خاص

أسرار اختلاس المال العام بسوق الجملة بالبيضاء

الصباح” ترصد عمليات الاختلاس من لحظة دخول الشاحنة إلى خروجها

يستحق ملف سوق الجملة للخضر والفواكه أن يدخل كتاب «غينيس»  للأرقام القياسية، بعد أن مرت على فتح التحقيق به سبع سنوات، وتعاقبت عليه مجموعة من ممثلي النيابة العامة وقضاة التحقيق وعشرات رجال الأمن، ورغم كل هذا لم يجد  الملف طريقه إلى الحل، ويحد النزيف داخل سوق الجملة التي اختلط فيه السياسي بالاقتصادي، وتسعى جهات عديدة إلى عرقلة السير العادي له.

الصباح تعيد فتح الملف لفضح الجهات التي تسعى إلى التستر على ناهبي  المال العام، والتي تستفيد بشكل مباشر من الاختلاسات التي يعرفها السوق، وقد انطلقنا من سؤال مركزي من المسؤول عن الاختلاسات التي تحدث في سوق الجملة؟

سبع سنوات من التحقيق

ابتدأ التحقيق في ملف سوق الجملة سنة 2003 بعد أن توصل عامل عمالة مولاي رشيد سيدي عثمان من رئيس المجموعة الحضرية برسالة تشير إلى مخالفات حسابية واختلاس أموال عمومية خاصة بمداخيل سوق الجملة.
استمعت الشرطة إلى وكيل المداخيل عزيز التويليلة وصرح انه بصفته تلك توصل برسالة من وكيلي المربع 18 تفيذ بان هناك اختلاسات بالسوق، وأن بيانات الكشف الخاصة بالمربعات لا يتم تسجيلها بالسجل الممسوك من طرف العامل البائع بالمربع نفسه، لتتواصل التحقيقات ويتم اعتقال المدير آنذاك «مصطفى ل» ومسؤول ثان بالسوق مدة سنة كاملة قبل أن يطلق سراحهما لأسباب مجهولة.
توقف التحقيق مدة ست سنوات كاملة. دخل التاجر مراد الكرطومي على الخط بعد أن سحبت منه رخصة استغلال محل تجاري. أقام الرجل الدنيا ولم يقعدها رافعا شعار «علي وعلى أعدائي» راسل العديد من الجهات ونظم وقفات احتجاجية وحاول حرق نفسه دفاعا عن حقه كما يقول وعن المال العام الذي ينهب من السوق.
أعطيت الأوامر من جديد من أجل فتح التحقيق في الموضوع، وأعاد قاضي التحقيق جمال سرحان فتح الملف من جديد، واستمع إلى العديد من العناصر من بينهم المدير آنذاك ومسؤولين بقسم الجبايات والمعلوميات وتجار، وأنهى تحقيقه بقرار إحالة مكون من حوالي 400 صفحة شاملة لكل صغيرة وكبيرة في الموضوع، ليقرر من خلالها متابعة 26 متهما على رأسهم مدير سابق للسوق، ورئيس مقاطعة اسباتة رضوان المسعودي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس المجموعة الحضرية، بالإضافة إلى وكلاء مداخيل وأعوان عموميين، بعد أن وقف التحقيق على مجموعة من المعطيات الخطيرة في وزن وثمن ونوعية البضائع، وكذا خروقات بالنسبة إلى وكلاء المربعات الذين استمروا في استغلالها ما يزيد عن 25 سنة بدون موجب حق.
طوي ملف الخروقات ما بين سنة 2000 و 2003 ، وفتح مراد الكرطومي، معركة ثانية مع المسؤولين الجدد بالسوق وعلى رأسهم المدير محمد السبكي، وبعض المنتخبين الذين قال بأنهم استفاذوا من أموال السوق في تمويل حملاتهم الانتخابية، وسعى بكل الطرق إلى فتح تحقيق معهم لإيقاف نزيف ملايير الدراهم التي تختلس يوميا.
نجح الكرطومي في فتح الملف من جديد، وكلفت عناصر الفرقة الجنائية بأمن سيدي عثمان بالتحقيق، ووقفت على العديد من الخروقات في الميزان، وتبين لها أن بعض الموظفين يعمدون إلى تزوير البيانات الخاصة بمجموعة من السلع، حتى يتسنى لهم الحصول على الفارق المالي،  وأنهم يسجلون بيانات خاصة بسلعة ما بدل سلعة أخرى يكون أداء الرسوم عنها أقل، ويحتفظون بالفارق.
وكشف البحث أن التزوير لا يقتصر على نوعية السلع بل يشمل حتى التلاعب في وزن أو حمولة الشاحنة، إذ غالبا ما يتم رفع وزنها، على أساس أن يتم خفض وزن السلعة التي تحملها، حتى يكون الأداء الضريبي أقل من المبلغ الحقيقي الذي يجب أداؤه.
انتهى الفصل الثاني من التحقيق بتوجيه النيابة العامة اتهاما إلى 11 متهما، من بينهم  مدير السوق الحالي محمد السبكي ورئيس قسم الجبايات السابق ورئيس قسم المعلوميات ووكيل مربع وبعض التجار، وأحيل الملف على قاضي التحقيق نور الدين داحن الذي ما زال الملف بين يديه.
واصل الكرطومي نضاله، ونظم وقفة احتجاجية أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء وتقدم بالعديد من الشكايات إلى جهات عديدة، مؤكدا أن الاختلاسات ما زالت مستمرة، وأنه من غير المعقول أن يشرف المدير السبكي، المتابع في الملف، على تسيير شؤون السوق، فالأكيد أنه سيواصل نهج السياسة نفسها التي اتبعها من قبل والتي تضيع على الدولة ملايير السنتيمات سنويا.
لم يتوقف الكرطومي، وتعقب الرجل خطوات الملك خلال زيارته الأخيرة للدار البيضاء في محاولة لإيصال رسالة إليه، كما تقدم بشكاية إلى الوكيل العام للملك بالدار البيضاء الذي كلف عناصر الفرقة الوطنية بالتحقيق في القضية.

أكباش فداء

دخلت عناصر الفرقة الوطنية على الخط واستمعت من جديد إلى التاجر السابق مراد الكرطومي الذي تحدث عن وقوع العديد من الخروقات في الوقت الحالي بسوق الجملة، وحمل المسؤولية إلى مدير السوق ورئيس قسم الجبايات وبعض الموطفين بالسوق والسماسرة.
تحركت عناصر الفرقة الوطنية إلى سوق الجملة، وقامت بمراقبة ميدانية إلى السوق وبعد تفتيش لمجموعة من الشاحنات ومقارنة ذلك بورقة الكشف تبين إن إحداها تتضمن معلومات مغلوطة، إذ وضع بها «الفجل والسويهلة» في حين أن ورقة الكشف دونت بها أنواع خضر أخرى تؤدى عنها رسوم أقل.
أوقفت عناصر الفرقة الوطنية التاجر الذي أكد أنه كان يدخل، ولمدة سنة تقريبا، أربع شاحنات كل أسبوع مقابل تسليمه، عبر حارس بالسوق يسمى عبد الواحد، مبلغا ماليا عن كل عملية يتم توزيعه في ما بينهم، حتى يتسنى له تقليص نسبة 6 في المائة واجبات جبائية مفروض استخلاصها من المبلغ الإجمالي للحمولة والمحدد من طرف إدارة السوق بعملية ضرب حمولة البضاعة في السعر اليومي المحدد كذلك من طرف الإدارة.
ووقف تحقيق الفرقة الوطنية على وجود شخص يعمل حارسا بأحد المربعات يعمد إلى التوسط في جميع عمليات الاختلاس، إذ يتكلف شخصيا بإدخال الشاحنة دون أن تخضع للمراقبة أو يتم تغيير معطيات ورقة الكشف، ويتسلم الرشوة ويسلمها إلى الموظفين المعنيين
وحدد التاجر أسماء بعض الموظفين الذين علم من الوسيط أنهم يتسلمون الرشاوى، ليتم إيقاف سبعة منهم موزعين ما بين برج المراقبة والميزان، غير أن التدقيق في الملف يظهر أن هؤلاء الموظفين هم أكباش فداء، وأن المسؤولين الحقيقين لم يطلهم الاعتقال.

تقنيات نهب المال العام

بعد سبع سنوات من التحقيق ظهرت العديد من أساليب نهب المال العام بسوق الجملة للخضر والفواكه، بدءا بتعويض نوعية الخضر والفواكه، إذ يتم التصريح بخضر وفواكه تؤدى عنها رسوم أقل مكان تلك العالية الرسوم. وهنا لا بد أن يتواطأ موظفو مصلحة المراقبة والميزان ومعهم المدير حتى يتم التغاضي عن هذه التصريحات المغلوطة. وحتى في حال تطبيق المسطرة من خلال تعيين لجنة مراقبة الأثمنة من قبل المدير، فإن هذه اللجنة يمكن أن تتغاضى عن الأمر أو تحرر محاضر لا تتضمن المعلومات الصحيحة حول طبيعة الغش وتفرض ذعيرة بسيطة على المخالف، وذلك تحسبا لأي مساءلة مستقبلية.
وتتمثل الطريقة الثانية في التلاعب في أوراق الكشف، إذ يمكن لبعض مسيري المربعات أن يتلاعبوا في أوراق الكشف من خلال عدم تدوينها بسجل المربع.
الطريقة الثالثة تتجلى في إحداث عطب بالحاسوب حتى يتسنى التلاعب بدون رقيب ولا حسيب بتواطؤ مع وكلاء المربعات، وهي مسألة حدثت مرات عديدة، واستمر العطب لشهور.
الطريقة الرابعة تتمثل في التلاعب في حمولة الشاحنة، من خلال رفعها، وهكذا وقف التحقيق على شاحنة بحمولات عديدة، فتارة يسجل بأنها تزن خمسة أطنان وتارة ثمانية وتارة سبعا، والهدف هنا هو تخفيض حمولة الخضر أو الفواكه المحمولة عليها، إذ أن وزن الشاحنة ينقص من الوزن الإجمالي، وبالتالي عدم أداء الرسوم المستحقة للدولة.
بعض عرض هذه التقنيات لا بد من طرح السؤال الكبير المتعلق بالمسؤول عن الاختلاسات التي يحدث منذ عقد من الزمن؟
للإجابة على هذا السؤال والوقوف على المتهمين بهذه الاختلاسات  يجب أن نستعرض المراحل التي تمر منها الشاحنة من دخولها إلى السوق وإيداعها بمربع الوكيل واستخلاص الرسم عنها لفائدة مجلس المدينة، وهذه المراحل، التي تكشف المشاركين في الاختلاس، تبدأ بوزن الشاحنة من قبل مصلحة الميزان، إذ يقوم موظف الميزان بتسجيل جميع البيانات الخاصة بها في الحاسوب تتضمن معلومات عن السيارة وأخرى عن نوعية البضاعة ووزنها، بعد ذلك تمر على مصلحة المراقبة التي تراقب ما هو مدون بورقات الكشف المسلمة من مصلحة الميزان مع ما هو موجود في الشاحنة، ليتم إيداع البضاعة بالمربع المحدد، ليقوم المكلف بسجل المربع بتضمين البيانات المتعلقة بورقة الكشف في السجل واستخلاصه للرسم المحدد في مبلغ 6 في المائة لفائدة الجماعة، ثم يحمل بعد ذلك موظف بمصلحة الميزان نظير أوراق الكشف البيضاء من مصلحة الميزان إلى الإدارة ويسلمها إلى المكلفين بمراقبة سجلات الوكلاء، ثم يوجه بعد ذلك السجل من طرف الوكيل أو المفوض عنه إلى مصلحة الجبايات قصد التأكد من تضمين جميع أوراق الكشف وحصر المبلغ الواجب أداؤه لفائدة الجماعة من طرف الوكيل.
من خلال استعراض المراحل السابقة نصل إلى خلاصة مفادها أن  العديد من المصالح بسوق الجملة تتدخل في العملية، بدءا بمصلحة الميزان ثم المراقبة والوكلاء ومصلحة الجبايات، وانتهاء بالمدير محور العملية ككل، وان أي عملية لا يمكن أن تتم دون تواطؤ العديد من الأطراف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق