fbpx
ملف الصباح

يصمد الطين وينهار الإسمنت

soara mada safarصمود مآثر الموحدين والمرابطين والمباني الاستعمارية أمام الانهيارات المتوالية للمشاريع الحديثة

لحسن، من ورزازات، مسير محل للبقالة بالبيضاء، ويقطن واحدة من الغرف التي تكترى للعزاب بعمارة لصيقة بتلك التي انهارت في سباتة، وبلغها “حقها” من التشققات، وبحكم القرب، ظل لأيام متابعا لتداعيات الحادث من اعتقالات وتخمينات عن أسباب الانهيار، دون أن يجد ما يشفي غليله، لأنه ببساطة، ترعرع طيلة حياته البلدة في قصبة من طابقين بنيت بالطين، وتظل صامدة منذ ما يزيد عن قرن، في وقت ينهار فيه الاسمنت في المدن الكبيرة.

وتبعا لذلك، فبالنسبة إلى لحسن، كل حديث عن تهاون ضابط البناء في مراقبة أشغال إضافة طوابق لعمارة اسباتة، أو فرضية وقوف دراسة فاسدة ومخدومة على مقاس مالكها من مكتب الدراسات، وغيرها من التبريرات والتفسيرات، ليست إلا تفاصيل تافهة وتداعيات لأزمة أكبر اسمها “انقراض المعقول”، و”انتشار الجشع”.

والخلاصة التي انتهى إليها لحسن، خريج مسيد قرآني، وهو يتذكر صمود قصبة الأسرة بالبلدة المبنية بتقنية “التابوت” غير بعيد عن نهر يخترق الواحة، هي نفسها التي انتهى إليها جمال لخناتي، مهندس معماري والكاتب العام للهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين بالمغرب، في دردشة طويلة مع “الصباح”، إذ يؤكد أن بشاعة المعمار والمدينة بالمغرب وافتقارهما إلى الجودة، لا يعكسان إلا أزمة القيم من نزاهة ومعقول، والمواطنة بوصفها حقوقا وواجبات.

وبالفعل، ففي القديم، لم تكن بالمغرب لا مكاتب دراسات ولا ضابط بناء ولا مهندس ولا غيرهم، كل ما كان هناك تجذر لقيم النزاهة والأخلاق الفاضلة لدى أفراد المجتمع، فكان تنظيم عملية البناء يتم بأعراف أقرتها الجماعة ويشرف الحاكم على تنفيذها، وتستحضر أخلاق حسن التعايش والجوار و”حق الجار على جارو”، فكان المالك كلما فكر في إضافة ولو نافذة صغيرة لبيته يستحضر ألا يمس بحرمة بيت جاره.

لقد بلغ الأمر، اليوم، مستوى انتفى فيه حتى شيء اسمه “العمارة المغربية”، أو “الأمازيغية” أو “الإسلامية” أو “الأندلسية”، فيكفي تأمل مشاريع السكن الاقتصادي التي تفتقد لأدنى لمسة فنية أو هوياتية أو جمالية، للتأكد من أن الجشع ومجرد “الرغبة في السكن من أجل السكن وكفى”، جعل الأمر يتعدى أزمة القيم وانتفاء المواطنة، ليعكس انتفاء مشروع حضاري تبرز ملامحه في المعمار، على غرار ما نراه في قصبات الجنوب ومسجد الكتبية وصومعة حسان.

إن كان ما ذكر، يفيد شيئا، فهو أن أزمة الانهيارات والغش والفساد والجشع الذي يفسد على المغاربة مدنهم وقراهم، ليست مسألة تغيير قانون بآخر، بقدر ما هي قضية على ارتباط بإقرار مشروع مجتمعي وإصلاح شامل في كل الميادين، تكون التربية والتعليم في قلبه، من أجل تنئشة جيل جديد متشبع بقيم المواطنة ويعود إلى “التربة” المغربية الأصلية والعريقة، لأنه وحده سيجعلنا نتوفر على “مدينتنا الفاضلة” من كل النواحي مستقبلا.

امحمد خيي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى