fbpx
مقالات الرأي

علوي: دور النيابة العامة في تنفيذ السياسة الجنائية بالمغرب

تعتبر الجريمة ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالإنسان منذ القدم وتطورت وتعقدت أشكالها وتنوعت وسائلها مع تقدم المجتمعات، وإذا كان الإنسان اجتماعي بطبعه ومحتم عليه نسج علاقاته الاجتماعية والاقتصادية مع باقي أفراد المجتمع، فانه غالبا ما يمكن أن ينصرف هذا الإنسان عن جادة الصواب ويرتكب جريمة معينة بفعل غريزة حب التملك وإشباع رغباته المختلفة .
وهذا يعكس لنا عجز الجزاءات بصورتها التقليدية عن منعها، مما يستوجب معه إعادة النظر في السياسة الجنائية باعتبارها الوعاء القانوني الذي يمكن من خلاله بلورة حلول عملية، من شأنها المساهمة في تنظيم وضبط المجتمع .
هذا ويعتبر موضوع السياسة الجنائية من الموضوعات الهامة وواحدا من الانشغالات الجوهرية لمختلف الدول والحكومات ، ذلك أن السياسة الجنائية تعتبر جزء من السياسات الحكومية الوطنية والدولية، الرامية في نهاية المطاف إلى تحقيق الشروط الضرورية للنماء والاستقرار والتطور على مختلف الأصعدة .
ومن هذا المنطلق أجمع أغلب الفقه على أن تأصيل مفهومها يرجع إلى الفكر الفلسفي الذي كان سائدا في أوروبا خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وقد كان الفيلسوف الألماني فيورباخ هو أول من استعمل تعبير السياسة الجنائية، وكان يقصد بها مجموع الوسائل التي يمكن اتخاذها في وقت معين في بلد معين من أجل مكافحة الإجرام فيه ، إلا أنها بالرغم من ذلك يبقى هذا التعريف غامضا لأنه لم يحدد نطاق هذه السياسة ومجالها.

الشيء الذي يدفعنا إلى طرح مجموعة من الإشكالات يمكن إجمالها فيما يلي : ما المقصود بالسياسة الجنائية في التشريع المغربي ؟ ماهي أهم خصائصها ومرجعياتها ؟ وأين تتجلى مختلف مرتكزاتها ؟
للإجابة عن هاته الإشكالية ارتأينا تقسيم هذا المقال إلى مبحثين نخصص(المبحث الأول ) للحديث عن التأصيل المفاهيمي والقانوني للسياسة الجنائية ثم بعدها ننتقل للحديث على مرتكزات السياسة الجنائية (المبحث الثاني(
المبحث الأول : التأصيل المفاهيمي والقانوني للسياسة الجنائية
يعد القانون الجنائي فرع من فروع النظام القانوني للدولة بمقتضاه تمارس سلطاتها في التجريم والعقاب، وإذا كان القانون الجنائي يبين حاضر هذا القانون فان السياسة الجنائية هي التي ترسم مستقبله، وان كان مدلول السياسة الجنائية ليس بالوضوح الكافي حتى نبين أبعاده لأول وهلة ونقول بأنه لا يكفي لمعالجة مشكلة الجريمة تحديد ماهيتها ورد الفعل المترتب عليها وبيان وسائل منعها، مالم نعرف بادئ الأمر الخطة التي تعالج على أساسها هذه المشكلة . وهو الشيء الذي يحيلنا في هذا المبحث إلى دراسة ماهية السياسة الجنائية (المطلب الأول) قبل أن ننتقل بعدها للحديث عن الإطار المرجعي للسياسة الجنائية

المطلب الأول : ماهية السياسة الجنائية
تعتبر السياسة الجنائية علما قائما بذاته ينصب على دراسة القواعد الجنائية ومدى ملاءمتها مع الأهداف التي يسعى إليها التشريع الجنائي لمكافحة الظاهرة الإجرامية، وتحقيق الأمن القانوني والقضائي واستقرار المجتمع، فهو علم يضع التصورات العامة ويهيئ أمام المشرع الجنائي الوسائل العلمية الكفيلة للوصول لهذه الغاية الهامة وهي القضاء على الجريمة أو على الأقل الحد من أثارها .

وهو ما سنتعرف عليه بشكل مفصل من خلال هذا المطلب، وذلك من خلال تقسيمه إلى فقرتين نخصص (الفقرة الأولى) لمفهوم السياسة الجنائية، على أن نتناول في (الفقرة الثانية) خصائص السياسة الجنائية.

الفقرة الأولى : مفهوم السياسة الجنائية
لم يقم المشرع المغربي بإعطاء تعريف للسياسة الجنائية، على اعتبار أن مجال التعريف هو اختصاص فقهي أصيل .
غير أن أول استعمال لمصطلح السياسة الجنائية كان في قانون المسطرة الجنائية لسنة 2003.
حيث أورده المشرع في المادة 51 من ق م ج والتي جاء فيها ” يشرف وزير العدل على تنفيذ السياسة الجنائية ويبلغها إلى الوكلاء العامين للملك الذين يسهرون على تطبيقها”[3].
هذا وتكاد الآراء تتفق على أن وضع السياسة الجنائية من مهام الحكومة، التي تقرر الخطط الكفيلة بمحاربة الجريمة مباشرة، عن طريق التقدم بمشاريع قوانين زجرية، أو وضع خطط وتدابير تنفيذية للوقاية من الجريمة، أو ملاحقة مرتكبيها .
ولكننا نعتقد أن وضع السياسة الجنائية أمر معقد يلجه أكثر من متدخل، حيث يمكن للبرلمان أن يكون فاعلا مؤثرا في العملية، عن طريق التقدم بمقترحات قوانين، أو إقرار المشاريع التي تقدمها الحكومة .
ورغم أن المادة 51 من ق م ج لا تنيط لوزير العدل سوى الإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية، وإبلاغها للوكلاء العامين لتطبيقها، فإن وزير العدل يعتبر فاعلا مؤثرا في وضع السياسة الجنائية، عن طريق التعليمات التي يعطيها للنيابة العامة، كأن يأمرها مثلا بالتقليص من حجم الاعتقال الاحتياطي، أو الاجتهاد في تحريك الدعوى العمومية[4] .
وإذا كانت المادة المشار إليها أعلاه قد حددت دور وزير العدل في الإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية، التي يطبقها أعضاء النيابة العامة، فإنها لم تحدد صراحة الجهة التي تتولى وضع هذه السياسة الجنائية .
وقد استمر الوضع على هذا الحال إلى أن تولى القانون التنظيمي رقم 13 – 100 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية تناول موضوع السياسة الجنائية من جديد، بمقتضى المادة 110 منه، والتي جعلت الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة مسؤولا عن تنفيذ السياسة الجنائية، وألزمته بتقديم تقرير بذلك إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وقد نص قرار المجلس الدستوري رقم 991 – 16 بتاريخ 15 مارس 2016 بمناسبة دراسته لملائمة المادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية للدستور أن المشرع هو المختص بوضع السياسة الجنائية، كما أكد المجلس الدستوري هذه الحقيقة بمناسبة دراسته للمادة 25 من القانون التنظيمي رقم 106 – 13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة .
كما أن مصطلح السياسة الجنائية استعمل للمرة الثالثة بمقتضى القانون 17 – 33 الذي منح الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض باعتباره رئيسا للنيابة العامة مهمة الإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية[5] .
كما أن هذا القانون 33- 17 نقل السلطات التي كان وزير العدل يمارسها على النيابة العامة وقضاتها إلى الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة، ابتداء من سابع أكتوبر 2017 ، بما في ذلك سلطة الإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية .
ونشير إلى أن السياسة الجنائية في القانون الوضعي تكتسي مفهومان، أحدهما ضيق، والأخر واسع، فإذا كان المفهوم الضيق للسياسة الجنائية هو ما خلص إليه الفقه التقليدي، والذي عرفها بكونها مجموعة من الوسائل والتدابير، التي ينبغي على الدولة اتخاذها لزجر الجريمة والحد من مخاطرها، حتى يتحقق الأمن والسلم لدى كافة مواطنيها، وهو ما يشكل مجالا لتنظيم مسطرة التجريم والعقاب، بالإضافة إلى إجراءات البحث والمتابعة، والمحاكمة، والتنفيذ، هذا فيما يخص المفهوم الضيق لها.
أما المفهوم الواسع للسياسة الجنائية، والسائد في الوقت الحالي، فإنه لا يقتصر فقط على قواعد القانون الجنائي الموضوعي أو الشكلي بل يتجاوز ذلك ليهتم بالأسباب المؤدية إلى استفحال الظواهر الإجرامية، حيث إن القانون الجنائي يفصلا عن طبيعته القانونية فهو علم اجتماع ينتمي إلى مجموعة العلوم الجنائية التي تبحث في أسباب الإجرام، وطرق علاجه وهو الجزاء المتعلق بالإجرام[6] .
ولما كانت السياسة الجنائية عبارة عن مجموعة من الأفكار، أو الوسائل الفنية، التي يتم ترجمتها إلى قواعد قانونية، من أجل محاربة الجريمة والتصدي لها، عبر زجر مرتكبيها في خطوة تروم الحفاظ على الأمن والسلم والاستقرار داخل المجتمع، فإنها بلا جدال تبقى موضوع شديد الأهمية باعتباره يشكل حجر الزاوية في نجاح أي منظومة قانونية تتعاطى مع ظاهرة الجريمة[7] .

الفقرة الثانية : خصائص السياسة الجنائية
تتميز السياسة الجنائية في سياقها العام بمجموعة من الخصائص والمميزات، وذلك باعتبارها بحرا يجمع العديد من العلوم والمجالات، وبالتالي فإن خصائصها متنوعة ومميزة أيضا[8]، والمتمثلة فيما يلي :
سياسة ذات غاية : تهدف السياسة الجنائية إلى غاية معينة وهي تطوير القانون الجنائي الوضعي في مجالات التجريم والعقاب والمنع في مرحلة الإنشاء أو التطبيق .
ففي مرحلة الإنشاء يقوم المشرع بالاهتداء إلى مبادئ السياسة الجنائية فيما يسنه من قواعد جنائية، أما التوجيه في مرحلة التطبيق فينصرف إلى القاضي الذي ينبغي عليه أن يحيط بأخر تطورات السياسة الجنائية حتى يستعين بنتائجها في تفسير نصوص القانون الجنائي[9].
كما تساهم في تطوير القوانين الجنائية الوضعية، وتوجيه المشرع الجنائي الذي يتعين عليه الاقتداء من الناحية العلمية والعملية بالمعطيات التي تقدمها الدراسات حول السياسة الجنائية.
وما يميز هذه الخاصية هي كونها عملية وليست نظرية، ولكي تحقق الهدف المتوخى منها لابد أن تقوم على مبادئ أساسية تتمثل في احترام مبدأ شرعية التجريم والعقاب، “ومبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة ،وكذا عقلنة وتدبير المجال الجنائي .
وذلك من أجل تحقيق الغايات التي يجب بلوغها من أجل حماية الإنسان والمجتمع من خلال التجريم والعقاب وكذا المنع.
سياسة نسبية : أي أنها ليست مطلقة، لكون الوسائل التي تقترحها دولة معينة لمكافحة الجريمة قد لا تصلح في دولة أخرى نظرا لاختلاف الظروف الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، فهي تختلف من مجتمع لأخر، وفي داخل المجتمع الواحد من زمن إلى أخر بحسب حاجات هذا المجتمع وأولوياته ومصالحه الأساسية.
سياسية متطورة : حيث تتميز السياسة الجنائية بالحركية لا بالجمود، فهي سياسة متطورة بحكم اعتمادها على نتائج علم الاجتماع القانوني وعلم الإجرام، وعلم العقاب، وتأثرها بالنظام السياسي، والمشكلات التي تصادف المجتمع والتغييرات التي تلحقه، ولذا فانه يتعين للتحقق من فاعلية السياسة الجنائية أن تخضع دائما للمراجعة والتقييم .
سياسة تقوم على منهج علمي : تتميز السياسة الجنائية بالطابع العلمي، ذلك أنها يجب أن تقوم على مجموعة من القوانين العلمية، تحدد الصلات السببية بين الوسائل التي تقترحها، والغرض الذي تستهدفه، وبناء على ذلك فإن ما تحدده من الوسائل للوصول إلى غايتها، يجب أن يرتكز على توافر صلة السببية بين هذه الوسائل، وتلك الغاية ،ويتوقف تحديد الوسائل وفقا لمنهج البحث العلمي الذي تعتمد عليه هذه السياسة[12]، ووفقا للمنهج العلمي التجريبي، وذلك لبيان مدى فاعليتها في تحقيق الدفاع الاجتماعي.

سياسة ذات طبيعة نقدية :
إذ تقوم من ناحية القواعد المطبقة بالفعل من حيث مدى نجاحها في حماية مصالح المجتمع (أو الدولة) الاقتصادية، والسياسة، والاجتماعية، والثقافية .
والسياسة الجنائية إذ تفعل هذا فإنما تقوم به على صعيد الجرائم، كما على صعيد الجزاءات المقررة، وسواء على مستوى قواعد التجريم والعقاب الموضوعية، أم على مستوى القواعد الإجرائية، فتنشغل السياسة الجنائية ببحث ما إذا كانت الجرائم التي يتضمنها القانون الجنائي تكفل بحق حماية القيم الجوهرية للمجتمع والمصالح الأساسية، وهل الجزاءات المطبقة بالفعل تتناسب نوعا ومقدارا مع جسامة الجرم الواقع، وهل يتسم نظام الملاحقة الجنائية بالفعالية ويضمن عدالة مؤكدة، وحماية للحقوق الفردية في نفس الوقت .
ولا تقتصر الوظيفة النقدية للسياسة الجنائية على تقويم النصوص الكائنة بالفعل، بل تستشرف ما يجب أن يكون فتقترح تجريم أفعال غير تلك المنصوص عليها في القانون الجنائي، إذ ترى في هذه الأفعال ضررا يلحق بقيم أو مصالح جديدة جديرة بالاعتبار أو يعرضها للخطر . كما قد تقترح رفع صفة التجريم كليا عن أفعال لم تعد تتعارض مع مصالح الدولة، أو الأفراد، أو استحداث جزاء أخر غير العقوبة كالجزاء الإداري، أو المالي[13].
المطلب الثاني :الإطار المرجعي للسياسة الجنائية
مما لاشك فيه أن وضع أية سياسة ناجعة في الوقت الراهن هو أمر دقيق وحساس أكثر من أي وقت مضى، ويرجع ذلك لأسباب متعددة تتأرجح بين ماله علاقة بتضخم الجريمة وتزايد خطورتها على مجتمع معين، وعلى قيمه ومصالحه العليا .
وفي هذا الإطار مر التشريع الجنائي المغربي بمحطات تاريخية ومراحل هامة في محاولة منه لنهج إستراتيجية جنائية ملائمة لمكافحة الجريمة، والحد من أثارها.
بيد أن هذه التشريعات الجنائية الوطنية تأثرت بمختلف العوامل الداخلية والخارجية، وبالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ميزت التاريخ الجنائي المغربي، فضلا عن انخراط المغرب في المنتظم الدولي وتموقعه في المحيط الإقليمي والعالمي .

الفقرة الأولى : المرجعية الوطنية
تتمثل المرجعية الوطنية للسياسة الجنائية المغربية في الإطار المرجعي الداخل أو المصادر الفكرية والقانونية الوطنية التي تقوم عليها سياسة التجريم والعقاب في التشريع الجنائي المغربي والمتمثلة فيما يلي :
المرجعية الدستورية/ دستور 2011
حيث تلعب السياسة الجنائية دورا أساسيا في مساعدة[14] القانون الجنائي لغاية الوصول إلى أهدافه المحددة في مكافحة الجريمة، من خلال الوسائل الفنية التي يستعين بها المشرع الجنائي لرسم سياسة التجريم و العقاب . وبالرجوع إلى بعض مقتضيات الدستور المغربي الصادر بتاريخ يوليوز 2011 نجدها قد نظمت العديد من المبادئ التي لها صلة وثيقة بالتشريع الجنائي، وكيفية تدبير السياسة الجنائية المغربية، منها ما يتعلق بالتنصيص على المساواة أمام القانون، و التمتع بالحقوق و الحريات في الفصل 19، ومنها ما يتعلق ببعض المكتسبات كالحق في الحياة، كما في الفصل 20 ،والحق في السلامة الشخصية وحماية الممتلكات في الفصل 21 ،[15]وعدم جواز المس بالسلامة الجسدية و المعنوية للأشخاص وممارسة التعذيب في الفصل 22، [16]وعدم جواز إلقاء القبض أو الاعتقال أو الإدانة إلا بنص في القانون في الفصل 23، بالإضافة إلى القرار النهائي بمبدأ قرينة البراءة و الحق في المحاكمة العادلة.
من جهة أسس دستور 2011 لأمرين رئيسيين يتعلق أحدهما بالتأكيد في الديباجة على سمو الاتفاقيات الدولية في مجال الحقوق و الحريات على القانون الوطني، مما قد ينعكس إيجابا على السياسة التشريعية الجنائية في طريق تطوير آليات السياسة الجنائية لمكافحة الجريمة .

ويتعلق الأمر الثاني بتقرير مبدأ الفصل التام بين السلط في إطار من التعاون، وهكذا أوكل الدستور للسلطة القضائية مهمة حماية الحقوق و الحريات وأوجب على السلطتين التشريعية و التنفيذية استشارة السلطة القضائية في كل ما يتعلق بسياسة التجريم و العقاب وذلك ما عبر عنه الفصل 113 بقوله، يضع المجلس الأعلى للسلطة القضائية بمبادرة منه التقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة .
وعموما، يمكن القول أن الدستور المغربي لسنة 2011 شأنه شأن الدساتير المقارنة يبقى هو أهم مرجعية وأهم منطلق وأهم أرضية لكل سياسة جنائية أو عقابية استنادا إلى مبدأ الشرعية الجنائية، و الشرعية الدستورية و القانونية[17] .
المرجعية القانونية التشريع العادي :
التشريع العادي أو القانون هو الذي يصدر عن السلطة التشريعية ويصوت عليه البرلمان ثم ينشر في الجريدة الرسمية، وهو ذلك القانون المكتوب[18] الذي يشكل لوحده مصدرا لسياسة التجريم و العقاب ويضع قواعد عامة ومجردة يخضع لها الجميع .
ومن ثم فالقانون المكتوب يعد أحد أهم مصادر القانون الجنائي في المغرب، وهو القانون الذي عرف منذ 1962 تحت مسمى المجموعة الجنائية، بغض النظر عن المجموعة الجنائية التي صدرت في حقبة الحماية .
ومع ذلك فقد تأثرت مقتضيات المجموعة الجنائية المغربية لسنة 1962 بالتقنيات الأوربية بصفة عامة و التقنين الجنائي بصفة خاصة و المشتمل على مجموعة من المبادئ الجنائية الوضعية على غرار مبدأ الشرعية الجنائية وقرينه البراءة والمحاكمة لعادلة .
والى جانب المجموعة الجنائية المغربية الذي هو كما سبق قانون مكتوب، نجد كذلك القوانين الخاصة التي تعتبر مصدرا من مصادر القاعدة الجنائية الوضعية، لأنها تنظم ميادين اقتصادية و اجتماعية وتساعد على حماية المجتمع.

الفقرة الثانية : المرجعية الدولية
إلى جانب التشريع كمصدر أصلي للتجريم هناك الاتفاقيات الدولية التي أخذ تأثيرها بشكل واضح في نظم التجريم المعاصرة .
وإلى فترة طويلة ساد الفقه يرفض أن يكون هناك مصدرا أخر للتجريم غير التشريعات الوطنية، وذلك استنادا لحجج مستمدة من مبدأ إقليمية القوانين ومبدأ سيادة الدولة، إلا أن اعتبارات السياسة الجنائية المعاصرة وضرورة التعاون الدولي في مكافحة الجريمة جعلت هذا الاتجاه يحل مكانه اتجاه جديد يرى أنه ليس ثمة ما يمنع من أن تكون قواعد التجريم موضوع الاتفاقيات الدولية مصدرا من مصادر التجريم[19] .
هذا وتعتبر المعاهدات الدولية إحدى أهم مصادر التشريع الجنائي المغربي عملا بذلك المبدأ السائد بين المنتظم الدولي، والذي يقضي بأن الاتفاقيات المبرمة والمصادق عليها بشكل تام من طرف الدول الموقعة يكون لها قوة أسمى من القوانين الوطنية[20].
وقد سار الدستور المغربي في هذا الاتجاه حيث أكد على سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات المغربية بمجرد نشرها في الجريدة الرسمية .
ومثال ذلك :
الاتفاقية الدولية لمناهضة جريمة الإرهاب
حيث أنه أمام تصاعد أعمال الإرهاب في العالم بأسره وما خلفه ذلك من إزهاق للأرواح البشرية والمساس باستقرار المجتمعات، ثم إقرار عدد من الاتفاقيات الإقليمية والدولية بهدف التصدي لظاهرة الجريمة الدولية، ومحاربة الإرهاب بجميع أشكاله، خصوصا أمام تزايد المعطيات التي تؤكد بالملموس أن جريمة الإرهاب لم تعد تنشط داخل حيز جغرافي محدد بل اتخذت بعدا عالميا وأصبحت تهدد النسيج الاقتصادي والاجتماعي المحلي والدولي .

والحال أن المغرب واقتناعا منه بخطورة جريمة الإرهاب وأثارها الوخيمة لم يتأخر في إبرام عدة اتفاقيات إقليمية ودولية حول مكافحة الجريمة .
موقف المشرع الجنائي المغربي من الجريمة الإرهابية
بعد الأحداث الدامية التي أصفرت عنها التفجيرات الإرهابية ل 16 ماي 2003 ،والتي زعزعت كيان الأمة المغربية بادر المشرع في إطار سياسته الجنائية إلى إصدار قانون 03.03 بتاريخ 28 ماي 2003 والمتعلق بتجريم الأعمال الإرهابية وتحديد عقوباتها[21] .
حيث اعتبر الفصل 218-1 منه أن الأعمال التي تهدف إلى المس الخطير بالنظام العام عن طريق التخويف أو الترهيب أو العنف هي جرائم إرهابية يعاقب عليها القانون الجنائي بعقوبات جنائية مشددة، بالإضافة للعقوبات المالية هذا من الناحية الموضوعية، أما من الناحية المسطرية فقد تضمن قانون الإرهاب 03.03 شقا أخر متعلقا بالإجراءات المسطرية الجنائية، وهي الفصل595-1 والفصل 595-10 من ق م ج بشأن عمليات تمويل الإرهاب.

المبحث الثاني : مرتكزات السياسة الجنائية
يمكن وصف السياسة الجنائية بأنها مجموعة من القرارات والوسائل والأساليب التي تسخرها الدولة عبر أجهزتها المختصة وقوانينها الجنائية، والتي من خلالها تتمكن من الوصول إلى أهدافها في توطيد الأمن والاستقرار، وحفظ النظام العام عبر التصدي للجريمة.
وذلك عن طريق نهج سياسة جنائية معقلنة ترمي إلى ترسيخ عدالة جنائية ناجعة، وهو غالبا ما يسعى إليه المشرع الجنائي المعاصر في سبيل تكريس قواعد أساسية تبنى عليها منظومة جنائية معاصرة قائمة على شرعية التجريم والعقاب .
وبالرغم من أن هناك جوانب مختلفة فيما بين المهتمين بموضوع السياسة الجنائية، إلا أن هناك جوانب أخرى مشتركة فيما بينهم تجمع هذه التوجهات، خاصة فيما يتعلق بفروع علم السياسة الجنائية، فروع تتكامل من أجل هدف مشترك وهو كيفية التعامل مع الظاهرة الإجرامية و أساليب مكافحتها و الوقاية منها[22].
و لعل أبرز الفروع المتفق عليها، بالرغم من تباين وجهات نظر الفقهاء، تتمثل في سياسة
التجريم و سياسة العقاب (الفقرة الأولى ) و سياسة الوقاية والعلاج (الفقرة الثانية).

المطلب الأول :سياسة التجريم والعقاب
تعتبر سياسة التجريم والعقاب جزءا لا يتجزأ من السياسة الجنائية إلى جانب سياسة الوقاية من الإجرام، وتتميز سياسة التجريم والعقاب على مر الأزمنة بحركية واضحة تعكس خاصية الانتقال والتطور الذي تشهده باستمرار تبعا للنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل دولة على حدة .
ونظرا لخطورة التجريم باعتباره يشكل استثناء على الأصل العام لقواعد العدالة الجنائية التي تقتضي بأن الأصل في الأفعال الإباحة فإن كلا من التشريعين الجنائيين قيداه بمبدأ عام هو مبدأ الشرعية الجنائية .
حيث يصنف مبدأ الشرعية الجنائية من المبادئ الأساسية للقانون الجنائي في المجتمعات الإنسانية[23]، وصار له دور في توجيهه من خلال تجسيده لسيادة القانون وقانونية الدولة في المادة الجنائية . كما يمثل إحدى أهم الضمانات جدية وتأثيرا وفعالية في حماية الأفراد .
كما يقصد به ضرورة خضوع الفعل أو الامتناع عن الفعل لنص من نصوص التجريم أي أنه لكي يعتبر فعل أو امتناع[24] ما جريمة في نظر القانون فلا بد من وجود نص جنائي .
وهو ما عبر عنه المشرع الجنائي المغربي في الفصل الثالث من القانون الجنائي بقوله (( لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعتبر جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون )). كما أن المشرع الدستوري بدوره جعل من المبدأ لأهميته الجنائية مبدأ دستوريا وقاعدة قانونية سامية تماشيا مع نظرائه من المشرعين الدستوريين في التشريعات الحديثة المقارنة، وانسجاما مع المواثيق العالمية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 .
وهو ما سنتعرف عليه بشكل مفصل من خلال حديثنا عن سياسة التجريم في (الفقرة الأولى) على أن نتناول بعدها سياسة العقاب (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : سياسة التجريم
تعتبر سياسة التجريم وسيلة لحماية المصالح الاجتماعية والتي تقضي حماية المجتمع والإنسان من الاعتداء عليه، وتتضمن سياسة التجريم أيضا بيان القيم والمصالح الجديرة بالحماية العقابية ومنع إلحاق الضرر بها بإهدارها وتدميرها كليا أو جزئيا، أو التهديد بانتهاكها لأن الأضرار الجنائية ما هي إلا نشاط مخل بالحياة الاجتماعية، وكل مجتمع يتحفظ بقواعده وأفكاره وقيمه التي تضبط النظام الاجتماعي، فالقواعد الاجتماعية تنظم سلوك الأفراد والجماعات التي تمثلهم وبعض هذه القواعد تهتم بها سياسة التجريم فتنقلها إلى قانون العقوبات .
وفي هذا الإطار تباشر الدولة وظيفتها الجزائية لحماية المصالح الاجتماعية التي تسود المجتمع فتختار الجزاء الأكثر صلاحية والأقرب إلى التعبير عن مدى تقدير المجتمع لأهمية هذه المصالح فإذا قدرت الدولة أن المصلحة تستحق أقصى مراتب الحماية القانونية عبرت عن ذلك بالعقوبة .
وتتحد المصالح الجديرة بالحماية الجنائية وفقا لظروف واحتياجات كل مجتمع وتتأثر بتقاليده ونظامه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ويعتبر التجريم هو أقصى مراتب الحماية التي يخفيها التشريع على نوع معين من المصالح التي تهم المجتمع[25] .
وإذا استقرأنا التطور التاريخي للمصالح التي يحميها قانون العقوبات سوف يتضح مدى تأثيرها بنظام المجتمعات البشرية ومقومات حياتها، فالتغيرات الاجتماعية تعكس مجموعة المعتقدات وأنواع السلوك التي يقبلها المواطنون في بلد معين، وتبدوا مظاهرها في وسيلة حياتهم والتعبير عن أرائهم، وحتى تتحدد طبيعة كل تغيير اجتماعي فمن الضروري إقامة علاقة بين قواعد السلوك في مجتمع معين وهيكل العلاقات الاجتماعية في هذا المجتمع، فقاعدة السلوك الاجتماعية تمثل وضعا مقبولا لدى الجماعة أو المجتمع الذي أنشأها .
أما العلاقات الاجتماعية فهي الطريق التي يسلك بها الأفراد والجماعات في مجتمع معين وقد تكون أمرا مقبولا أو غير مقبول وذلك وفقا للقيم السائدة في المجتمع .
ويجدر التنبيه إلى العلاقة الوثيقة بين كل من سياسة التجريم والسياسة العقابية، فالقاعدة العقابية تشمل على شقين .
التكييف بسلوك اجتماعي معين وجزاء جنائي يترتب على مخالفة هذا التكليف وهو العقوبة، وواضح مما تقدم مدى الارتباط الوثيق بين التكليف والعقوبة فكل منهما يكمل الأخر ولا قيام لواحد منهما دون الأخر، وفضلا عن ذلك فإن التجريم كما قلنا يعني إضفاء أقصى مراتب الحماية التشريعية على مصلحة معينة، ولما كان أسلوب التعبير عن هذه الحماية هو الجزاء الجنائي فإنه لابد أن يكون في إدراك وضع سياسة مضمون هذا الجزاء ومدى خطورته حتى يصير أحسن تعبير عن نطاق التجريم الذي يراه المشرع[26] .
ومن ناحية أخرى فإن العقوبة مهما كان نوعها وهي التي تعبر عن عنصر الإلزام في القاعدة العقابية والتجريم ليس مجرد تجريم لاعتداء معين وإنما هو تجريم مقترن بجزاء معين عند وقوع هذا الاعتداء، ولذا فإن العقوبة ونوعها يجب أن يكون مائلا أمام المشرع عند التجريم .
هذا ونشير إلى أن منظومة التجريم في المغرب لازالت تعاني من مجموعة من الاختلال والتي تفرض علينا تقديم بعض الحلول لها .
أوجه الاختلال على مستوى نظام التجريم
تتجلى الاختلالات على مستوى نظام التجريم من خلال ما يلي :
من حيث تبويب وترتيب الجرائم وترقيمها : حيث نلاحظ أن التصنيف الذي نهجه المشرع الجنائي المغربي على مستوى الجرائم – متأثرا بالنهج الذي سلكه المشرع الفرنسي – لم يعد منسجما وخصوصيات واقعنا الجنائي، حيث جاء التبويب في عشرة أبواب فضلا عن باب أول مكرر يتعلق بالإرهاب .
يضاف إلى ذلك أن المقتضيات الزجرية أضحت متفرقة ومشتتة بين عدة قوانين خاصة حتى أننا لا نكاد نجد قانونا خاصا لا يتضمن مقتضيات زجرية والأمثلة عديدة تستعصى على الحصر والعد، وهو ما يجعل الباحث في المادة الجنائية يتيه وسط زخم وترسانة من النصوص الزجرية المتناثرة هنا وهناك . وهو ما يستدعي وبإلحاح تجميع وإدماج مختلف هذه النصوص الزجرية الخاصة أو معظمها على الأقل في إطار مدونة جنائية واحدة متكاملة .
كما أنه ثمة مقتضيات زجرية في صلب المجموعة الجنائية بحاجة إلى المراجعة والتحيين وإعادة صياغتها على نحو دقيق من بينها المقتضيات المتعلقة بالرشوة، فالمشرع تصدى لجريمة المرتشي (الفصل 248 من ق ج ) ولجريمة الراشي (الفصل 251 من ق ج ) ، وأغفل بالمقابل النص على تجريم الوساطة في الرشوة على الرغم من خطورتها، فدور الوسيط لا يقل خطورة عن دور الراشي والمرتشي فهو يربط الصلة بينهما[27] .

أفاق إصلاح منظومة التجريم
يمكننا أن نجمل بعض مداخل الإصلاح في هذا الخصوص في النقط التالية :
عقلنة وترشيد التدخل الجنائي بالحد الأدنى اللازم للحفاظ على قيم ومصالح المجتمع من جهة، وصيانة حقوق وحريات أفراده من جهة أخرى، مع الحرص على خلق نوع من التوازن المعقول بين هذه المصالح بما ينسجم ويجسد بحق مقومات دولة الحق والقانون .
ضرورة ملاءمة منظومة التجريم مع المستجدات الجنائية التي جاء بها الدستور مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب .
الحرص على مراجعة منظومة الجرائم مراجعة شمولية دقيقة ومحكمة تستحضر الواقع الجنائي المغربي، وما شاهده من تطور كمي ونوعي للظاهرة الإجرامية في تجلياتها الحديثة وفي بعدها الدولي[28] .
استبعاد المخالفات من لائحة الجرائم والاكتفاء بالتقسيم الثنائي للجرائم إلى جنايات وجنح، وإخضاع المخالفات للجزاءات الإدارية أسوة بما درجت عليه تشريعات أخرى لا سيما الأنجلوسكسونية.
الحرص على الانخراط في إرساء دعائم نظام العدالة الجنائية الدولية .
التنسيق بين السياسة الجنائية ومختلف السياسات العمومية للدولة لمكافحة الجريمة والوقاية منها، مع وضع خطط فرعية متخصصة ضمنها لمواجهة ظواهر إجرامية محددة .
نهج سياسة جنائية حمائية تستحضر مقاربة النوع الاجتماعي وتحرص على تعزيز الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف والجريمة .

الفقرة الثانية :سياسة العقاب
يمكن تعريف سياسة العقاب أو السياسة العقابية في كونها مجموعة من التصورات والتوجهات العقابية التي تراها الدولة مناسبة في فترة زمنية محددة لمكافحة الجريمة ومعاقبة مرتكبيها، على أن يتم تطبيقها وتنفيذها من طرف المؤسسات القضائية والإدارية المختصة بذلك.
وقد ربطت جل التشريعات الجنائية إتيان الجريمة بتطبيق العقوبة إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص تطبيقا لمبدأ الشرعية .
وتوضح السياسة العقابية المتبعة في كل بلد الهدف من العقوبات في مراحلها الثلاث : التشريعية، والقضائية، والوسائل المتبعة في تحقيق هذا الهدف، ومن خلاله فإن العقوبات تتعدد بصورة مجردة في نصوص تشريعية يضعها الجهاز التشريعي في الدولة، ويتولى الجهاز القضائي تطبيقها في الواقع الميداني وذلك وفق قانون المسطرة الجنائية التي تبين الحدود والمساطر والإجراءات التي يجب على القاضي الالتزام بها[29] .

فالعقوبة تردع المحكوم عليه بفعل الحكم الصادر في مواجهته، إذ يتم استئصال بؤر الجريمة من المجتمع عن طريق سجن المتهم وإبعاد شره عن المجتمع، كما أنها تقي المجتمع من شر المجرمين المحتملين الذين يرون في المحكوم عليه العبرة حين قضائه للعقوبة وتحذر كل من تسول له نفسه تقليد المجرم في ارتكاب الجريمة[30] .
وبخصوص النصوص التشريعية الجنائية وبالرغم من التفعيل القضائي التنفيذي لها إلا أنها لم تصل إلى مستوى الطموحات حيت توصف المنظومة العقابية الحالية بالفاشلة لأنها لم تحقق النتائج المرجوة منها والمتمثلة في حماية المجتمع من الإجرام وحماية ظاهرة العود، إلى جانب عدم توفقها في إعادة إدماج المفرج عنهم وهي كلها نتائج أثرت بشكل سلبي على منظومة العقاب.
إذ يتعين أن تصاغ السياسة العقابية وفق مفهوم معتمد على فكرة الأنسنة ومرتكزا على مبادئ حقوق الإنسان بحيث لا يذهب للسجن إلا من يستحق ذلك في إطار تحسين ظروف السجناء سيما القضاء على الاكتظاظ الذي يحط من كرامة الإنسان السجين[31] .

المطلب الثاني :سياسة الوقاية والعلاج
إلى جانب مجالي التجريم و العقاب، تهتم السياسة الجنائية بجانب الوقاية من الجريمة، و كذلك مسألة علاج الجاني و إصلاحه لإعادة إدماجه في المجتمع من جهة ثانية . [32] فهي سياسة تهدف إلى محاولة نزع أو استئصال السلوكيات المنحرفة في المجتمع، والوقوف على العوامل والمسببات التي من شأنها تهيئة الأجواء لاستفحالها.
و لتفادي أي خطورة اجتماعية جنائية، لا بد من اتخاذ إجراءات معينة تكون وقائية تطبيقاً
لسياسات مبرمجة هدفها استئصال السلوكات المنحرفة للأفراد.

و لهذا لا بد من مواجهة خطورتين أساسيتين حددتها السياسة الجنائية، و تتمثل في سياسة وقاية المجتمع من الجريمة (الفقرة الأولى) ، و سياسة التأهيل و الإصلاح[33] (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : وقاية المجتمع من الجريمة
لا يمكن إنكار أن سياسة التجريم والعقاب أبانت عن قصور ملموس في حماية المجتمع من الظاهرة الإجرامية، لأنها تكتفي فقط بتحديد الأفعال المجرمة ووضع العقوبات على المجرمين[34] .
بل إن السياسة الحكيمة تفرض الاهتمام بالأليات الوقائية من الإجرام. فالوقاية في مجال الإجرام خير من العقاب سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وتتجلى وسائل الوقاية من الإجرام في نوعين من الوسائل مباشرة، وغير مباشرة .
فالوسائل المباشرة هي تلك التي تتخذ قبل ارتكاب الفعل الجرمي ومنها علاج مصادر الانحراف لدى الشباب والاستجابة لرغبات وحاجيات بعض المراهقين وإعداد مناهج التعليم على أسس علمية تمكن من تهذيب سلوك المتمدرسين .
أما الوسائل الغير مباشرة تكمن في التدابير الاجتماعية العامة التي تتخذ لحماية الأسرة ومحاربة الأمية وحل أزمة البطالة والفقر، أي العوامل الاجتماعية التي تدفع الفرد إلى الانحراف .
وهكذا يمكن القول أن توجه المشرع الجنائي في الأنظمة الجنائية المعاصرة على اعتماد التدابير الوقائية القبلية قانونية واجتماعية يدخل ضمن المسار الجديد الذي يجب أن تأخذه السياسة الجنائية المعاصرة لكون السياسة الجنائية لا يجب أن تتجسد في القانون الجنائي فقط بل تتجسد في إستراتيجية عامة وشاملة تشمل السياسة الاجتماعية بكل مكوناتها[35] .

الفقرة الثانية :سياسة التأهيل والإصلاح
تعتبر سياسة التأهيل والإصلاح في الواقع وليدة السياسة الجنائية الوضعية، التي عملت على التفكير العلمي ونادت بوجوب حماية المجتمع من المجرم لا من الجريمة وذلك عن طريق فحص شخصيته وتحديد درجة خطورته الإجرامية.
وفي إطار هذه المبادئ الموجهة للسياسة التأهيلية والإصلاحية الجديدة نتساءل عن موقع السياسة الجنائية المغربية من هذه المرتكزات وهل استطاعت فعلا أن تلائم قانونها مع هذه السياسة الحديثة ؟
لقد شكل قانون المسطرة الجنائية الجديد طفرة نوعية في إطار السياسة الجنائية المغربية التي تأخذ بعين الاعتبار سياسة تقويم وتأهيل سلوك الحدث المنحرف وعلاجه بدل عقابه مسايرا بذلك التشريعات الجنائية الحديثة في قضاء الأحداث.
وهكذا أعطى المشرع المغربي أهمية بالغة للأجهزة المكلفة بالبحث والتحقيق والمتابعة مع الحدث الجانح بأن ألزمها باحترام ضمانات المحاكمة العادلة في جميع مراحل الدعوى، وجعل دور هذه الهيات دور إصلاحي بالدرجة الأولى، انطلاقا من كون الحدث أقرب إلى التقويم والإصلاح وإعادة الاندماج كما مكنها من عدة آليات سواء كانت إصلاحية أو سالبة للحرية استنادا لمبدأ تدرج المسؤولية ومراحل نمو الحدث وذلك بهدف تحديد الطريقة والوسيلة الفعالة لرسم خطوات العلاج في سبيل إعادة تأهيله وإصلاحه .
ومن بين تمظهرات السياسة الجنائية الحديثة أيضا إعطاءها لقاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث الصلاحية المخولة لقضاة التحقيق في إجراء أبحاث يمكن على ضوئها تحديد التدابير الواجب اتخاذها لضمان حماية الحدث وإنقاذه .
كما تم التوسيع من دائرة الشركاء المتدخلين لفائدة الحدث، ومن هؤلاء الأب والوصي والكافل وكل شخص جدير بالثقة، إضافة إلى المؤسسات والمصالح العامة والمؤسسات الخصوصية المهتمة بالطفولة أو المكلفة بالتربية أو التكوين المهني أو المعدة للعلاج والتربية الصحية .
وقد أولى المشرع المغربي عناية تامة بالمؤسسات السجنية كإطار للإصلاح والتأهيل إذ أن دورها لم يعد يقتصر على عزل الجاني عن المجتمع بل تجاوزه إلى إصلاحه وتأهيله لحياة اجتماعية شريفة تلامي إلى منع العودة إلى الإجرام عن طريق فتح أساليب متخصصة في العلاج، كالتصنيف وإيجاد رعاية إنسانية متكاملة ومؤسسات مفتوحة وشبه مفتوحة وتلقين النزيل الجاني مبادئ العلم والأخلاق والدين وتعليمه مهنة تمكنه من كسب رزقه بعد إعادة إدماجه في مجتمعه[36] .

خاتمة
من خلال هذا المقال المتواضع، تم الوقوف على حقيقة مفادها أن السياسة الجنائية المغربية بصفة خاصة والسياسة الجنائية الدولية بصفة عامة مازالت تتصدر قائمة انشغالات الرأي العام سواء المحلي أو الدولي، ويعود هذا إلى الشعور العام والعميق بانعدام الأمن والاستقرار بسبب تفاقم الظاهرة الإجرامية بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة، وبروز أشكال عديدة ومرعبة من الأساليب والوسائل المستعملة في ارتكاب الجريمة .
كما تجدر الإشارة إلى كون السياسة الجنائية هي جزء من السياسة العامة للدولة، التي تهدف إلى التصدي للظاهرة الإجرامية، ومن ثم فهي تقوم بتوجيه المشرع عند إصداره للقوانين الجنائية ذات الصلة بمحاربة الجريمة وتعديلها، وتوجه القاضي الذي يتولى تطبيق هذه القوانين كما أنها تحدد الأنظمة العقابية وطرق تنفيذها.
وتحقيقا للأهداف السامية لها تلجأ الدول إلى وضع إستراتيجية عامة لبيان المبادئ التي يجب أن يقوم عليها التشريع الجنائي في مجال تجريم الأفعال أو العقاب عليها، بالإضافة إلى التدابير الاحترازية التي تساعد على التقليل من الجرائم، وهذا ما يصطلح عليه بالسياسة الجنائية.
وبالرجوع إلى مرتكزات السياسة الجنائية نجد أن السياسة الجنائية أضحت في المغرب تقوم على سياسة التجريم والعقاب ثم سياسة الوقاية والعلاج واصلاح المجرم وذلك من اجل اعادة ادماجه داخل المجتمع ، ومحاولة منها لنزع واستئصال السلوكيات المنحرفة في المجتمع، والوقوف على العوامل والمسببات التي من شأنها تهيئة الأجواء لاستفحالها.

نبذة مختصرة حول الكاتب :
من إعداد : مراد علوي ـ MOURAD ALLIOUI
باحث في القانون العام و العلوم السياسية ـ برحاب كلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية أكدال – جامعة محمد الخامس بالرباط .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى