ملف الصباح

الغيوان… “فلعماق الفوضى ومن لفوق البحر هادي”

“فلعماق الفوضى ومن لفوق يبان لبحر هادي” هذه الجملة المرسلة عبر أغنية “المعنى” لمجموعة ناس الغيوان، تلخص بصيغة أخرى جانبا من واقع المجموعات الغنائية، ولو أن الجملة جاءت، في الأصل، ضمن سياق مغاير تضمن انتقادا للأوضاع الاجتماعية وفق المنظور الذي كانت تقارب به المجموعة الرائدة مواضيعها.

والفوضى في سياق الفن، غالبا ما تكون مرادفة للإبداع الفني، الذي يخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات ذاتية محض، يحضر فيها الاعتداد بالنفس والتعصب لوجهة نظر فنية معينة، وعندما يتعلق الأمر بالاشتغال وسط مجموعة غنائية فإن مسألة التفاعل مع الذوات الأخرى تكون مطروحة، فضلا عن القبول ببعض التنازلات لتقريب وجهات النظر .

وفي اللحظة التي يعجز فيها المبدعون عن تدبير اختلافاتهم الفنية، غالبا ما ينتقل الأمر إلى خلافات شخصية، تعصف في الكثير من الأحيان بتجارب فنية رائدة، إذا لم يتوفر عامل التوحيد الذي يكون إما نزوعا أخلاقيا أو نفسيا، أو شخصا بعينه يتولى مهمة الحفاظ على اللحمة التي تكون سر قوة المجموعة وعنصر استمرارها.

ولم تشذ مجموعة ناس الغيوان عن هذه القاعدة، إذ خضعت منذ تأسيسها، نهاية الستينات، لمجموعة من التغييرات طرأت على تشكيلتها، ليغادرها أفراد ويلتحق بها آخرون، فكانت التشكيلة الأولى التي ضمت بوجميع والعربي باطما وعمر السيد وعبد العزيز الطاهري ومحمود السعدي ثم علال يعلى.

ولم تمض سوى بضعة أشهر على انطلاق التجربة تحت اسم “نيو درويش” (أو الدراويش الجدد) حتى انسحب محمود السعدي ليلتحق بمجموعة جيل جيلالة، في الوقت الذي استمر فيه عبد العزيز الطاهري إلى حدود مطلع 1973، بعد أن ساهم في تأليف مجموعة من الأغاني الشهيرة ضمن ريبرتوار المجموعة منها “الله يا مولانا” و”آه يا وين” و”الماضي فات” وغيرها.

وفي الوقت الذي كشف فيه علال يعلى، في حوار سابق مع “الصباح” أن انسحاب الطاهري كان بسبب عدم الانسجام الموسيقي بينهما، فضل عمر السيد عدم الخوض في تفاصيل الانسحاب معتبرا أن بصمة الطاهري في المجموعة ستظل حاضرة، حتى وإن فضل الانتقال إلى جيل جيلالة التي وجد فيها أعضاء يتقاسمون معه شغفه بفن الملحون.

في المقابل التحق عبد الرحمن باكو بناس الغيوان، قادما من جيل جيلالة، واعتبر السيد أن باكو الذي جلب معه الأسلوب الكناوي، أضفى على المجموعة روحا أخرى مشبعة بالحال والجذبة، خاصة أنه استمر معها عشرين سنة تخللتها محطات متباينة وأثمرت العديد من الأغاني الناجحة.

واستنكف عمر السيد، في حديثه مع “الصباح”، الخوض في تفاصيل خلافات المجموعة قائلا إنها كانت خلافات عادية، بدون أحقاد وضغائن، لأنهم سرعان ما كانوا يتناسونها بمجرد صعودهم إلى خشبة الغناء ومواجهة الجمهور، لأن ما يهم في نظره هو الإبداع الذي كانوا يقدمونه للناس.

وكشف السيد أنه كان يجد نفسه وسط مجموعة لكل فرد منها مزاجه المتفرد، وجنونه الإبداعي الذي يتطلب نوعا  خاصا من التعامل، حتى لا يصطدم مع الآخرين، لذا فإن مهمة الإشراف على وحدة المجموعة وتدبير اختلافاتها كانت تقع على مهمته، ولا يطفو على سطح كل هذا سوى إبداعهم، في حين تطمر الخلافات وتدخل في غياهب النسيان.

عزيز المجدوب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق