fbpx
مجتمع

“بلعياشي”… ثكنة تحولت إلى مستشفى بآزمور

الرطوبة تأكل النزلاء وغياب التجهيزات الطبية يجبرهم على إجراء الفحوص والأشعة خارج المؤسسة

التاسعة صباحا بمدخل مستشفى الأمراض الصدرية «سيدي العياشي» بآزمور، الحركة دؤوبة أمام المدخل، سيارات أجرة صغيرة تبدد، بين الفينة والأخرى، صمت المكان حاملة أحد المرضى الذي بالكاد يستطيع التحرك بمساعدة أحد أفراد أسرته. المرضى يصطفون على كرسي خشبي طويل وضع أمام قاعة الكشف في انتظار وصول الطبيبة التي ستتولى قراءة صور الأشعة وتحديد العلاج المناسب لكل حالة، والذي يتراوح بين وصف بعض الأدوية للحالات الخفيفة، والإقامة بالمستشفى للحالات الخطيرة التي فتك بها المرض في غياب أي تشخيص.

انتظار قاتل
يستمر مسلسل انتظار الطبيبة الرئيسية المكلفة بالكشف عن الحالات التي جاءت ذلك الصباح بناء على موعد سابق، بعد أن طلبت من كثير منهم إجراء أشعة لمعرفة مدى تمكن المرض من رئة كل واحد منهم، قبل تحديد العلاج الذي سيقدم له. تأخر حضور الطبيبة أثار استياء بعض المرضى الذين كانوا ينتظرون أمام باب المستشفى لأزيد من ثلاث ساعات، خاصة كبار السن الذين لا يقوى كثير منهم، على الانتظار من الذين تمكن المرض الخبيث من أجسادهم التي أضحت نحيفة لا تقوى على التنفس إلا بصعوبة، المحظوظون منهم استطاعوا الحصول على مكان بالكرسيين الخشبيين اللذين وضعا أمام قاعة الكشف، الأقل حظا من الذين التحقوا بالمستشفى بعد الثامنة لم يجدوا غير تراب حديقة مقابلة لإدارة المستشفى للجلوس فوقه في انتظار دورهم لرؤية الطبيب، وتشخيص حالتهم. أمام مبنى الإدارة كانت سيدة في الخمسينات من عمرها تحاول تهدئة زوجها المسن الذي يترنح من شدة الألم ، لأنه، حسب قولها، وصل به المرض به إلى مرحلة متأخرة جعلته لا يقوى على الجلوس، ما يدفعه إلى النهوض من المكان حيث يجلس ويتحرك جيئة وذهابا بدون اتجاه بخطوات متثاقلة قبل أن تداهمه نوبات سعال شديد تجبره على العودة إلى الجلوس بمكانه.
زوجته تؤكد أنها جاءت منذ الصباح الباكر من منطقة «مولاي عبد الله» بالجديدة إلى مستشفى «سيدي العياشي» بعد أن تدهورت صحة زوجها وأظهرت الأشعة التي أجريت له بالجديدة أنه مصاب بمرض السل، وتضيف أنها تتمنى أن تقبله إدارة المستشفى لتلقي العلاج داخله، ولذلك حرصت ذلك الصباح على إحضار بعض ملابسه وغطاء وبعض المواد الغذائية الأساسية. حوالي الساعة العاشرة وعشر دقائق وصلت الطبيبة الرئيسية للمستشفى، وبدا من تحركات المرضى وعائلاتهم أنهم يعرفونها وسبق أن زاروها لتبدأ عملية الكشف عن المرضى ومراقبة صور الأشعة التي يحملونها قبل أن تقرر طريقة العلاج.

رطوبة لا تحتمل
ينقسم مستشفى «سيدي العياشي» للأمراض الصدرية إلى جناحين جناح للرجال وآخر للنساء، الوصول إلى الجناحين أمر غير صعب، إذ تسمح الإدارة لعائلات المرضى بزيارتهم في أي وقت لتزويدهم بما يلزمهم من مواد غذائية وطبية لا تتوفر داخل المستشفى. خلف بوابة المستشفى التي يقف أمامها أحد رجال الحراسة الخاصة يوجد ممر ترابي طويل يقود إلى الساحة التي يقع الجناح المخصص للرجال على يسارها، وهو عبارة عن قاعة طويلة اصطفت داخلها أسرة حديدية متجاورة، بعضها استلقى عليه مرضى من ذوي الحالات المتدهورة وأخرى فارغة ذهب أصحابها لقضاء بعض الأغراض أو خرجوا إلى الحديقة هروبا من الرطوبة التي تنفذ إلى العظام وللاستفادة من أشعة الشمس الدافئة.
طبيعة بناء المستشفى والمكان الذي شيد به قريبا من البحر تجعل معدلات الرطوبة مرتفعة، كما يساهم غياب أجهزة التدفئة في مضاعفة آثار تلك الرطوبة التي لا يخفف منها إلا حرارة مواقد الغاز التي تستعمل للطبخ أمام هزالة الوجبات المقدمة للنزلاء من طرف إدارة المستشفى، المرضى لا يولون كثيرا من الأهمية للخطر الذي يمكن أن يشكله وجود قنينات غاز صغيرة على حياتهم، لأن كل ما يهمهم أن يتناولوا وجبات طعام صحية تغنيهم عن الوجبات المقدمة لهم.   
نظافة المكان لا تختلف كثيرا عن الجو العام للخدمات المقدمة داخل المستشفى، إذ يصعب على الزوار تحمل منظر أحواض الغسيل والمراحيض التي يستعملها المرضى يوميا أمام غياب أي مراقبة من طرف الجهات المختصة.

مستشفى من بداية القرن الماضي
يعود تاريخ تشييد مستشفى «سيدي العياشي» إلى بداية القرن الماضي، إذ يعود تاريخ تشييد المبنى الذي صمم في البداية واستعمل ثكنة عسكرية إلى سنة 1919، قبل أن يتحول في الأربعينات إلى دار للعجزة لاستقبال مسني المنطقة، غير أن هذا الفضاء الذي يعود إلى الحقبة الاستعمارية سرعان ما قررت وزارة الصحة، أمام تنامي حالات الإصابة بمرض السل بمنطقة دكالة عبدة، تحويله إلى مستشفى للأمراض الصدرية يعد الوحيد من نوعه في المغرب المخصص لهذا المرض الخبيث الذي يحاول المغرب التصدي له استجابة لمعايير منظمة الصحة العالمية التي تعتبره من أمراض الفقر. طريقة البناء والمواد المستعملة والحالة التي وصلت إليها كثير من مرافق المستشفى تظهر أنه لم يعرف عمليات ترميم لمدة طويلة، ما حول كثيرا من مرافقه إلى خراب وتم إغلاقها في وجه المرضى. مصادر طبية عزت الحالة المتردية التي وصل إليها المستشفى إلى مجانية العلاجات المقدمة داخله، والتي لا تمكن الإدارة من توفير أي مداخيل تمكنها من إعادة ترميمه ليصبح في مستوى المعايير الوطنية المعمول بها في مثل هذا النوع من المستشفيات المتخصصة، غير أن هذا التبرير تنتقده مصادر أخرى ترى أن هناك غياب إرادة لإصلاح المستشفى من طرف القائمين على قطاع الصحة بالإقليم، الذين كان بإمكانهم إذا ما أرادوا ترميمه التقدم بمشروع إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي جاءت لتمويل مثل هذه المشاريع التي تقدم الخدمات الصحية الأساسية لسكان الإقليم والمدن المجاورة.

شكايات متعددة
أمام ارتفاع أعداد المرضى الذين يقبلون على المستشفى من أجل تلقي العلاج بفعل مجانيته، أصبحت الإدارة حسب بعض المرضى لا تمنحهم المدة الكافية للعلاج التي يمكن أن تصل إلى عدة أشهر، وتضطر أمام الضغط إلى منح تراخيص الخروج لبعض المرضى الذين قطعوا أشواطا كبيرة في مراحل العلاج ومنحهم الأدوية اللازمة لاستكمال العلاج بمنازلهم لمنح الفرصة لمرضى آخرين من أصحاب الحالات المتدهورة التي تستلزم الحصول على علاج مستعجل، مع أن كثيرا من المصابين بمرض السل بإقليم الجديدة والمناطق والمدن المحيطة بها يفضلون تلقي العلاج داخل منازلهم رغم مجانيته داخل المستشفى بسبب الوضعية المزرية التي أصبح عليها الأخير، غير أن الطبقات الفقيرة للفلاحين الذين يقطنون بالبوادي المحيطة بالإقليم يفضلون تلقي العلاج بالمستشفى أمام ضيق ذات اليد. وأمام غياب دور وزارة الصحة الوصية على القطاع ورغم تدخل بعض المحسنين من حين لآخر عبر تقديم بعض الدعم للمرضى وتوفير بعض التجهيزات فإن الحالة العامة للمستشفى مزرية وتفتقر إلى كثير من الضروريات اللازم توفرها في مثل هذا النوع من المؤسسات الصحية التي تقدم العلاج لمرضى السل.
عدم توفر الأجهزة الطبية اللازمة لإجراء التشخيص الجيد للمرض يمثل مشكلا كبيرا لنزلاء المستشفى الذين يضطر كثير منهم إلى الانتقال إلى مدينة الجديدة من أجل إجراء التحاليل والأشعة التي يعتمد عليها الأطباء في تحديد مدى تحسن حالة المرض، مصاريف هذه التحاليل إلى جانب مصاريف التنقل تمثل لبعض الحالات المعوزة حاجزا أمام إتمام العلاج.

السل العدو الصامت
تشير المعطيات الصادرة عن الجمعيات المهتمة بمحاربة مرض السل إلى أن النتائج المحققة على المستوى الوطني لم ترق إلى مستوى الانتظارات، وتوضح المعطيات أن مؤشر نسبة خفض انتشار جرثومة السل بين المواطنين المغاربة لا يتجاوز 3 في المائة سنويا رغم المجهودات المبذولة من طرف مختلف الاطراف المتدخلة، إذ يعتبر المرض من بين أسباب الوفيات في المغرب.
وعزا المختصون هذا الانخفاض إلى استمرار ظاهرة انقطاع المرضى عن متابعة العلاج بسبب ضعف البنية الاستقبالية للمستشفيات والمراكز الصحية، خاصة بالمناطق النائية، وسوء التنسيق بين المصالح المختصة لتوفير الدواء في المراكز الصحية، وضعف تتبع حالات السل الرئوي المعدي، ما يجعل المرضى يساهمون في إعادة نشر الجرثومة بين باقي المواطنين، وتحولهم إلى مرضى يحملون السل المقاوم للأدوية، وهو أخطر أنواع المرض.
وتفيد آخر المعطيات الرسمية حول الوضعية الوبائية لداء السل بالمغرب، إلى حدود سنة 2008، وجود 25 ألفا و500 مغربي مصاب بالداء، بمعدل انتشار يصل إلى 82 شخصا من بين كل 100 ألف، بينما يصل معدل الإصابة بالسل الرئوي إلى 37.4 شخص في كل 100 ألف نسمة، 53 في المائة منهم يحملون النوع المعدي من المرض، وهم من الفئة العمرية بين 15 و35 سنة.
وبخصوص التوزيع الجغرافي للمرض يوضح المختصون أن داء السل يتمركز في المناطق الحضرية، مقارنة مع القروية، إذ تأتي مدينة الدارالبيضاء على رأس القائمة، تليها جهتا طنجة وتطوان، والرباط. وتعرف جهة الدارالبيضاء 4 آلاف و795 إصابة، حسب آخر إحصاء لسنة 2008، وهو ما يمثل معدل 18 في المائة من نسبة الإصابة على الصعيد الوطني، بينما ينتشر الداء بين سكان منطقة الفداء بشكل أكبر، في حين تسجل عمالة عين الشق الحي الحسني ألف و55 حالة، ضمنها 487 من النوع المعدي، وتسجل 633 حالة في عمالة الدارالبيضاء- أنفا، ضمنها 299 نوعا معديا. وتعود أسباب الإصابة بالمرض إلى الفقر وانعدام النظافة والتهوية الكافية.      

حبر على ورق
تطرح الأوضاع المزرية التي يعرفها مستشفى “سيدي العياشي” علامات استفهام عديدة حول إستراتيجية وزارة الصحة لمحاربة داء السل التي وضعت من بين أهم أهدافها العمل على تقليص نسبة المنقطعين عن العلاج من 10 في المائة إلى أقل من 2 في المائة، والحفاظ على معدلات الكشف، ونسبة نجاح العلاج في أزيد من 90 في المائة.
ورغم مجانية العلاج داخل المستشفى المذكور فإن جودته تجعل عددا كبيرا من المرضى يفضلون تناول الأدوية التي توفرها الوزارة ومتابعة العلاج في منازلهم بدل المكوث داخل المستشفى الذي يفتقر إلى أدنى شروط العلاج، التي تتمثل في النظافة والتهوية وأشعة الشمس التي تعد من العوامل الأساسية المساعدة في العلاج إلى جانب الأدوية.
يشار إلى أن «الصباح» حاولت معرفة وجهة نظر مسؤولي مستشفى «سيدي العياشي» بأزمور، إلا أنهم رفضوا الحديث ما لم يحصلوا على إذن من مندوب الصحة بالجديدة الذي حاولت «الصباح» الاتصال به داخل مقر المندوبية، إلا أنه كان خارج المكتب طيلة مساء الخميس الماضي فلم تنجح في ذلك.
اسماعيل روحي

(موفد الصباح إلى آزمور)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق