fbpx
خاص

عمار الجندي الذي مارس السياسة في سجون بوليساريو (الحلقة 2)

فنيد: يخرجونا ليلا ويعذبون الضحايا ويطلبون منهم الرد على سؤال واحد وهو الصحراء لمن؟

هناك… تبدو كلمة مغربي، مرادفا ل”عدو”، لكيان يمكن تجريده بكل قسوة من إنسانيته، من كرامته. وهي أيضا معادل لإشارة تعذيب: اضرب، احرق، اقطع، نكل…ابصق…اقتل…وهذا ما عاشه جنود مغاربة احتجزتهم جبهة بوليساريو أزيد من عشرين سنة…

هنا… تبدو كلمة إنصاف، مرادفا ل”مستحيل”، لفعل يمكن تعويمه في بحر الوعود، وإغراق جثته في بركة أكاذيب، وهي أيضا معادل لإشارة
إقصاء: “خونة”، “سير وآجي”، “إهمال”، “إحباط”…وهذا ما عاشه الأسرى المفرج عنهم من معتقلات بوليساريو بعد حوالي سبع سنوات من عودتهم إلى أرض الوطن… هذه…خلاصة
حكاية رجال قادهم سوء الطالع إلى سجون مرتزقة بوليساريو والجزائر، واختارتهم الأقدار ليفرغ فيهم الحاقدون سم هزائمهم وكراهية فشلهم وغل عجزهم عن إنجاح مؤامرة
الجزائر وربيبتها “بوليساريو”. حكاية يرويها عمار فنيد، أحد أقدم أسرى المعارك التي افتعلتها الجزائر، وقادها مرتزقة بوليساريو. يحكي عمار عن علاقة أسامة بن لادن
بجنرالات الجزائر، وعلاقة جورج حبش بالبوليساريو وياسر عرفات ووزراء دفاع إيرانيون ودانيال متران، وعن علاقات مع مافيات مواد التموين لتهريب
الأسر المحتجزة، وعن جنود مارسوا السياسة من أجل الوطن، والتعذيب وعن اغتصاب ضابط موريتاني أمام 7000 تلميذ ورمي مغاربة
يحتضرون في الخلاء حتى تجف أجسادهم ولا تدفن جثثتهم.

سيق عمار وكل الذين أسروا معه إلى الجهة التي يرابض فيها مقاتلون آخرون من جبهة بوليساريو، “كانوا يرتبون جثث قتلاهم تحت شجرة، وهناك لاحظت أن هناك العشرات من الأسرى الآخرين، أغلبهم مصابون، بل من بينهم مقطوعو الأرجل أو الأيدي أو الذين تتدلى أمعاؤهم من بطونهم، وبعضهم اختلطت أمعاؤه بالرمال، وكانوا أحياء، المهم أن قلة قليلة جدا غير مصابة إصابات خطيرة، فقد كافح الجميع بكل ما أوتي من قوة وحيلة، وهذا ردي على الذين اعتبرونا “خونة” أو “جبناء”، معتبرين أنه لم يكن يجدر بنا الوقوع أسرى، في حين أنهم هم من خان حين أخبرونا أن الأمر يتعلق بمؤن، وبعدم الاقتراب منها”.
كانوا جزائريين وصحراويين مرتزقة وماليين أيضا وفيهم أيضا موريتانيون، حسب عمار، مضيفا أن “المرتزقة وحدهم لم يكونوا ليفعلوا ذلك، بل كانوا مدعومين، ولسوء حظي كانوا  يكنون حقدا كبيرا للأمازيغ، لذلك نال العسكريون الأمازيغ تعذيبا خاصا، وكلما أرادوا تعذيبي يصيحون “جيبو الشلح”..
سوء حظ، طالع أسود، هو ذاك الذي أوقع عمار وآخرين في معركة بئر أنزران، رغم أن المغاربة هم من انتصر في هذه المعركة وقطعوا على الأعداء فرحة انتصارهم القصيرة، إذ بعد إعلان موريتانيا عن انسحابها من الصحراء أرسل المغرب جيشه بقيادة الجنرال الراحل أحمد الدليمي لاسترجاع المناطق التي انسحبت منها موريتانيا، فيما كان المرتزقة يعدون للاستيلاء على هذه المناطق، فنصبوا كمينا للجيش المغربي يسمح له بالتوغل، قبل ضربه بمكر، إلا أن هذه الخطة فشلت وقاد المغاربة معركة خالدة تصدوا فيها للمرتزقة، رغم أنهم أوقعوا الصفوف الأمامية، وأسروا من أسروا وقتلوا من قتلوا، بل إنهم يومها انتقموا اشد انتقام من أسرى هذه المعركة التي انهزموا فيها شر انهزام.
“أحضروا معهم شاحنات وعتادا كبيرا، وكان مرادهم الاستيلاء على الأمتعة واختطاف المدنيين، والاستيلاء على المنطقة، لكنهم فشلوا”، يحكي عمار، مضيفا “الرابعة مساء، قيدونا ونقلونا إلى منطقة الرغيوة، وراء أمغالا، حيث كان آخرون ينتظرونهم، أعدوا زريبة بنبات شوكي “الشطب”، وكنا حوالي 175، مات ثلاثة على الفور في الزريبة، وبقي 172، ثم مات 12 بعد ذلك وبقينا 160. بتنا في الزريبة، وكنا نسمع أصوات المعركة وأنين المصابين، وفي الليل أخرجونا واحدا واحدا، يعذبون الضحية ويطلبون منه الرد على سؤال واحد، إذ يجد في انتظاره خمسة مسؤولين، وحين حان دوري، جروني بقسوة، إذ لم أدرك أني مصاب إلا بعد أن وقعت في الأسر، سألني أحد هؤلاء المسؤولين: الصحراء لمن؟ قلت له “الصحراء مغربية”، ثم زاد “هل قرأت التاريخ؟ من أخبرك بذلك؟” قلت له “قرأت التاريخ والجغرافيا في الكتب التعليمية، وأعرف أن حدود بلادنا هي نهر السنغال”، كان الجواب كافيا لألقى تعذيبا كبيرا، قبل أن يقول لي مرة أخرى “اهتم بشؤونك وحدها، ولا علاقة لك بالصحراء”، فهمت من جوابه ألا ألح في تأكيد أن الصحراء مغربية عندما يسألني أي واحد منهم، وأعدت إلى الزريبة”.
وصلت الشاحنات باكرا، ونقل الأسرى إلى منطقة الوسط حيث الجيش الجزائري، “أمدونا بماء ساخن، قبل نقلنا من جديد إلى الروامين حيث السجون، الخامسة مساء، أدخلنا إلى مكان يسمى “الربيني” وهو مكان عبارة عن حفر، كل حفرة عمقها أربعة أمتار وطولها حوالي 50 مترا وعرضها حوالي 20 مترا، فيها دروج بالتراب، أدخلنا إليها بعد نزع الحذاء والسترة، فوق كل حفرة أكواخ الحراس المسلحين بالرشاشات، إذا حاولت حك جرح أو حتى الأنين يصوب إليك الرشاش ويأمرك بالصمت، مساء أحضروا لنا أرزا ورمالا وعدسا، كان يومها 17 رمضان وأغلبنا مازال صائما، قبل المعركة، أكل الأسرى ما أحضر لهم وكأنهم يقبلون على وجبة دسمة”.
صباحا، أخرج الجنود من الحفر، وطلبوا من أسرى بئر أنزران التجمع في ساحة، وفي أياديهم سياط، نطق أحدهم “اضربوا اليهود” (كانت للعبارة حمولة كراهية وقتها)، “جلدونا وكان الأصحاء منا يحاولون توجيه أجسادهم إلى السياط حماية للمصابين، خاصة أولئك الذين قطعت أرجلهم أو أياديهم أو فقئت أعينهم، إذ لم تشفع لهم هذه الإصابات بالرحمة، بل تلقوا هم أيضا نصيبهم من التعذيب، وعلمنا حينها أن المغرب انتصر في معركة بئر أنزران، فشعرنا بالفخر رغم أننا دفعنا الثمن غاليا، ثم طلبوا منا الانخراط في العمل، والسياط وراءنا، نعمل ونجلد، البعض يحفر، البعض يحمل الآجر والتراب، وهذا كان أول أعمالنا الشاقة التي ستستمر طيلة سنوات أسرنا، إذ بنينا أزيد من 40 مؤسسة، بنينا مدرسة “12 أكتوبر” بسعة 7000 تلميذ بمستودعاتها وداخلياتها، ومدرسة “9 يونيو” تسع أزيد من 3000 تلميذ ومدارس السمارة المزيفة والداخلة المزيفة والعيون المزيفة وغيرها، فهكذا يطلقون عليها، ثم مخيمات العيون والسمارة”.
فيما كان الأسرى المغاربة يشيدون كانت منظمات حقوقية تمنح الأموال ومساعدات البناء لقياديي بوليساريو الذين هربوها إلى الخارج، “كانوا يستغلوننا، ومن بينهم دانييل متران، التي واجهت صعوبات معنا، إذ هي من كان يقود 37 منظمة تساعد بوليساريو”.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق