fbpx
تحقيق

رجال أمن وجمارك بالناظور… براءة مؤجلة

أوقفوا عن العمل في ملف التحرشات بالجالية وبرأتهم المحكمة ومازالوا ينتظرون استئناف عملهم

بعد أزيد من سنة ونصف السنة على توقيفهم عن العمل، ما يزال بعض المتابعين في ملف “التحرشات بالجالية” ينتظرون أن يشفع حكم البراءة الذي حصلوا عليه في استئناف حياتهم المهنية من جديد، والإفراج عن رواتبهم المجمدة على الأقل لمواجهة تكاليف عيش أسرهم… من رحم هذه المعاناة، تروي «الصباح» مسار محاكمة انتهى برجال أمن بالناظور إلى الدرجة الصفر من المعنويات، بعدما وجد بعضهم نفسه يواجه المصير المجهول…

استبشر رجال الشرطة وزملاؤهم في الجمارك بحكم البراءة في المرحلة الاستئنافية، لأنه شكل خاتمة مسلسل طويل من التشويق الذي رافق أطوار محاكمتهم، خاصة أن المحكمة أسقطت عنهم كل التهم، وصار بإمكانهم تحمل بعض الوقت لحين استئناف عملهم، لكن الانتظار تحول، بحسبهم إلى ما يشبه محاكمة ثانية، تم الزج فيها حتى بأسرهم التي صارت معرضة للتشرد والضياع.

أسرار غير مهنية

حسب المعطيات المتوفرة لـ»الصباح»، كانت حجة المديرية العامة للأمن الوطني لتجميد رواتب رجال الأمن العاملين في باب مليلية وميناء بني انصار، هي متابعتهم في حالة اعتقال احتياطي، وإدانة المحكمة الابتدائية لهم بعقوبات، لذلك تأثرت وضعيتهم الاجتماعية بشكل كبير، جعلت بعضهم يلجأ إلى مساعدات العائلة لمواجهة تكاليف العيش، بما في ذلك نفقات إطعام أبنائهم وتدريسهم..
يقول مصطفى (اسم مستعار)، وأحد الذين ذاقوا مرارة الانتظار أن نفسيته باتت منهارة، بسبب تزايد الضغوط المادية عليه، لحد أنه لم يعد يطيق وضعه الذي تحول فيه إلى عالة على عائلته.. ملامح وجهه كانت تنطق بما في دواخله، رغم التحفظ الذي يبديه بحكم وظيفته الأمنية التي تعلمه حفظ أسراره المهنية في جميع الظروف.
لا يتعلق الأمر بأسرار مهنية على الإطلاق، بل «إن وضعيتنا لم تعد سرا يخفى على أحد، فصاحب الدكان ينتظر أن أسدد له الديون المتراكمة علي، وكذلك حال مالك المنزل الذي اكتريه، ناهيك عن أن المعاناة التي أعيشها أثرت بشكل كبير على أفراد أسرتي، بمن فيهم أبنائي الصغار الذين صاروا يحملون ندوبا نفسية سيستعصي عليهم تجاوز مخلفاتها، في ظل استمرار هذا الوضع».
لم يجد أحد الموقوفين للجواب على سؤال “الصباح” وصفا يليق بالحالة التي يعيشها زملاؤه أبلغ من تشبيهها بـ”الكابوس”، إذ لا تخلو أحاديثهم من معاناة وحسرة على ما آلت إليه وضعيتهم، وبقاء أمر إعادتهم إلى العمل متوقفا على إجراءات ومساطر قد تطول أكثر.
بمجرد دخول السنة الجديدة تلقى رجال الجمارك خبرا سارا مفاده أن تسوية وضعيتهم المهنية باتت وشيكة، وكانت الإدارة العامة للجمارك قد أصدرت قرارات التوقيف بمجرد انطلاق الأبحاث الأمنية على عكس المديرية العامة للأمن الوطني، التي لم تطبق هذه القرارات على جميع عناصرها، واقتصرت فقط على المدانين منهم في الملف.
«فحتى رجال الجمارك، ظلت إجراءات الإفراج عن رواتبهم، وإلحاقهم بالعمل معلقة لوقت طويل»، يقول رجل أمن موقوف ضمن مجموعة تضم أربعة أشخاص توبعوا من أجل المساعدة على الهجرة السرية والارتشاء.
يقسم هذا الشرطي الشاب بأغلظ أيمانه بأنه صار قريبا من التشرد، بسبب تأخر مسطرة عودته للعمل، بعد حصوله على البراءة، إلى جانب بقية زملائه، ثم يعود ويؤكد أنه حصل على تنويه من المديرية العامة للأمن الوطني، لقاء مجهوداته وتضحياته، لكن الثمن الذي دفعه، بسبب متابعته في الملف كان غاليا على جميع المستويات، أوله دخوله للسجن، وخروجه منه، ودخوله بعد ذلك في دوامة من الانتظار.
عقاب جماعي

«الدولة تأكل أبناءها» بهذه العبارة وصف أحد المحامين موكليه، وهو يستعرض لائحة التهم الموجهة إليهم، أثناء مثولهم أمام المحكمة الابتدائية، لكن رجال الأمن يدركون أن مجرد حديثهم عن أحوالهم قد يجر عليهم المتاعب، رغم أن البعض منهم رفع فعليا الراية البيضاء أمام قساوة “العقاب الجماعي” الذي صار يتربص بأسرته، وقد يحولها في أي لحظة إلى أسرة تبيت تحت سقف السماء.
يعترف أحد الموقوفين في لحظة بوح مفعمة بكثير من المشاعر الحزينة بأنه لم يعد قادرا البتة عن الوفاء بمستحقات الكراء والماء والكهرباء، لذلك يتوقع في غضون الأيام المقبلة أن لا يجد ما يطعم به أبناءه، وبالأحرى أن يعثر على أغراضه في الشارع، بعدما صار صاحب المنزل يمسك في يده «شيك ضمان» يعادل ثمن حريته أو عودته إلى السجن للمرة الثانية.
طيلة جلسات المحاكمة التي شهدتها محكمة الاستئناف، اعتبر دفاع المدانين بعقوبات حبسية في المرحلة الابتدائية تلك الأحكام جائرة، لأن المتابعة لم تبن على أي أساس، ما دام الأمر يتعلق بتهم غير موجودة من الناحية الواقعية والقانونية، إلا في محاضر البحث التمهيدي، التي تحلل الشهود كما المتابعون من التصريحات الواردة فيها جملة وتفصيلا.
خلال هذه المرحلة كان بعض رجال الأمن والجمارك الذين ذاقوا طعم السجن جنبا إلى جنب ينتظرون بفارغ الصبر حكما يعيدهم في القريب إلى عملهم، خاصة وأن حجم المعاناة تتجاوز ذواتهم إلى بقية أفراد أسرهم ومحيطهم العائلي.
يستغرب «رضوان» (اسم مستعار) من السرعة التي اتخذت بها قرارات التوقيف، والتماطل في رفع هذا التوقيف، والجدوى من العقوبة التي قضاها رهن الاعتقال الاحتياطي قبل الحكم ببراءته وبقاء وضعيته بعد ذلك معلقة إلى أجل غير مسمى.
يختم كلامه بحذر «كان على الإدارة المركزية أن تستعين بالسرعة ذاتها التي صدرت بها قرارها الأول لتسوية وضعيتنا مادام القضاء قد نطق ببراءتنا من المنسوب إلينا، فلا يعقل أن نحاكم أمام المحكمة، وأمام المجتمع وأمام الإدارة التي ننتمي إليها إلى ما لا نهاية”.

مهام صعبة

بسبب حساسية هذه المناطق، وطبيعة الإغراءات التي يمكن أن يتعرض لها العاملون في معابر الحدود بالشمال، التهمة تكاد تكون جاهزة داخل الإدارة كما في المجتمع، لكن الوضع الذي يعيشونه اليوم، أسقط ورقة التوت كذلك عن عورة هذه المعابر التي ظل اسمها مقترنا بمشاهد الفوضى التي تطبع عملية العبور ومآسي المهربين البسطاء، وأنين «النساء البغلات» اللائي يتمرغن في التراب ليستعدن بضائعهن المحجوزة…
بأسى شديد يتذكر بعض المتابعين في حديثهم إلى «الصباح» ظروف اعتقالهم ومحاكمتهم.  يروي أحد هؤلاء أن البعض وصل به الأمر إلى حد فقدانه القدرة على استرجاع شريط مليء بالأحداث المتسارعة، لكن المتحدث يقر في الوقت نفسه أن التجربة كانت قاسية إلى أبعد الحدود. لم تتغير معنوياتهم كثيرا نحو الأفضل بعد حصولهم على البراءة في المرحلة الاستئنافية، يعتبرون أنفسهم ضحايا لظروف اشتغال صعبة وضغوط لا تتوقف، بسبب حساسية المهام المكلفين، بها خصوصا في باب مليلية الذي يعد منفذا يفتقد إلى الكثير من المقومات، ويختلط فيه الحابل بالنابل، في فترات الصيف، التي تعرف توافد المهاجرين المغاربة المقيمين بالخارج.

محاكمات متواصلة

في الوقت الذي يعيش رجال أمن على أمل سماع خبر عودتهم القريبة إلى العمل، ولو بمعنويات مهزوزة، تستمر أطوار محاكمة خمسة ضباط وثلاثة مفتشين أمام محكمة غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالناظور من أجل تهم ثقيلة في ميزان القانون الجنائي.
وتتوزع التهم الموجهة إلى ضباط ومفتشي الأمن الثمانية بين «الانضمام إلى عصابة إجرامية، واتفاق بهدف تنظيم وتسهيل خروج أشخاص مغاربة بصفة سرية، واعتيادية خارج التراب الوطني»، و»الارتشاء» و»تسهيل الهروب لأشخاص مطلوبين إلى العدالة”.
في الجلسة الأخيرة، قررت المحكمة اللجوء إلى إجراء خبرة تقنية على حسابات وودائع بنكية للمتهمين، بعدما كان من المتوقع أن يتم طي الملف بإصدار الأحكام الابتدائية في حقهم، لكن وعلى عكس التوقعات، قررت الهيأة القضائية إعادة استدعائهم من جديد لمواجهتهم بنتائج الخبرة التقنية على كشوفات ووثائق تقدموا بها أمام المحكمة لتبرير الأموال المودعة في حساباتهم البنكية. مع توالي فصول هذه المحاكمة، يستمر الموقوفون في اجترار قصص من حكايتهم مع الاعتقال والمحاكمة التي يعتبرون أنفسهم فيها مجرد ضحايا، يدفعون ثمن تضحياتهم وتفانيهم في أداء واجبهم المهني لا غير.

إنجاز: عبد الحكيم اسباعي (الناظور)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى