fbpx
تقارير

رأي: العفو عن المعتقلين السياسيين تكريس للحكمة والتعقل

lekhelsaid3406من الحكمة أن ينخرط الشعب في ورش الإصلاح الدستوري وقد طوى ملف الاعتقال السياسي

منذ الأحداث الإرهابية التي هزت الدار البيضاء ليلة 16 مايو 2003، لم تثر محاكمة أعضاء الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها،
والتي يزيد عددها عن الثمانين خلية، ما أثارته خلية بليرج من تساؤلات وانتقادات ومطالب ملحة
بالتزام الموضوعية والنزاهة حتى تكون المحاكمة فعلا عادلة.

يعود السبب في اتساع دائرة المطالبة بتوفير شروط المحاكمة العادلة أساسا إلى أن الاعتقال شمل ستة أفراد لهم اعتبارهم الحزبي  وسط النسيج السياسي المغربي، بما يربطهم من علاقات مع الفعاليات السياسية والثقافية على اختلاف مشاربها. ولولا وجود هؤلاء السياسيين الستة ضمن المعتقلين في إطار خلية بليرج، لما احتد الجدال حول ظروف الاعتقال وشروط المحاكمة، فهؤلاء المعتقلون، وخاصة قياديي البديل الحضاري وحزب الأمة يحظون بتقدير الطبقة السياسية، ليس فقط لما يعرف عن أشخاصهم من اتزان ونضج، بل وأساسا الأدبيات السياسية والفكرية التي ترجمت القناعات والمبادئ التي على أساسها شكلوا هيآتهم السياسية والقطاعات الموازية لها.
وليس من شك في أن الأدبيات الصادرة عن هذين التنظيمين ــ البديل الحضاري وحزب الأمة ــ تؤكد انفتاحهما على قيم العصر وثقافة حقوق الإنسان، رغم المرجعية الدينية التي يصدران عنها، الأمر الذي يضعهما على طرفي نقيض مع عقائد التطرف الديني وثقافة الكراهية. ولا أخفي النقاشات التي كانت لي مع الأستاذ المعتصم، سواء في الندوات التي شاركت فيها إلى جانبه، أو الحوار الثنائي الذي جمعني به في مناسبات عديدة، ما جعلني على يقين بأن السيد المعتصم وقياديي حزبه أبعد ما يكونون عن السعي إلى إقامة دولة دينية أو إثارة الفتنة وزرع الرعب بين المواطنين.
وبغض النظر عن أدبيات حزبي البديل الحضاري والأمة وما يعلنانه من عقائد ومبادئ، فإن المطلوب في القضية المعروضة على القضاء هو الالتزام بشروط المحاكمة العادلة.
وما دامت الأحكام الصادرة في حق هؤلاء المعتقلين لا تجسد العدل والإنصاف، فإن المرحلة التاريخية التي أسس لها الخطاب الملكي ليوم تاسع مارس تقتضي تمتيع هؤلاء بعفو يعيد لهم حريتهم وكرامتهم ويرفع عنهم كل مظلمة لحقتهم جراء هذا الاعتقال الذي هو في جوهره  سياسي خلافا لما هو عليه ملف بقية أعضاء خلية بليرج.
وبغض النظر عن الجهود التي يبذلها المغرب في سبيل تحديث منظومته التشريعية والمؤسساتية تكتسبه احترام الدول وتقديرها للتجربة المغربية الرائدة على مستوى العالم العربي، خاصة فيما يتعلق بتجربة الإنصاف والمصالحة التي جسدت شجاعة الدولة وجرأة النظام في الإقرار بأخطاء الماضي وطي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو المبادرة الشجاعة بصياغة مدونة الأسرة على أسس ومبادئ تتماشى مع قيم العصر، وتستجيب لانتظارات فئات واسعة من النساء اللائي طالن الإجحاف والقهر جراء العقلية الذكورية التي صاغت بنود مدونة الأحوال الشخصية السابقة، سيبقى العفو الملكي على المعتقلين هو المخرج المشرف، سواء للمعتقلين أنفسهم لأنهم سيلمسون حقا إرادة ملكية قوية لتصحيح الأخطاء التي يقع فيها  القضاء، مثلما حصل في عدد كثير من الملفات التي طال أصحابها ظلم كبير، وكان جامع المعتصم آخرهم؛ أو للدولة نفسها تكفيرا عن الأخطاء التي ارتكبها القضاء.
إن المغرب اليوم بحاجة إلى قرار سياسي جريء يشمل كل القضايا التي تسيء إلى سمعة المغرب وتنخر مقدراته، وفي مقدمتها الفساد بكل مستوياته وتلاوينه، ولعل الشعارات التي رفعها الشباب في حركة 20 فبراير كفيلة بأن تجعل القطع مع مرحلة الفساد أولى الأولويات التي بدونها لن تقوم قائمة لأي إصلاح مهما خلصت النيات.
وكما استجاب الملك لمطالب الشباب في التغيير الدستوري والإصلاح السياسي بكل شجاعة وتعقل جعل الشيخ القرضاوي يشيد به في خطب الجمعة، ويدعو قادة الدول العربية إلى الاقتداء بـ»الملك العاقل» تجنبا للفتن وتحقيقا لمطالب الشعوب، فإن اللحظة التاريخية تتطلب عفوا ملكيا يكرس حكمة وشجاعة «الملك العاقل» الذي يحسن الإنصات إلى شعبه ويستجيب له.
ومن شأن هذا العفو أن يخلق  الثقة في نفوس الشباب وعموم المواطنين بأن المغرب دخل فعلا مرحلة تاريخية جديدة تقطع مع الأساليب الممقوتة التي سبق وانتقدت المغربَ بشأنها منظمات وهيآت حقوقية دولية، ومنها ما حذرت منه اللجنة العربية لحقوق الإنسان في  تقريرها الصادر في مايو 2009 كالتالي (منذ القراءة الأولى للاعتقالات، وبمواكبة سبعة عشر ناشطاً عربياً من ثماني منظمات عربية لحقوق الإنسان، واستناداً إلى التقارير الأولية التي صدرت عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمركز المغربي لحقوق الإنسان، وكذلك لتقييم العديد من المحامين المتطوعين للدفاع عن المعتقلين الستة، تم استنتاج أن الاعتقال تعسفي بحق المعتقلين السياسيين الستة، وأن زجهم في هذا الملف أمر في غاية الخطورة، وأن الخطر لا يتوقف، وحسب على المعنيين وعائلات من أقحموا من شخصيات مسؤولة في أحزاب سياسية مرخص لها في تهم إرهاب، بل ينسحب على المغرب وسمعته وسيرورة الإصلاح والتغيير برمتها.
كما أن مكمن القلق يطال بنوع خاص القضاء الذي مرة أخرى قدم الدليل على أنه لا يتمتع بالمصداقية وإمكانية الحكم بالعدل والنزاهة، سيما عندما يزج في قضايا سياسية عليه مباركتها بغطاء محاكمات بقيت صورية ولم ترق للمستوى المطلوب. وذلك في بلد يراد له أن يعطي المثل في إمكانية التحول الديمقراطي ودولة القانون بعد خروجه من سنوات الرصاص وسجن تزممارت وإلى ما هنالك مما بقي من علامات فارقة في جبين هذه الدولة).
لهذا، والمغرب يعيش لحظة فتح ورش الإصلاح الدستوري والسياسي، يكون من الحكمة والتعقل أن ينخرط الشعب في هذا الورش، وقد طوى ملف الاعتقال السياسي، وتخلص من أوزاره التي تعيق كل محاولة انطلاق سليمة.  

سعيد الكحل: باحث مهتم بالحركات الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى