fbpx
تحقيق

مكتبات في الهواء الطلق

في بداية الأسبوع الماضي، فتحت المدارس الخاصة أبوابها، ثم تلتها العمومية في منتصفه، بمجرد عودة التلاميذ ومعهم لوائح بأسماء المقررات والأدوات، انفض الغبار عن رفوف المكتبات، ومن الشوارع، اختفت الخضر والأواني من عربات الباعة الجائلين، فعوضتها الأقلام والدفاتر والكتب… “الصباح” تأخذكم إلى واحد من هذه الأسواق الموسمية للكتب، لتكتشفوا سر إقبال الأسر عليه، وتقفوا على حبل التوتر والحرب الصامتة بين الكتبيين والباعة الموسميين.

“كانت صدمتي كبيرة جدا.. ابني يدرس في القسم ذاته مع بنت أختي، والدتها اقتنت لها الأدوات المدرسية من الباعة الموسميين في الشارع، وأنا اقتنيتها من مكتبة قارة، ولما قارنت بين الكلفتين، وجدت مقتنياتي مرتفعة بحوالي 400 درهم”.
هذا الكلام، لامرأة أربعينية، من البيضاء، يرافقها طفل لا يتجاوز عمره عشر سنوات، وتمد من حقيبتها لائحة الأدوات المدرسية الخاصة بابنها، لتعرضها على “كتبي” موسمي، حول عربته الخاصة ببيع الخضر والفواكه، إلى مكتبة، أمام مدرسة الشهيد العربي البناي الابتدائية بشارع أم الربيع في حي الألفة بالبيضاء، وهي تشرح أسباب تفضيلها اقتناء الكتب من الباعة الجائلين.
إنه الأسبوع الثاني من شتنبر، لقد انتهت العطلة الصيفية السنوية، وشرعت المدارس في استقبال التلاميذ من أجل إعادة تسجيلهم، وإمدادهم بلوائح المقررات الدراسية والأدوات المدرسية، من أقلام حبر وأخرى ملونة ودفاتر وأغلفة ولصاق، إيذانا بانطلاق موسم تجاري، الربح من ورائه مضمون مسبقا، ولا اختيار أمام الأسر غير اقتناء ما يعرض فيه من سلع.
هذا الموسم، أيضا، وحده، يجعل من بائع عشوائي للخضر والفواكه وآخر لأواني المطبخ البلاستيكية، خبيرا في عدة الحاجيات التي يتطلبها تكوين وتربية الأطفال، وقارئا جيدا للائحة الأدوات، التي تحول الأب والأم إلى مجرد عمال توصيل بين بائع الخضر القديم، الكتبي الجديد، وإدارات المدارس.

“أثمنتهم ترأف بنا”

الشمس الحارقة ليوم الثلاثاء تاسع شتنبر الحالي، تميل إلى المغيب، والاختناق المروري عاد إلى شوارع البيضاء، ولا تخلو مدارة طرقية من سيارة صفراء للنقل المدرسي، حتى تظهر اثنتان، معظم الآباء والأمهات في طريق العودة من أعمالهم، وفي انتظارهم أبناء ملحون على اقتناء عدة الدراسة، حالا وبدون تأخير، “فالمعلمة لن ترحم أحدا، والدرس يجب أن ينطلق”.
عوض أن تدخل إلى المكتبة المقابلة لبوابة المدرسة الإبتدائية “الشهيد العربي البناي”، بالألفة، أشهر حي بمقاطعة الحي الحسني، تدير ظهرك لها، فتمسح بعينيك طول سور المدرسة، ترمق صفا طويلا من العربات المخصصة للجر بالدواب، قد تحولت إلى أكشاك مسقفة بمظلات مربعة الشكل، وعليها رتبت بعناية فائقة، أدوات مدرسية، تضم دفاتر وأقلاما من كل الأنواع والأحجام، وعلى المظلات، التي تتوسطها لافتات مكتوب عليها بخط سيء عبارات من قبيل “مدرسة النجاح”، علقت حقائب وردية اللون، وأخرى سوداء، وكلها مزينة بصور لأشهر أبطال القصص المصورة والرسوم المتحركة لدى الأطفال.
الشكل الذي رصت به الأدوات والحقائب والدفاتر، على عربة، بوشعيب، الذي يعمل خضارا في بقية السنة، لا يمكن إلا أن يسر الناظر، ويلفت انتباهه، فعربة الخضار التي كانت تعيق السير في هذا الشارع طيلة السنة، وتخلف من ورائها حبات طماطم وبطاطس فاسدة، تزيد من نقمة المواطنين على أحوال المدينة، حولها الدخول المدرسي، بقدرة عجيبة، إلى صور جميلة، تفوح منها رائحة الورق، وتتلون بأزهى الألوان عند الأطفال، فيقبل عليها الآباء والأمهات لتجهيز أبنائهم بمتطلبات الموسم الدراسي الجديد.
في هذه “السوق” التي عليها إقبال ظاهر من قبل الأسر، يبدو أن البائع والمشتري على وفاق تام، ويرددون التفسير ذاته لسر نجاح هذه التجارة، فكما المرأة الأربعينية، التي اكتشفت أن الفارق بين الثمن الإجمالي للأدوات التي اقتنتها من مكتبة السنة الماضية، والثمن الإجمالي الذي كلفته الأدوات ذاتها بالنسبة إلى أختها التي اقتنتها من هذه السوق الموسمية، بلغ 400 درهم، يقول بوشعيب إن “سر نجاحنا هو الرأفة بالناس في الأثمنة”، ثم يمد يده نحو علبة أقلام ملونة من نوع شهير، فيضيف “هاد الباكية مثلا، كادير في المكتبة 38 درهم، وحنا كانخليوها غير بـ25 درهم”.
ليس باعة الخضر الجائلون وحدهم من يستثمرون رساميلهم في بيع الأدوات المدرسية، في هذا الوقت من السنة، فهنا بشارع أم الربيع في حي الألفة، غير بعيد عن المركز التجاري للحي، يوجد أيضا، طلاب جامعيون، فضلوا اغتنام الفرصة لكسب ربح سريع ومضمون، قبل معاودة الالتحاق بمدرجات الكليات، ومروان، الشاب ذو قصة الشعر المواكبة للموضة، ويرتدي نظارات تصحيح البصر، ذات الإطار الأسود السميك المنتشر هذه الأيام، يتابع دراسته الجامعية في تخصص الأدب الإنجليزي، وفي انتظار الدخول الجامعي، أقام بدوره، طاولة شاسعة، وفيها يعرض أدوات مدرسية.
وحسب مروان، الطالب الجامعي والتاجر الموسمي للأدوات، فقد دأب على هذه العادة، وبهذا المكان، منذ خمس سنوات مضت، فيقول متحدثا عن الربح الصافي الذي يحققه والمدة الزمنية والمبلغ الذي يستثمره أثناء اقتنائه للسلع من لدن كبار التجار بدرب عمر الشهير وسط مدينة البيضاء، “الرأسمال يتراوح بين 10 آلاف درهم و20 الف، حسب رغبة كل واحد منا ووفق تقديره لمخاطر النجاح والفشل، وبإمكاني القول أنني شخصيا أربح 4 آلاف درهم من سلع اقتنيتها بـ12 ألف درهم”.
ويضيف مروان، الذي يوزع نظره بين لائحة مدتها إليه امرأة، لا يظهر من وجهها غير عيناها المثيرتين، إذ ترتدي نقابا، وبين علب الدفاتر والأقلام على عربته، “أن العمل في هذا النوع من التجارة الموسمية، يتطلب نوعا من الحذر، فكلما قللت من حجم العرض، وكلما كان لك زبناء معروفون وأسر تلجأ إليك مباشرة دون غيرك من التجار سنويا، فتعرف خريطة الأنواع والماركات التي ترغب فيها، تكون قدرتك على النجاح أفضل، فالمدة الزمنية للدخول المدرسي لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، وعليك التخلص من بضاعتك واسترجاع أموالك على الأقل”.

“البحيرة”… وجهة تلاميذ البعثات الأجنبية

 في باب مراكش، وسط المدينة العتيقة للدار البيضاء، يوجد سوق “البحيرة”، وفيه أيضا غير خضارون سلعهم بالأدوات المدرسية، أمام محلات قارة لبيع الكتب المدرسية الجديدة منها والمستعملة، وغير بعيد منهم، هناك محلات لصناع تقليديين، يقومون بخياطة حقائب جديدة، عند مشاهدتها في مكتبات البيضاء، يخيل إلى المشتري، بسبب رونقها ومهارة صنعها، أنها مستوردة.
المثير أكثر في “البحيرة”، أنها تستقطب فئة خاصة من الزبناء، يتعلق الأمر بأسر تلاميذ بعض مدارس البعثات الأجنبية، فيحدث أن تصادف وسط فوضى السوق، سيارات رباعية الدفع، تكشف الانتماء الطبقي لسائقيها، إنهم هنا لأن الباعة يوفرون مقررات دراسية خاصة بمدارس البعثات الأجنبية، منها الجديدة والمستعملة.أكثر من ذلك، يحكي، أسامة، واحد من المترددين على هذه السوق، أنه يحدث أن تقف على مفارقة غريبة، تهم أثمنة بعض الكتب، “تأخذه بين يديك، تلقي نظرة على الثمن المطبوع في صفحة الغلاف، لكنك ستتفاجأ بأن البائع يقترح عليك ثمنا منخفضا عن ذلك المطبوع في الكتاب من دار النشر”.

حــــرب شــــرســـة

غير بعيد من هنا، حيث تحيط بسور المدرسة الابتدائية، عشرات عربات باعة الأدوات، توجد خمس مكتبات قارة، واحدة مقابلة لبوابة المدرسة، بالقرب من مقهى “آلفا كريم”، وثلاث في المحلات الخارجية للمركز التجاري “الألفة”، والخامسة في العمارات المقابلة للمركز.
ورغم أن الإقبال على المكتبات منذ اليوم الثاني لمناسبة الدخول المدرسي، واضح جدا من خلال الازدحام الملاحظ على أبوابها، إضافة إلى أن التجار الموسميين لا يوفرون المقررات والمناهج الدراسية للزبناء، إلا أن المنافسة مشتدة، ورحى حرب شرسة وصامتة، بدأت حرارة دورانها تشتد، والتوتر والترقب يبقى سيد الموقف.
فمسير واحدة من هذه المكتبات، لا يخفي استياءه الشديد، إزاء منافسيه الموسميين، والأسباب، هي نفسها تلك التي يتحجج بها أي تاجر قانوني ضد الباعة العشوائيين في كل مكان، فحينما تواجهه مثلا بالمقولات الرائجة وسط الأسر، حول فارق الثمن، يقول “فلنفترض أن أسعاري مرتفعة عن نظيرتها لديهم بدرهم واحد أو 10 د ريال، ولكن أنا أدفع مقابلا لكراء المحل، وأشغل معي أعوانا، زد على ذلك أن السلع نقتنيها بفواتير مصرح فيها بالضريبة على القيمة المضافة لكل منتوج”.
الكتبي، الذي بدا كأنه ينتظر الفرصة منذ وقت طويل للشكوى، وهذا ما يعكسه على الأقل، منسوب الغضب والتوتر في نبرة حديثه، يرفع رأسه عن الآلة الحاسبة الموضوعة فوق مكتبه، فيؤكد، بصوت مسموع من قبل كل من يوجد في المحل، من رجال ونساء وأطفال ينتظرون من أعوان الكتبي إمدادهم بالمقررات والأدوات التي طلبوها عبر لوائح تسلموها من المدارس، “نحن لا نتحايل، وأولئك لهم أسالبيهم وأتحدى أي واحد منهم في أن يدلي بفواتير شرائه للسلع، مجالهم كله أساليب وبراعة في مخالفة القانون”.
وفيما يتسلح مالكو المكتبات في رفضهم لانتشار الباعة الموسميين، بتراجع نشاطهم طيلة أشهر السنة، بسبب أزمة القراءة، وبعضهم يمني النفس بفترة الدخول المدرسي للتعويض عن ذلك، فيما البعض الآخر لجأ إلى دمج تجارة التبغ ببيع الكتب ونسخ الوثائق، يتسلح الباعة الموسميون، هنا في حي الألفة الشعبي، في الرد على اتهامات الكتبيين، ليس فقط، بإبراز رضى أسر التلاميذ على خدماتهم، بل أيضا بالسلطة المحلية، التي لم تكتف هذه السنة بإغماض عينها عنهم، بل تدخلت ونظمت قليلا عملهم.
وعن هذه البشرى التي حملتها إليهم السلطات المحلية هذه السنة، يحكي، أحمد، بائع موسمي للأدوات المدرسية، ملتح وطالب جامعي في تخصص الدراسات الإسلامية، قائلا “في الأعوام الماضية، كنا نحتل إسفلت الشارع وكان عملنا عشوائيا بشكل يأتي على نصف مساحة الطريق، لكن في نهاية الأسبوع الماضي، جاءت السلطات، فأخبرتنا أن لا مانع في عملنا، بل سمحت لنا بالصعود إلى الرصيف، واشترطت فقط عدم التضييق على مساحة الطريق تفاديا للحوادث والاختناق المروري”.
بنقل هذا الخبر إلى أحد الكتبيين القانونيين، يرد بتهكم يكتنفه نوع من الغضب الشديد، فيقول “بان ليك دابا شي تنظيم ف هادشي ديالهم؟ واش هاذي ماشي فوضى؟ ما لا يمتلكون جرأة الاعتراف به، عن حقيقة علاقتهم بالسلطة المحلية، أنهم متواطئون مع بعضهم البعض، ضدنا، إن كل واحد منهم يدفع يوميا 10 دراهم، مقابل الإبقاء على نشاطهم غير المشروع”.
اتهام يرد عليه بائع الأدوات الملتحي، بعد ثوان من الصمت، قائلا “أنا شخصيا لا أرشي أحدا، السلطة غي دايرة المزيان مع الدراري، نظرا لظروفهم الاجتماعية، زيادة على أن أغلبيتنا طلاب يحاولون كسب ما يعينون به أنفسهم قبل انطلاق الدراسة بالجامعة”.
عقرب الساعة استقر في الثامنة مساء، العربات المجرورة التي تحولت إلى مكتبات موسمية بمحيط “مدرسة الشهيد العربي البناي”، اشتد عليها إقبال النساء والرجال، مساعدو الباعة شرعوا في البحث عن الإنارة، منهم من يمد خيطا ومصباحا من محل قريب، وآخرون فضلوا الوسيلة التقليدية، قنينة غاز صغيرة وفتيلة.
أمام عربة مروان، كان إبراهيم، مرفوقا بزوجته، وابنه، الذي يدرس بمؤسسة للتعليم الخصوصي، يتأهب للمرور نحو الجهة الأخرى من الشارع، حيث توجد المكتبات، يحاول البائع الموسمي المحاذي لمروان، استمالته، غير أن الزوجة صدته، بمعلومة، تنطوي على تفصيل صغير بشأن واحد من الأسلحة التي يوظفها مالكو المكتبات ضد الباعة الموسميين. هل تدرون لماذا رفضت الزوجة الاستجابة لدعوة البائع الموسمي باقتناء أدوات ابنها من عربته؟ لقد قالت “انتظر، لقد سمعت للتو من امرأة صادفتها أن أصحاب المكتبات بحي الألفة، لن يقبلوا أن نقتني منهم المقررات الدراسية، بدون شراء الأدوات المرافقة لها من محلاتهم، وإذا تبين لي العكس في المكتبة المقابلة، فسنعود لاقتناء الأدوات لديكم”.

إنجاز: امحمد خيي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى