fbpx
ملف الصباح

الأعرج: الثورات العربية قامت على حالات غليان قوية

الكاتب الجزائري قال إن الأجيال الجديدة ترى اليوم الثروة غير مقسمة بشكل عادل ونصيبها من الحياة وفرص العمل منعدم

قال الكاتب والأديب الجزائري واسيني الأعرج إن المشكل الديمقراطي عميق وبنيوي في الوطن العربي، وهو قائم في كل بلدانه. وأوضح واسيني أن شباب «الفيسبوك» و»التويتر»، لم يأتوا من الفراغ مطلقا، ولكنهم ثمرة صيرورة تاريخية واسعة، مؤكدا

أنه لا يكفي تغيير رجال برجال، فقط، ولكن تغيير البنية التي نشأت عليها الأنظمة العربية أو أنشئت عليها، وهي بنى استعمارية في جوهرها. وأكد واسيني أن هناك ترهلا للإطار السياسي القيادي سلطة
ومعارضة، الذي يفتقر إلى ثقافة العصر بكل تعقداتها، وهو قادم من خزائن حركة التحرر الوطني التي لم تعد تعني الشيء الكثير للجيل الجديد. في ما يلي نص الحوار:

تتابعون التحولات الجارية في عدد من البلدان العربية، كمثقف وأديب كيف تقرِؤون هذه الهبة من أجل التغيير، وما هو موقع المثقف العربي من هذه التحولات؟
صحيح، هبة حقيقية بكل ما تحمله هذه الهبة من أحلام وأسئلة ما تزال معلقة. الثورات ليست في إسقاط الأنظمة فقط، واستعادة الثقة الداخلية لإنسان كُسر كل شيء فيه، ولكن أيضا في استمراريتها ووصولها إلى تحقيق أهدافها الاجتماعية والسياسية. في كل الأحوال، فقد أسقط الخوف من الأنظمة نهائيا، الذي ظل زمنا يحد من الطاقات الخلاقة.
المشكل الديمقراطي عميق وبنيوي في الوطن العربي، وهو قائم في كل الوطن العربي، وهذا لا يحتاج إلى برهان أبدا، إذ يكفي أن نتلمس ذلك عن قرب لنعرف بسهولة أن الخراب لا يُحد، الأمر الذي يحد بالضرورة دور المثقف، وإن كان لا يلغيه أبدا. وأنا لست مع فكرة غياب المثقف عن الثورات، فشباب الفيسبوك والتويتر، لم يأتوا من الفراغ مطلقا، ولكنهم ثمرة لصيرورة تاريخية واسعة. الديمقراطية منشط للإبداع ودافع له إلى الأمام، ونعرف أننا في الوطن العربي نفتقد الديمقراطية، ولهذا إذا انتظرنا الديمقراطية أن تأتي بشكل كامل، لن نكتب حرفا واحدا، لأن كل أنظمتنا متشابهة في علاقاتها الاحتقارية مع شعوبها ومع ما تنجزه.
الثقافة المناهضة والرافضة عدوتها، ولأنها نقالة للتنور وللمعارف وللحياة، وتتخطى كل العوائق مهما كانت آليات النظام القمعية. ومع ذلك، تظل الديمقراطية جهدا يوميا، وكلما كتب المثقف ورفض النظام، فتح زوايا جديدة للنور وللمحبة، وهذا لا يتأتي إلا بالتراكم.
نحن ندين لمن سبقونا ولو بالقليل، ولكنه القليل الذي يساعدنا، ويفتح أمامنا أبواب الكتابة والمقاومة الجادة للموت الرخيص الذي يفرض علينا يوميا في بلداننا. يكتب المثقف ويرفض لا لتغيير الظلم في اللحظة نفسها، فهذه يوتوبيا غير حقيقية، ولكنه يزرع الحياة في الأراضي الجافة التي تأتي نتائجها بعد زمن متوسط أو طويل. المثقف لا يغير كل شيء بلمسة سحرية، فهو لا يملك هذه الخاصية، لكن المعاناة عبر عشرات السنين هي التي تربك الأنظمة وتفتح الطريق أمام التغيير. لولا جيوش المضحين على مدار عشرات السنين في الوطن العربي، لما حدث الذي يحدث في تونس ومصر وليبيا اليوم.

انطلقت انتفاضات الشارع من فئة الشباب، وابتدأت شعاراتها من مطالب اجتماعية، لترتفع إلى المطالبة بالتغيير وإسقاط الأنظمة والحكومات، والانتقال إلى الديمقراطية الحقة. برأيكم هل ما يجري اليوم يؤكد أن الوطن العربي ليس استثناء، وأن رياح الديمقراطية التي هبت على بلدان أوربية وأمريكا اللاتينية وصلت اليوم بشكل عاصف إلى المنطقة العربية؟ وما مدى صحة اتهامات البعض لأمريكا بالوقوف وراء هذه الحركات؟
الثورات طبيعية عندما يصل الظلم سقفه، وهو ما حدث ويحدث في الوطن العربي. يضاف إلى ذلك، أنه لم يعد من الممكن تخبئة هذه الثورات، فقد أصبحنا نعيشها على المباشر، ويفضح بسهولة جرائم الأنظمة، ولكن يجب أن نعترف أن الوضع في الوطن العربي معقد جدا وغير واضح، بين الثورة الشعبية العادلة والطبيعية، وأفق معولم لا يبشر بخير، ويدفع إلى أسئلة كثيرة تتجاوز المطالب الاجتماعية والديمقراطية. وربما تعلق الأمر بمشكلة وجود والخروج بأقل الخسارات الممكنة من وضع ليس سهلا.  
تجارب تونس ومصر وليبيا اليوم، تضعنا وجها لوجه أمام حالة كاد الطغاة أن ينسوها، لهذا كانت مطالبة بالنجاح، لأن انهيارها وتحولها إلى ثورة تأتي بما هو أسوأ، لا يرجع هذه البلدان فقط إلى الوراء ولكن المنطقة بكاملها،  ونجاحها ضرورة تاريخية وحضارية.
لا يكفي تغيير رجال برجال، فقط، ولكن تغيير البنية التي نشأت عليها الأنظمة العربية أو أنشئت عليها، هي بنى استعمارية في جوهرها أو صور عنها، ونحتاج إلى رؤية أعمق تتجاوز المظاهر الخارجية، ربما شكلت التجربة التونسية والمصرية وربما الليبية، مخبرا حقيقيا لمعضلة الشعب المتعطش إلى الحرية، أتمنى لها النجاح، لأن شرطية الإنسان العربي وصلت إلى الحضيض، ويحتاج الأمر إلى تغيرات عميقة ليس فقط في الشكل، ولكن في الجوهر.
وأتمنى أن تتجاوز تونس ومصر، وبالخصوص ليبيا في صراعها الدموي المر الذي بدأ يتحول شيئا فشيئا إلى حرب أهلية مدمرة، إحباطات الماضي، وتذهب بعيدا نحو تجربة أكثر عمقا وأكثر إنصاتا لما يحدث في عمقها ولما يحدث عالميا من هزات قاسية وقوية، ولكنها مهمة.
طبعا من السهل اتهام أمريكا وحشرها في كل شيء. لا أعتقد. الثورات العربية قامت على أساس حالات غليان قوية والأنظمة فوجئت وأوربا، لأن حساباتها كانت دائما مع الأنظمة وليس مع الشعوب. ربما غيرت مستقبلا من نظرتها.
المسألة طبعا ليست بسيطة، الوطن العربي منطقة إستراتيجية وغير عادية فيها مصالح ضخمة، ولهذا لن تتركها أمريكا وأوربا بسلام، ولكن عليها أن تتعامل مع ما يحدث بجدية أكثر وبعقلية أوضح.
أتمنى من كل قلبي أن لا تختصر الثورة الليبية جهدها بطلب تدخل عسكري أجنبي على أراضيها، فهذا سيقتلها في المهد. إن مدى الثورات طويل ويحتاج إلى نفس حقيقي، لأن ليبيا ليست لا تونس ولا مصر، حيث حسم الجيش كل شيء، وأنقذ البلدين من حرب أهلية قاسية ومزيد من الضحايا، ليبيا لا توجد بها أي مؤسسة نظامية تستحق هذه التسمية، مما يجعل نجاحها محفوفا بالكثير من الصعوبات وربما المزالق المعقدة والمخاطر.

عاشت الجزائر، على غرار باقي البلدان المغاربية، حركة احتجاجية تطالب بالتغيير، أثمرت رفع حالة الطوارئ بعد 19 سنة، كيف تقيم من موقعك كمثقف الوضع السياسي في الجزائر؟
التجربة الجزائرية ليست مفصولة عما يحدث عربيا اليوم، بل هي في صلبها، أخفقت بالقوة على مدى مرتين لعوامل موضوعية. الأولى سنة 88 ، عندما خرجت الجماهير للمطالبة بحقها الوجودي والديمقراطي. المؤسسة السلطوية قتلت العشرات، وأدخلت الجيش في حرب ضد الشعب لم يكن مهيأ لها أبدا، فكان أن استعملها الإسلاميون لركوب الموجة والاستيلاء على مظاهرة لم تكن مطالبها إسلامية، ولكن حياتية وديمقراطية بدون أن تجد لها قيادات حقيقية تستوعبها. والثانية كانت في التسعينات، عندما ترسخت هزيمة 88 وفتحت في 93 الفرصة لتبرير عبور الإسلاميين، المقتل الحقيقي لأي ديمقراطية، وبدؤوا في فرض شروطهم.
التجربة التونسية والمصرية تأتي بعد تراكم في التجربة الجزائرية وخساراتها وهزيمة عسكرية للحركة الإسلاموية في منطقة المغرب العربي، إذ ما معنى أن يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا مجردا من أي أمل في الحياة وسط غابة من الخطابات الجافة والباردة، شيء ما في منظومة المجتمع معطل بقوة، في ظل وضع معولم، لم يعد يقبل الخطابات التلفيقية السابقة.
الكثير من المعضلات والتحديات المحيطة نهضت دفعة واحدة بعد أن تم تسكينها بقوة الخطابات الوطنية المنفوخة، من المشكلات الاجتماعية إلى المآزق اللغوية إلى معضلات الهوية التي لم يتم تبنيها كما يجب. كيف سيواجه هذا المغرب العربي المختل بنيويا، الأجيال الجديدة التي تضيق مساحاتها الحياتية والديمقراطية وتتنامى مطالبها الكثيرة في أفق يكاد يكون مسدودا، ما هي حلوله أمام التمزقات الداخلية التي تحتاج بالضرورة إلى تأمل كبير وفق منظورات جديدة؟
كل المفاهيم الجاهزة اهتزت، وكل اليقينيات أصدمت بالحقيقة المرة. ما معنى الوحدة الوطنية في وضع غير عادل؟ وأمام أجيال تعيش عصرا آخر، حيث لم يعد من الممكن إخفاء الفشل أو الظلم والفقر المدقع والغنى الفاحش وراء بلاغة لغوية ميتة.
يبدو هذا النوع من الخطابات بعيدا عن جيل لم يلقن إلا البؤس والفقر وغياب مشروع وطني قادر على زرع الأمل فيه. جيل لم تعد المدرسة والجامعة مثله الأعلى بعدما أوصلته إلى البطالة والموت البطيء. هناك مشكل بنيوي داخلي يحتاج إلى تجديد أدوات التحليل والنظر. هناك بحث في الجزائر عن مساحات جديدة للتعبير الحر والرغبةِ في مجتمع أكثر عدلا، ونظامِ يبتعد عن الريع والنهب ويتوجه نحو انشغالات شعبه.
ربما كان الأهم ليس الظاهر الذي يتبدى الآن في شكل احتجاجات قاسية، ومدمرة أحيانا لكل ما يمثل الدولة، ولكن ما ينشأ في الخفاء في ظل حالة استشراء اليأس والضغينة.
هناك ترهل الإطار السياسي القيادي من سلطة ومعارضة، الذي يفتقر إلى ثقافة العصر بكل تعقداتها، وهو قادم من خزائن حركة التحرر الوطني التي لم تعد تعني الشيء الكثير للجيل الجديد، بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلالات والإخفاقات المتكررة.  إطار سياسي لم يتجدد منذ أكثر من خمسة عقود، وكأن الزمن ثبت في لحظة واحدة مهما كانت قيمتها لم تعد كافية لإقناع الأجيال الجديدة التي ترى اليوم الثروة غير مقسمة بشكل عادل ونصيبها من الحياة وفرص العمل منعدمة. تبدو الأحداث الأخيرة في الجزائر والمغرب وفي غيرهما مفاجئة، مع أن الأمر ليس كذلك.
الكثير من العلامات الأولية تبدت في شكل صرخات يائسة تحتاج اليوم إلى من يسمعها وسط رهانات الإرهاب الخطيرة، وحالة عدمية لا يبررها لا الدين ولا العمل السياسي في معنييهما الإنساني. إن البحث عن دم جديد أصبح ضرورة مغاربية وعربية لتغيير البؤس الجماهيري المستشري.

هل ما زال الخطر الإسلامي، كما يرى بعض المحللين، واردا في حال عودة الحياة السياسية، وإجراء انتخابات حرة في الجزائر؟
بطبيعة الحال الحركة الإسلاموية التي جرفتها الأحداث تحاول جاهدة أن تسترجع مواقعها. فهل ستستفيد من الثورات وتغير مشروعها العدمي الإلغائي؟ لا أعتقد على الأقل في الوقت الحالي.
في الجزائر، طرد علي بلحاج شر طرد أثناء انتفاضة غلاء الأسعار في يناير الماضي، من إضرابات باب الوادي، ويحاول الشيخ القرضاوي أن يعطي نفسا جديدا للإخوان المسلمين في مصر، بعد أدائه صلاة الجمعة في ميدان التحرير، وتم طرد غنيم وهو أحد القادة الثوار الشباب ومنع من الكلام، ويحاول الشيخ الزنداني في اليمن أن يغتصب الثورة اليمينة حتى قبل نجاحها، سيظلون خزانا لكل الانهيارات، فلا برنامج حقيقي لهم، ولا يحاربون إلا بنجاح الثورة ووضع دساتير حقيقية تعلو فيها المواطنة على كل شيء، وتحويلهم إلى أحزاب عادية، وليس إلى أدوات تدميرية لكل عقلانية.
الوضع العام في الجزائر من الناحية الأمنية أصبح لا بأس به، رفع حالة الطوارئ في هذا السياق، مسألة إيجابية ومهمة، لكن هذا لا يكفي كصمام أمان، فالشعب ما يزال منشغلا بيومياته التي عليها أن تتغير جذريا، وهو يرى أن الريع النفطي لا يعود عليه بأي خير، ويرى يوميا نشوء طبقات جديدة طفيلية مافياوية تتحكم في الاقتصاد والحياة وتزيد من فقره.
الثورات لا توقف بالخطابات الجاهزة، ولكن بمشروع مجتمعي حقيقي عادل وديمقراطي تحس به الطبقات الأكثر انسحاقا التي شكلت وتشكل دائما وقودا للثورات، وهذا ما يزال للأسف غائبا، وربما احتاج إلى مزيد من الوقت، ولكن من يضمن السلام داخل هذا الوقت؟

أجرى الحوار: برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى