fbpx
ملف الصباح

“الكريديـات” … الغـرق المبيـن

أسر خنقتها القروض وأدخلتها في دوامة وملايير عجزت البنوك عن استرجاعها

سلم بعض المواطنين أرواحهم إلى البنوك، بعد أن توالت عليهم الضربات بفعل ارتفاع الأسعار، الناجمة عن مخلفات أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.

ارتفعت وتيرة القروض في السنوات الأخيرة، بالرغم من الفوائد البنكية المرتفعة التي تتعدى تلك المفروضة في أمريكا ودول أوربية متقدمة، وفي كل مرة يجد فيها المواطن أمام مشكل يلجأ إلى البنك من أجل المزيد من الديون.

ديون الصيف والعيد والدخول المدرسي جعلت بعض الأسر رهينة لدى البنوك، ولم يتبق لدى رب الأسرة سوى بعض المال القليل، من أجل اقتناء بعض الحاجيات، وتزداد المعاناة حينما يصبح الشخص غير مؤهل للحصول على قرض، فيلجأ لمؤسسات قروض أخرى لإغراق نفسه بدين جديد.

النتيجة مأساة ودوامة من المشاكل تعيش على إيقاعها أسر تحولت حياتها إلى جحيم، ووصل بعضها إلى مشاكل وأزمات نفسية، فيما دخلت أخرى دوامة المحاكم والتهديد بالإكراه البدني.

إدمان مزمن على القروض وشبكات تغرق مواطنين في دفع الأقساط حتى بعد التقاعد

تحول عدد من الموظفين والمستخدمين، إلى “كائنات قرضية”، لا تتصور عيشها خارج دائرة المؤسسات المالية، التي تتيح سلفات لكل المناسبات، وتقدم عروضا مغرية، وإن كانت الإرادة التي تطبع العلاقات التعاقدية في مجال الاقتراض مشوبة بنوع من الضعف بالنظر إلى الحاجة للمال، فإن هناك أشخاصا ارتموا في أحضان المقرضين، وباتوا يبحثون عن سلفات بكل الطرق، حتى أصبحت أجرتهم الشهرية هزيلة، لا يتبقى منها إلا نسب تصل إلى 20 في المائة من مجموع الراتب الشهري جراء الاقتطاعات، ما يضعهم في مسلسل من البحث عن الحلول التدبيرية للاقتراض.

تشترط شركات القرض شروطا تزيد من معاناة الموظف والمستخدم على السواء، إذ في حال وجود قرض بحوزته وأراد آخر، فإن الشركة تفرض عليه اقتناء القرض الأول، وإدماج مبلغ شرائه في القرض الجديد، وإن كانت العملية تبدو بسيطة لطالب الدين، إلا أنها واقعيا مع دفع الأقساط تفتح عينه على ما تعرض له من شطط، بأن دفع مبالغ مجموعة أقساط عمرها لم ينته بعد وراكم عليها أقساط وفوائد جديدة.

ويتم إثقال المديونية حين يحتاج المقترض إلى سلف جديد وتمتنع عنه الشركة المقرضة الأولى، ليلجأ إلى شركة أخرى، فيصبح مثقلا بقرضين أو أكثر، ومع انسداد أبواب القرض أمامه يبحث عن حلول جديدة من قبيل تمديد عمر القرض، وهي عملية جديدة، تتطلب بدورها نصيبا من أمواله.

وتفتقت عبقرية بعض المحتالين في استغلال هذه الفئات ممن أدمنوا الاقتراض وسدت الأبواب أمامهم بعض رفض تجميع قروضهم لوجود عوائق قانونية، بأن نصبوا أمامهم فخاخا يحسبونها حلولا، ليسقطوا فيها أمام الحاجة الملحة التي تغمض الأعين وتشل العقل.
ومن بين الطرق تلك التي ظهرت، أخيرا، في مواقع التواصل وأبطالها أشخاص يمتلكون رأسمال يمكنهم من الحلول محل المقترض المعسر، من أجل تدبير قرض جديد، رغم أن وكالات القروض جميعها رفضت ذلك.

وتتجلى الحيلة في استدراج الضحايا، خصوصا الموظفين المتوفرين على رقم تأجير، إلى لقاء غالبا ما يكون في مقهى أو فضاء عمومي، قصد مناقشة الزبون والتعرف على مشكلته ودراستها قبل أن تدخله في الشرك وطمأنته بتمكينه من القرض.

ويتم جمع المبالغ المتبقية في ذمة طالب القرض، والناتجة عن قروضه السابقة، لتحديد سقفها، قصد اقتنائها جميعا، ما يسهل على الضحية الاستفادة من قرض جديد مرتفع، لكن يتم ذلك بشروط وبعمولة تتباين قيمتها حسب الزبون الضحية.

ويشترط أفراد الشبكة المنتشرة في مجموعة من المدن، إلى تسلم شيك بقيمة مجموع القروض التي ينبغي اقتناؤها، بالإضافة إلى مبلغ العمولة الذي لا يقل عن 50 ألف درهم.

ونظرا لوجود قروض مستمرة حتى بعد التقاعد، أو لأن القروض المختلفة للموظف الواحد تلتهم أزيد من 40 في المائة من أجره، فإن مؤسسات القرض ترفض الجدولة أو إعادة اقتناء القرض وتمديد المدة لما في ذلك من مخالفات للضوابط القانونية، فإن الشبكة لها من حلول التزوير وإخفاء البيانات، ما يفلح في اختراق هذه المؤسسات، وأخذ قروض جديدة باسم الموظف المفلس، شريطة التوقيع على شيك يحمل مبلغ تجميع القروض زائد العمولة الخاصة بأعضاء المافيا.

وبعد نيل القرض وخصم العمولة، يجد الموظف المعسر نفسه أمام كابوس جديد من الاقتطاعات والأزمات المالية تستمر حتى بعد تقاعده.

المصطفى صفر


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


زر الذهاب إلى الأعلى