حوادث

المسؤولية المدنية والجنائية لاتحاد الملاك المشتركين

القضاء الفرنسي اعتبر أن الضمان لا يقتصر على تغطية العيوب التي تقع في البناء

من المعلوم أن اتحاد الملاك شخص معنوي لا يرتكب أخطاء شخصية بصفة مباشرة، ولكن لشخصيته الاعتبارية، فإنه يعمل وينشط بواسطة أعضائه في الجمع العام أو بواسطة جهازه التنفيذي المعروف بوكيل الاتحاد أو بواسطة مجلس الاتحاد، وبالتالي

فإن مسؤوليته تثار إذا كان هو مصدر الخطأ أو مرتكبه، حسبما ما يستفاد من المادة 13 من قانون الملكية المشتركة، وله الرجوع بعد ذلك على الغير المسؤول عن الضرر.

ذهب بعض الفقه المغربي إلى القول إنه كلما كان المتضرر من الملاك المشتركين كانت مسؤولية اتحاد الملاك عقدية، وكلما كان المتضرر من الأغيار، اعتبرت مسؤولية الاتحاد تقصيرية. غير أنه في نظرنا لا يبقى معيار التمييز بين المسؤوليتين دائما هو المتضرر، فكما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن نظام الملكية المشتركة والقانون نفسه يحددان معيار المسؤولية العقدية عندما يخل الاتحاد بإحدى مهامه والتزاماته العقدية سواء كان مصدرها القانون رقم 18.00 أو نظام الملكية المشتركة. وقد ذهب القضاء الفرنسي في هذا الاتجاه بخصوص تعويض المتضرر من الملاك المشتركين في ما يتعلق بالإهمال في الصيانة والمحافظة على المظهر الخارجي للبناية وشروط استعمال الأجزاء المشتركة .
وللإشارة فمحكمة النقض الفرنسية كانت قبل صدور قانون 10 يوليوز 1965 تعتبر مسؤولية نقابة الملاكين مسؤولية عقدية إبان تطبيق قانون 28 يونيو 1938، ولا يمكن للمتضرر إلا رفع دعوى  قضائية في إطار هذه المسؤولية وعلى أساسها حتى أن الدعاوى المقامة في إطار المادة 1386 من القانون المدني الفرنسي كانت تتعرض للرفض من طرف المحاكم.
وكثيرا ما تثار دعوى المسؤولية عند تهدم البناء المشترك على أساس مسؤولية المهندس المعماري أو المقاول وأحيانا على أساس مسؤولية مالك البناء.
ففي فرنسا، ذهبت محكمة النقض بإعمال المسؤولية العقدية في إطار التعويض عن الضرر اللاحق بفعل التهدم الجزئي، فقضت بما يلي:
«إن المادتين 1382 و1384 من القانون المدني الفرنسي اللتين لا صلة لهما بعلاقة المتعاقدين، لا يمكن التمسك بهما في حالة التقصير الذي وقع خلال تنفيذ التزام عقدي، ذلك التقصير الذي لا يمكن تجاهله من أجل تقدير المسؤولية الواجبة، ومتى وجد فإن مسؤولية المقاول عن الضرر الذي أصاب رب العمل من حريق أحدثته أعمال كان ينفذها بمناسبة العقد، لا يمكن أن تقرر على أساس المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي».
أما بعد تسليم الأشغال من طرف المقاول، فإن تعويض هذا النوع من الضرر يؤسس حسب غالبية الأحكام القانونية على عقد المقاولة نفسه بالنظر إلى ما ينتج عن العقد من التزام المشيد في هذه الفترة بسلامة رب العمل التزاما يمكن لهذا الأخير أن يتمسك به في حدود أحكام الضمان العشري.
ويتبين أن القضاء الفرنسي يعتبر أن الضمان العشري لا يقتصر على تغطية العيوب التي تقع في البناء وإنما يمتد إلى تغطية الأضرار التي تحدثها هذه العيوب.
وفي التشريع المغربي، فإنه بخلاف القانون الفرنسي، يُعتبر الفصل 769 من قانون الالتزامات والعقود القاعدة الأساسية للمسؤولية الـمعمارية.
ونلاحظ أن المشرع ضيق دائرة الأشخاص الملزمين بتحميل الضمان العشري (garantie décennale) حيث حددهم فقط في شخصين لا غير وهما المقاول والمهندس المعماري وأحيانا – architecte –  أو المهندس  أحيانا أخـرى ingénieur – دون بقية المتدخلين في عملية البناء كمهندس الإسمنت والحديد والمهندس المساعد ومكتب الدراسات وصانعي المواد المستعملة في البناء.
كما أن الفصل 769 المشار إليه حصر قرينة المسؤولية المفترضة في حالتين هما الحالة التي يتهدم فيها العقار كليا أو جزئيا، والحالة التي يتهدده خطر واضح بالإنهيار، وما عدا الحالتين لا محل لإمكانية الاستفادة من القرينة المذكورة بل على المتضرر إثبات الخطأ في جانب المتسبب في الضرر.
أثر المسؤولية العقدية على علاقة الجوار بين الملاك المشتركين:
ذهب بعض الفقه الفرنسي إلى أنه عندما يتعلق الأمر بأضرار الجوار، فإن التعويض يكون فقط عن الضرر غير العادي حتى ولو كان هذا الضرر ناتجا عن عدم تنفيذ التزام عقدي . غير أن محكمة النقض الفرنسية ما لبثت تقرر باستمرار أن المسؤولية العقدية وحدها التي يجب تطبيقها مستنتجة أنه لا مجال للبحث عما إذا كان الضرر غير عادي، إذ أن وجود الخطأ العقدي يكون وحده كافيا .
وهذا هو حال الملكية المشتركة بالمغرب، فعندما يضع نظام الملكية المشتركة على عاتق اتحاد الملاك التزامات خاصة متعلقة بالانتفاع بالأجزاء الخاصة، فإنه تثار مسؤولية هؤلاء عن الأضرار الواقعة بينهم بمجرد عدم تنفيذ الالتزام المنصوص عليه في نظام المشتركة فقط دون ضرورة إثبات وجود ضرر غير عادي للجوار .
ولما كان أساس المسؤولية العقدية لاتحاد الملاك يرجع إلى مبدأ سلطان الإرادة في إنشاء القواعد الإتفاقية فيما بين أعضاءه، كان لازما احترام هذه الإرادة وفق القاعدة القانونية المنصوص عليها في الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود. ومن تم كان لازما ترتيب الأثر  الناتج عن المسؤولية وهو التعويض عن الضرر .
المبحث الثاني: المسؤولية التقصيرية لاتحاد الملاك ولمجلس الاتحاد:
يعتبر بعض الفقه المغربي  أنه رغم من أن اتحاد الملاك ليس مالكا للعقار فإنه الحارس الفعلي المسؤول على الصيانة والمحافظة عليه مما يبرر تمديد تطبيق عليه مقتضيات الفصل 89 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على ما يلي:
«يسأل مالك البناء عن الضرر الذي يحدثه انهياره أو تهدمه الجزئي، إذا وقع هذا أو ذاك بسبب القدم أو عدم الصيانة أو عيب في البناء. ويطبق الحكم نفسه في حالة السقوط أو التهدم الجزئي لما يعتبر جزءا من العقار كالأشجار والآلات المندمجة في البناء والتوابع الأخرى المعتبرة عقارات بالتخصيص.
وتلزم المسؤولية صاحب حق السطحية إذا كانت ملكية هذا الحق منفصلة عن ملكية الأرض، وإذا التزم شخص غير المالك برعاية البناء إما بمقتضى عقد، أو بمقتضى حق انتفاع أو أي حق عيني آخــر، تحمل هذا الشخص المسؤولية».
وقبل التطرق إلى جوانب مسؤولية اتحاد الملاك التقصيرية، لا ضير من الإشارة إلى أن من الفقه المغربي من يعرف المسؤولية التقصيرية أنها إخلال بواجب يفرضه القانون على الناس بعدم الإضرار بالغير  ويستحق عليه التعويض .
وجاء في تعريف آخر للمسؤولية التقصيرية بأنها تنشأ عما يحدثه الشخص طبيعيا كان أم اعتباريا من ضرر للغير، فيكون مسؤولا عنه بحكم القانون .
وأفرد المشرع المغرب للمسؤولية التقصيرية على أزيد من ثلاثين فصلا من قانون الالتزامات والعقود ابتدءا من الفصل 77 إلى غاية الفصل 106، ومن خلال تلك المقتضيات القانونية وعلى أساسها سنعمل على البحث في مسؤولية اتحاد الملاك التقصيرية.
المطلب الأول: مسؤولية اتحاد الملاك ومجلس الاتحاد استنادا إلى الفصل 89 من قـانون الالتزامات والعقود :
إن المادة 13 من قانون الملكية المشتركة تكاد تعد امتدادا للفصل 89 من قانون الالتزامات والعقود. فالمادة 13 تنص على أنه يسأل اتحاد الملاك عن الأضرار التي تنتج عن إهمال في تسيير الأجزاء المشتركة أو صيانتها، كما يسأل عما يقوم به من إصلاحات للبنـاء أو أعمال للحفاظ عليه، في حين نص الفصل 89 المذكور على أنه يسأل مالك البناء عن الضرر الذي يحدثه انهياره أو تهدمـه الجزئي إذا وقع هذا أو ذاك بسبب القدم أو عدم الصيانة أو عيب في البناء.
وهكذا فرغم عدم تملك اتحاد الملاك أو مجلس الاتحاد للأجزاء المشتركة من أية بناية إلا أن القانون ألزمه عندما خصه بالشخصية المعنوية، بالحفاظ على العقار وصيانته وإدارة أجزائه المشتركة. فمسؤولية الاتحاد بناء على ذلك تقوم كلما كان إخلال من جانبه بالتزام قانوني .

بقلم: مصطفى أشبان: دكتور في الحقوق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق