fbpx
تحقيق

فلاحون بتاونات تخلوا طواعية عن زراعة القنب الهندي

فرض كساد منتوج القنب الهندي ومشتقاته، على بعض مزارعيه التخلي طواعية عن زراعته الدخيلة التي أقحمت عن سبق إصرار مناطق الشمال وأهلها في دوامة لامتناهية من ظواهر مشينة ضربت عمق عاداتهم وتقاليدهم، وحولت بعض شبابها إلى مدمنين غارقين في «البلية» وكيفية تدبر تكاليفها الباهظة بشكل يجعلهم أدوات «طائعة» بأيدي بارونات مغتنين على حساب صحة الآخرين. الوضع وما ولدته الزراعة من استغلال بشع للموارد المائية والطبيعية والغابوية وامتدادها إلى أراضي مخزنية تابعة للدولة، أغضب جمعية حقوقية اتهمت الدولة بالتقاعس في محاربة الكيف وامتداده وتوسعه ميدانيا وعلى حساب صحة مستهلكي مشتقاته والوقوف موقف المتفرج حيال الاستغلال السياسوي لزراعة بحاجة إلى جهود حقيقية تجتثها وكل أسباب توالدها الاقتصادية والاجتماعية.

“تدويل” زراعة الكيف
صعدت جمعية حقوقية من لهجتها تجاه الدولة خاصة في تعاملها مع زراعة القنب الهندي بمناطق الشمال، متهمة إياها بنهج سياسة الصمت حيال الانتشار والتطور الخطير لهذه الزراعة على كافة المستويات، إلى درجة لم تعد معه المنطقة مجرد مزود بهذه المادة المحظورة للسوق الداخلي، بل «أضحت لها صلة بالتسويق والاستهلاك الدولي» يقول فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بغفساي.
ولتبرير هذا الامتداد غير المسبوق، أكد الفرع كما نظيره الجهوي لجهة فاس، استيراد أنواع أخرى من بذور القنب الهندي لتلبية حاجيات منطقة غفساي وكتامة وما جاورهما من مواقع ابتليت بهذه الزراعة الدخيلة على أهلها، حسب الطلب، إذ «لم تعد المنطقة تنتج الكيف المعروف قديما بـ»المخدر الرطب» الأقل خطورة، وإنما تحول بعد تغيير البذور، إلى المخدر الثقيل والمحظور دوليا».
وتحدث في تقرير له عن عملية تبادل لأنواع المخدرات وفتح أسواق استهلاكها محليا، من قبيل الكوكايين والهيروين و»القرقوبي» وغيرها، مؤكدا ارتباط ذلك بالوضع الأمني المقلق وتطور الجريمة بالمنطقة وعودة الاستهلاك العلني للمخدرات بالأماكن العمومية وسهولة الحصول عليها، ما يجسد «فتور كل السلطات الأمنية في مهامها»، مطالبا بالإسراع في تطويق الوضع درءا لتطوره.
وقال المكتب الجهوي للجمعية الحقوقية بفاس، إن صمت الدولة عن انتشار هذه الزراعة بأراضي المياه والغابات والأحباس وتلك التابعة لوزارة التجهيز، «تشجيع غير معلن للمسؤولين» و»حجة قاطعة على غياب إرادة لدى الدولة في محاربة هذه الآفة»، محملا إياها مسؤولية انتشارها، طرح تبناه فرع غفساي المتحدث عن أن الدولة لم تبحث عن بديل حقيقي يخرج المنطقة من أوضاعها.

استهلاك إعلامي للزراعة
اعتبر محمد أولاد عياد، رئيس فرع هذه الجمعية بغفساي، أن الحملات التي تقوم بها السلطات الإقليمية بتاونات لمحاربة زراعة القنب الهندي، «انتقائية» و»تهدف إلى غايات أخرى» ذكر منها «الاستهلاك الإعلامي»، مؤكدا أن العامل الأساسي المساهم في تقليص المساحات المزروعة، راجع إلى «كساد البضاعة لمدة سنتين متتاليتين»، ما أدى إلى انخفاض مداخيل المزارعين بشكل ملحوظ.
هذا الوضع جعل العديد من المزارعين يفكرون جديا في التخلي النهائي عن هذه الزراعة التي «لم تجلب لهم إلا الإهانة والذل» بتعبير هذا المسؤول الحقوقي المتحدث عن استغلال بعض السياسيين أو من أسماهم «المفكرين الكبار»، للوضع وتوظيفهم الإعلام العمومي المرئي «لتوزيع أحلام جديدة في صفوف الفلاحين الفقراء حتى تظل هذه الكتلة البشرية الهامة، تحت رحمتهم خاصة في الانتخابات». واتهم فرع الجمعية بغفساي، كل السلطات و»هيآت سياسية»، بتشجيع هذه الزراعة بشكل غير معلن، ما جعلها تعرف تطورا سريعا «نسجت في ظرف قصير، كل المكونات الضامنة لاستثمارها وترويجها» رغم سلبياتها العميقة على كل المستويات، مؤكدا أن «تقنينها واجتثاثها، أمر سهل شريطة أن تتوفر إرادة حقيقية لدى الدولة بارتباط مع وضع إستراتيجية لتنمية حقيقية للمنطقة المعنية بزراعتها.
هذه الزراعة الدخيلة جاءت نتيجة «سياسة التهميش والحيف والإقصاء المضروب على المنطقة»، والسكان في ظل معاناتهم الحقيقية، لجؤوا إليها لتدارك واقع عوزهم ما يفرض «جبر الضرر الجماعي» والبحث عن بديل حقيقي لإخراج المنطقة من أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المزرية، فيما أكد محمد أولاد عياد أن «أي تنمية في هذه المرحلة، بمثابة مسكن ظرفي وإهدار للمال العام».

استغلال مفرط للمياه
إن تطور زراعة القنب الهندي وانتشارها على نطاق واسع بغفساي في ظل نهج سياسة الصمت وعدم التدخل للحد الحقيقي منها ومن توسعها، ولد ظواهر غريبة ومشينة امتدت إلى الاستغلال العلني لأراضي التجهيز والأملاك المخزنية والمياه والغابات والأوقاف والشؤون الإسلامية، في هذه الزراعة التي نبتت وترعرعت على طول المجاري المائية بما في ذلك حقينات السدود بالمنطقة. وتطلب هذا الامتداد كميات مرتفعة من المياه لسقي المحصول، ما دفع «المزارعين الميسورين والنافذين»، إلى حفر آبار عميقة بعدة مناطق خاصة المتوفرة على الجيوب المائية، بل استعمال مضخات على طول حقينة سد الوحدة بمختلف الأنهار والمجاري المائية، دون الحصول على أي ترخيص بذلك من قبل السلطات المحلية أو الجماعات المحلية أو وكالة حوض سبو وغيرها من الجهات.
وأمام الحفر المكثف والعشوائي لتلك الآبار، جفت عدة عيون كانت تلبي الحاجيات الأساسية من الماء لسكان الدواوير البعيدة، ذكر منها فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بغفساي، دواوير أولاد صالح بجماعة سيدي يحيى بني زروال وتاينزة بالرتبة، والبحيرات خاصة «أفرط النجوم» و»أفرط بلكامل» و»أفرط دالفريشة»، للانخفاض الملحوظ في الضغط المائي المساهم في تغذيتها والمنابع. وتعتبر بحيرة «أفرط النجوم» أكبر ضحية في هذه الزراعة، بعد جفافها وهي التي كانت دوما تلعب دورا إيكولوجيا هاما بالمنطقة، ما استنكره فرعا الجمعية بفاس وغفساي، غير الراضيين على الاستنزاف المتواصل للثروة المائية والتدمير الممنهج للمجالين المائي والغابوي والوحيش، وما ينتج عنه من اختلال إيكولوجي ملحوظ له سلبيات وخيمة، ويتطلب التحقيق واتخاذ الإجراءات الرادعة.
حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى