حوار

نواجه خطر قاعدة “كل مخالف سفيه”

أعميار قال إن الخطاب الديني المتطرف تحريضي ضد المجتمع ونتيجة طبيعية لاغتيال العقل منذ قرون

ميز عبد المطلب أعميار، رئيس حركة اليقظة المواطنة، بين الدين باعتباره تعاليم ورسائل وغايات مثلى، وبين الخطاب بصفته رؤية وتصورا وقراءة بشرية، موضحا أن خطورة الخطاب الديني المتطرف تكمن في وعيه بذاته كوعي مطلق يعتقد امتلاك الحقيقة المطلقة، وتنافيه مع العقل والاجتهاد. وشدد أعميار على أن حركية المجتمع المدني في بلادنا غير معزولة عن الحركية السياسية، مع ما يستوجب ذلك من النسبية، على اعتبار أن الفاعل المدني
قد يكون فاعلا سياسيا، مسجلا أن العديد من الحركات المدنية تدعي الحياد السياسي وهي غارقة في خدمة أجندات سياسية بعينها. وفي ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: ياسين قُطيب

  ما السر في الهبة المدنية المضادة للخطاب المتطرف؟
 إن ما تسمونه ب ” الهبة المدنية” يحيل ربما إلى سلطة المجتمع المدني، بالنظر للأدوار التي أصبح يضطلع بها قوة حية تتحرك باستمرار من أجل مناهضة كافة أشكال التطرف، سواء منها تلك المرتبطة بأنماط  الخطاب المحرض على العنف، والكراهية، والميز،أو الخطاب التكفيري الذي أصبح يستهدف شخصيات سياسية، ومثقفين، وفنانين، وفاعلين مدنيين.. أو تلك  المرتبطة ببعض السلوكات في الشارع العام والتي تستهدف مواطنات بسبب لباسهن ومظهرهن، أو حملات باسم شرطة الأخلاق كما حصل في بعض المناطق….وكل هذه المظاهر تعتبر انحرافات خطيرة لم يشهدها المجتمع المغربي من قبل.
وهي مظاهر تتغذى بأنماط من القراءات الدينية التحريفية المتعارضة مع المنطق، والعقل، والحس السليم.

وما هو دور المجتمع المدني في هذا الإطار؟
 دور المجتمع المدني يكمن أساسا في التحسيس بمخاطر هذا الخطاب، ورصد أنماطه ووسائل اشتغاله، وكذا العمل على تسييد قيم التحديث المجتمعي والثقافي، والوقوف في وجه كل الخطابات المحرضة على العنف  والتي تسعى إلى فرض الهيمنة على المجتمع والدولة.
ولأن حيوية المجتمع المدني لا تقاس بجماهيرية حركته، فإن نجاعته الميدانية تكمن أساسا في مدى قدرته على  التعبئة الإعلامية، واليقظة في رصد الانحرافات والتجاوزات والتعريف بها، والوقوف في وجهها. وهذه ” الهبة المدنية” تلعب أدوارا مهمة في سياق التحولات المجتمعية التي تعرفها بلادنا، وكذا في سياق التحولات التي تطبع منظومات القيم، والتمثلات الثقافية للأفراد.

كيف تقيمون الخطاب الديني المتطرف في مختلف أبعاده؟
 بداية ينبغي التمييز بين الدين باعتباره تعاليم، ورسائل، وغايات مثلى، ومابين الخطاب رؤية، وتصورا، وقراءة بشرية. وما يميز الخطاب الديني المتطرف هو وعيه بذاته كوعي مطلق يعتقد امتلاك الحقيقة المطلقة.وهو خطاب مناف للعقل والاجتهاد وينبذ الابتداع. ويقوم على قاعدة صارمة” كل مخالف معدوم”. ويخضع بذلك للتبعية.. لكل جماعة شيخها، ولكل فرد مرشده. إنه خطاب تحريضي ضد المجتمع، ويسفه كل المخالفين.
إن الخطاب الديني المتطرف هو نتيجة  طبيعية لاغتيال العقل منذ قرون، وتغليب التقليد خوفا من حركة التاريخ.ولا ينتج خطاب التطرف  تاريخيا إلا العنصرية، والفتنة الطائفية، والاقتتال، والحروب الأهلية. وهذه فرصة لكي نجدد دعوتنا لضرورة تجديد الخطاب الديني، وتأهيل مقررات التربية الدينية لتنفتح على العصر وعلى القراءات المنفتحة للنص.

هل كان تأسيس حركة اليقظة المواطنة تعبيرا عن موقف جديد،أم أنها جبهة أخرى تنضاف إلى الجبهات المضادة للتأويل الرجعي المناقض لقيم الحداثة؟
 إن تأسيس ” حركة اليقظة المواطنة” سنة 2011 من قبل العديد من الفعاليات المدنية جاء في سياق تفاعلنا مع مجريات التطورات التي عرفتها بلادنا مع ما سمي” بالربيع العربي”، وفي سياق الحراك الذي عرفه الشارع المغربي غداة 20 فبراير. ولعل تسمية حركتنا بـ” اليقظة” يترجم إلى حد ما الأهداف المعلنة من التأسيس. فإلى جانب اهتمامنا بالتأويل الديمقراطي للوثيقة الدستورية (لأننا اعتبرنا منذ البداية بأن الصراع ضد القوى الرجعية والمحافظة بخصوص العديد من المجالات سيكون صراعا قويا)، تنبهنا إلى ضرورة تأسيس حركة مدنية تلعب دور المنبه للانحرافات التي قد يعرفها المسار الديمقراطي ببلادنا، سيما مع توسع دوائر المد الأصولي، والوقوف في وجه كل محاولات الالتفاف على المكتسبات المتحققة في مجال الحقوق والحريات. وبالنظر لطبيعة حركتنا منذ التأسيس، وبالنظر كذلك  لطبيعة الملفات التي اشتغلنا عليها، يمكن أن أصرح بكل تواضع أن “اليقظة المواطنة” لعبت أدوارا مهمة في التصدي للعديد من الـتأويلات الرجعية المناهضة لجوهر المشروع الديمقراطي الحداثي الذي اختارته بلادنا. وفي مقدمتها المعارك المتعلقة بالقوانين والتشريعات.
أقول إن الفضل في تأسيس “اليقظة المواطنة”، فكرة ومشروعا، يرجع للذكاء الجماعي للمؤسسين، وهي حساسية مدنية جديدة في بلادنا تنضاف لباقي القوى الحية التي تشتغل في مجالات متعددة من أجل دعم الخيار الديمقراطي، والانتصار لحقوق الانسان، وبناء المواطنة الفاعلة.

هناك من يقول إن دخول الحركات المدنية على خط الدفاع عن الحريات الفردية والجماعية مرده فشل الأحزاب في ذلك.هل تتفقون مع هذا الطرح؟.
 تاريخيا، ارتبط صراع الأحزاب الوطنية والديمقراطية ومختلف القوى الحية ببلادنا  بالمطالب السياسية المرتبطة بطبيعة نظام الحكم من اجل إقرار قواعد منظومة ديمقراطية تتأسس على الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية.وكانت طبيعة الصراع تفرض هذا النوع من المطالب ذات الأبعاد السياسية في المراحل السابقة. ومع التراكمات المتحققة في مجال حقوق الإنسان، ومع المكتسبات الديمقراطية التي قطعها المسار الديمقراطي تفاعلت بلادنا مع المنظومة الكونية لحقوق الإنسان.وكان المجتمع المدني المغربي بحكم تفاعله مع الموجات الجديدة لحقوق الإنسان بأبعادها الفردية والجماعية مبادرا لتبني العديد من الملفات ذات الصلة .غير أن الفاعل السياسي ظل ينظر لهذه المطالب باحتراز واحتياط شديدين باعتبارها  مطالب لا تحظى بالأولوية، ومن شأن تبنيها المس بسمعته الانتخابية أو بجماهيريته. وهي حسابات لها مبرراتها- ربما- غير أنها تظل سجينة المنظور المحافظ للعمل السياسي  ليظل المجتمع المدني هو المبادر عادة للدفاع عن الانتهاكات التي قد تمس حرية الأفراد.

تتقاسمون المبادئ نفسها مع عدد من الحركات.هل يستدعي الأمر وجود تنسيق معها، أم أن وحدة المطالب تفي بالغرض؟
 إن الأمثل وهو الاشتغال بتنسيق مشترك في العديد من الملفات. حيث إن التجربة أكدت ذلك. فكلما كان العمل المدني موحدا،  كلما كانت النتائج أفضل. سيما أمام توسع جبهة القوى المحافظة والتي تشتغل بإمكانات بشرية ومادية ضخمة. وربما من عيوب الحركة المدنية التقدمية المغربية أنها تتوحد في المبادئ، والشعارات، ولا تتوحد في برامج العمل. وأملنا هو ارتقاء الحركة المدنية المغربية إلى مستوى تحديات المرحلة، وألا يسقط الفاعلون المدنيون في الحسابات الضيقة التي تنعكس سلبا على دينامية الفعل.

       أسطورة الحياة

ماذا عن الحساسيات السياسية، وكيف السبيل لحماية الجبهات المدنية منها؟
 في اعتقادي، أن حركية المجتمع المدني في بلادنا غير معزولة عن الحركية السياسية لاعتبارات عديدة. وبالتالي، يستوجب النظر للمسألة بكثير من النسبية، على اعتبار أن الفاعل المدني قد يكون فاعلا سياسيا. وليس هناك ما يمنع ذلك. بل ان العديد من الحركات المدنية تدعي الحياد السياسي وهي غارقة في خدمة أجندات سياسية بعينها، سواء في مجال حقوق الإنسان، أو في مجال الحركات الاجتماعية، أو في مجال الديمقراطية والمواطنة. والعيب هو إيهام الناس بأسطورة الحياد فيما الواقع شيء أخر.
ان الحساسية السياسية ليست عائقا أمام تطور العمل المدني. والعائق الحقيقي هو أن توظف لأجل ذلك، من أجل عرقلة، أو فرملة مسارات الاشتغال. ولعل تجربة “اليقظة المواطنة” في هذا المجال تجربة غنية لأن تعدد الفاعلين السياسين والمدنيين بداخلها لم يكن عائقا في العمل الميداني، وفي طريقة الاشتغال. فكلما كان الفاعل المدني أو السياسي ناضجا في تحديد القواسم، والمنطلقات والأهداف المشتركة كلما حققت الحركة المدنية أهدافها نحو مزيد من ترسيخ مقومات  التحديث المجتمعي والديمقراطي والثقافي.

في سطور    

> رئيس حركة اليقظة المواطنة
> تاريخ الازدياد 1966.10.09 بالريش.
> متزوج، أب لطفلين زياد ووصال.
> أستاذ مبرز في الترجمة
> يدرس بالأقسام التحضيرية للمدارس العليا للمهندسين.
> ماجستير في الفلسفة السياسية (باريس).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق