fbpx
تحقيق

“العشق الممنوع” في جنبات مسجد

فوق سور مسجد الحسن الثاني تبدو تجليات العلاقة المعقدة بين المغاربة والدين

قرب أبواب المسجد، ينتشر الأحبة في الله، يلبون دعوة اللقاء، ويسابقون الخطى من أجل الأجر والثواب. يرتادون المسجد من باب، يختزل كل الأبواب الأخرى، التي تحيط بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء.
وعلى جنبات هذه البناية الدينية العظيمة، يتبادلون أطراف حديث حميمي.

سور البحر يمتد على مئات الأمتار، يحرس المسجد من الأمواج، ويحميه من خطر داهم. السور، أيضا في هذا المكان، ملتقى لشباب في العشرينات، وآخرين، يطلون على سن الزواج، اتخذوا منه مجلسا لتبادل النظرات والعناق ثم القبلات. هم أيضا عشاق في رعاية الله، يستظلون ببناية المسجد، أو ينتشرون فوق السور المحيط به، حين يحل المساء، ولا تقطع نشوتهم إلا دعوات إلى الصلاح، بحثا عن الفلاح.
مثنى، ذكورا وإناثا. يجلس العشرات، فوق سور المسجد، يتبادلون الحديث. بعضهم في وضعية تعارف جديد. وبعضهم الآخر ألف الجلوس، بشكل مثير. يبدو كأنهم تعدوا على قدسية المكان. لا يبالون بالمارة، ولا يعيرون اهتماما لما يجري حولهم. طقوس خاصة حولت المكان إلى فضاء للتودد، والعشق، الممنوع في أماكن أخرى، مثل الحدائق العمومية والمقاهي، خوفا من نظرات العابرين.
فوق هذا السور، وعلى مقربة من مسجد الحسن الثاني، تبدو تجليات أحد أكثر العلاقات المعقدة بين المغاربة والدين. فالاحترام الواجب للأماكن المقدسة، لا يدنسه حديث في الغرام، بين المرتادين على الفضاء. ولا حتى طريقة جلوس مشبوهة بين رواد هذا المكان، من الذكور والإناث. المشاهد هنا، قرب المسجد، تشي بأن الكثير من الظواهر البشرية تستحق الدراسة. دراسة قد تمكن من فهم العلاقة بين المغاربة والدين، من خلال العلاقة الحميمية التي تجمع الجنسين على جنبات المسجد.
كل يتخذ وضعيته بهذا المكان. ينتشرون فوق سور المسجد، بشكل متفرق. وجوههم إلى البحر. غير مبالين بما يجري في الخلف. البحر أمامكم والضجيج وراءكم. سيارات تقطع صمت المكان، على طول شارع “الكورنيش” المؤدي إلى المنطقة السياحية “عين الذياب”. يبدو الجلوس، ذكورا وإناثا في عالم آخر. ترسمه أمواج البحر التي تتكسر، بين الفينة والأخرى، على جدار السور، ثم تعود إلى مياهها حيث تختفي، وكأنها تداعب الجالسين قبالة البحر، تشاركهم الحديث في أشيائهم الخاصة.
بين الفينة والأخرى، يوجه الجالسون نظرات إلى الخلف، لمعرفة ما يدور خلفهم. بنظرات حادة، يمنعك هؤلاء من الاقتراب إليهم، فالأمر يتعلق بخصوصيات. كما تمنع نظراتهم العابرين. من التأمل كثيرا في المشهد، أو الأوضاع التي يتخذها الجالسون فوق سور المسجد. نظراتهم إليك، كلما أحسوا، بشيء يقترب، تدفعك إلى الابتعاد، والبقاء خارج دائرة الخصوصيات التي يحيط بها الجالسون، هنا، أحاديثهم.
تخترق الفضاء، أصوات أشخاص تعودوا على المشهد. هواة الصيد. رجال، يمارسون هواية الصيد، بالقرب من السور الممتد على طول الفضاء المحيط بمسجد الحسن الثاني. رموا صناراتهم، في انتظار ما يجود به البحر عليهم. “السي عبد الله”، رجل ستيني، ألف المجيء إلى هذا المكان، منذ سنوات. “فعلا، لا أفهم لماذا لا يبتعد هؤلاء عن جنبات المسجد”، يحكي وهو يسترق السمع إلى البحر، ويسرق نظرة تلو الأخرى، إلى أزواج الذكور والإناث، المنهمكين في أحاديثهم الخاصة. “في الفترة الأخيرة، تزايدت هذه الظاهرة، قبل سنوات، كان هذا الفضاء مفضلا بالنسبة إلى مرتادي المسجد، يجلسون فيه في انتظار موعد الصلاة، وبعدها تحول إلى ساحة لمدارس تعليم السياقة، واليوم هو المكان المفضل لكثير من المراهقين، يمارسون نزواتهم فيه”.
وجود العشاق، هنا ليس محببا من قبل بعض هواة الصيد. لأنه مشهد تختلط فيه المشاعر الدينية، بأوضاع مشبوهة يتخذها بعض الجالسين، غير بعيد عن المسجد. لكنها الحالة في المغرب، يقول “السي عبد الله”، يضيف بنبرة غاضبة، وهو يشير إليهم “هادو ما تعول عليهم لبلاد فوالو، هوما الجامع ما عاطينوش التيساع”. لكنها الحالة، كل يوم، على امتداد السور بين مسجد الحسن الثاني و”العنق”، أحد الأحياء المطلة على البحر.

المغاربة والدين…

حسب دراسة “الحالة الدينية في المغرب”، قدمها المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، في أكتوبر من السنة الماضية، فإن 53 في المائة من الشباب المستجوبين، لا يؤدون صلواتهم بانتظام. وتظهر نتائج الدراسة التي أنجزها المركز، تفوق الإناث على الذكور في الالتزام بأداء الصلاة، إذ قاربت النسبة 59 في المائة، مقابل 36 في المائة فقط بالنسبة للذكور. ووفق الدراسة نفسها، التي تناولت العلاقة بين الشباب المغاربة والتدين، فإن المسجد يعتبر المصدر الرئيسي للمعرفة الدينية عند الشباب بنسبة 40 في المائة، وتحديدا إمام المسجد، تليه في الرتبة الثانية الأسرة بنسبة 23 في المائة.
وفي علاقة بالمساجد دائما، أكدت الدراسة الارتباط الوثيق للمغاربة بالدين، ذلك أن الإقبال عليها يمثل أحد تجليات هذا الإقبال، إن على مستوى مساهمة المحسنين في بنائها أو الإقبال عليها، وكذا تنامي الإشعاع العام للمساجد. وتوجد في المغرب حوالي 49 ألف و700 مسجد. وفي سنة 2009 تم تخصيص ميزانية قدرها 1.13 مليار درهم، في إطار الخطة الوطنية للارتقاء بالمساجد، وفي سنة 2010 تم إصدار الظهير المنظم لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، الذين يشرفون على المساجد تنظيما وتأطيرا وإمامة، أحيانا أخرى.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى