها على ضرورة طاعة الآباء طاعة تامة.
ففي الثقافة الهندية مثلا، يتخذ مفهوم “رضا الوالدين” أبعادا مختلفة، يتجسد الامتثال لرغبات الوالدين في طقوس وعادات تمثل الخضوع التام لإرادتهما. وتعتبر عادة لمس قدمي الوالدين، أو من هم بمثابتهما، من العادات والطقوس الشهيرة في الهند، التي تدل على احترام الأبناء للشخص الذي يلمسون قدمه. ويتجسد احترام الآباء في الهند أو مفهوم “الرضا” في الامتثال لأوامرهم، سواء في الأمور الحياتية اليومية، أو حتى القرارات الكبرى، خصوصا الزواج الذي يتخذ قراره الآباء، ويعتبر رأي الأبناء فيه ثانويا.
ومن أهم ما يشكل خصوصية الثقافة الهندية في العلاقة التي تجمع الأبناء بآبائهم، أن الاحترام وواجب الخضوع ينتقل تلقائيا إلى الحموين،  خصوصا بالنسبة إلى الزوجة، التي عليها العمل من أجل أن تنال رضا زوجها ووالديه، ويأتي الأبوان في مرتبة متأخرة بالنسبة إليهما.
وتستمد علاقة الآباء بالأبناء قدسيتها في مختلف الثقافات من القيم الدينية بالأساس، التي تحض جميعها على احترام الأبناء لآبائهم، بدرجات متفاوتة قد تصل حد العبودية. فالديانة اليهودية تعتبر التقدير الواجب للآباء بمثابة الخضوع والامتثال لهم، وينقسم حسب التلمود، وهو مجموعة من الشرائع الدينية والوصايا تناقلتها الألسن ودونها الحاخامات اليهود، إلى قسمين، فهناك الاحترام، أو ما يعرف في اليهودية ب”مورا”، إذ “لا يجب أن يقف ولا يجلس الابن في مكان والده، ولا يخل بأقواله، ولا يناديه باسمه، حيا كان أو ميتا”. أما الوجه الثاني لتقدير الآباء فيتمثل في تشريفهم، أو ما يعرف في اليهودية ب”كافود”، وفي هذا الشق، يتحدث التلمود عن علاقة خضوع تام يشبه العبودية، إذ يقول في هذا الشأن، “يجب أن نقدم الطعام للوالد، والشراب أيضا، ونساعده على ارتداء ملابسه، ونخدمه بالضبط كما يخدم العبيد أسيادهم”. وانتقلت هذه القيم أيضا إلى الديانة المسيحية، التي تعتبر، كما الإسلام، احترام الآباء أمرا واجبا ومقدسا يأتي في المرتبة الثانية بعد واجب الخضوع لله، وهو ما تحث عليه الوصية الرابعة من وصايا السيد المسيح، التي تقول، “أكرم أباك وأمك”.
وإذا كان الالتزام بالتعاليم الدينية المسيحية واليهودية قديما يقتضي الخضوع التام لهما، فإن علاقة الآباء بالأبناء في المجتمعات الغربية الحالية اتخذت بعدا آخر تأثر بالتغيرات التي حصلت في هذه المجتمعات مع تصاعد النزعة الفردانية، فحب الآباء أمر طبيعي لكن الالتزام التام بكل ما يقولونه أمر ليس بالمقبول، ومفهوم السخط والرضا كما هو معروف في المجتمعات الشرقية لا وجود له في الدول الغربية، حيث مؤسسة العائلة لم تعد بالأهمية التي كانت عليها سابقا، وبالتالي، تراجعت التراتبية في العلاقة بين أفراد البيت الواحد، سواء كانوا آباء أو أبناء، لتصبح العلاقة التي تجمعهم مبنية على اقتسام الأدوار المحددة، لتنتفي هذه التراتبية عندما لا يجتمع الآباء والأبناء للسكن في بيت واحد، وهو الأمر السائد أكثر في البلدان الغربية. وفي مجتمعات كالأوربية، يصبح الاهتمام بالآباء أو الاعتناء بهم “فضلا” يمن به الأبناء دون أن تلزمهم به أي أعراف مجتمعية، أو تحاسبهم على عدم القيام به في ظل وجود مؤسسات رعاية صحية واجتماعية. أما الخضوع لأوامرهم فهو أمر أقرب إلى الاستحالة، حتى في أكثر المجتمعات الغربية محافظة، حيث ما زالت العلاقة بين الآباء والأبناء تكتسي بعض الخصوصية، مقارنة مع باقي العلاقات الاجتماعية الأخرى التي أصبحت تتسم بالبرودة وأحيانا تصبح محصورة جدا في المحيط العائلي، وتنفتح أكثر على محيط العمل أو الصداقات الشخصية، انطلاقا من مبدأ حرية الفرد في اختيار حياته وحتى علاقاته، دون أن تفرضها عليه علاقات عائلية أو قوانين اجتماعية لا يد له فيها.
وما بين جمود العلاقات الأسرية في الغرب والسلطة الكبيرة التي يتمتع بها الآباء في المجتمعات الشرقية على أبنائهم، انطلاقا من مفهوم “هاالسخط ها الرضا”، يتبنى علماء الاجتماع موقفا وسطيا من الأمر، إذ يشددون على أهمية العلاقات الأسرية والاحترام الواجب للآباء دون المس بحرية الأبناء في اختيار حياتهم واعتبارهم ملكية خاصة، وهو الرأي الذي عبر عنه الكاتب اللبناني جبران خليل جبــران في مقولته الشهيــرة:” إن أولادكم ليسوا أولادا لكم… إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم…”.
صفاء النوينو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق