ملف الصباح

أزمة الأنظمة السياسية تنبع من غياب الوسائط

شرعية المؤسسة الملكية في المغرب لم تكن محط نزاع والمراهنة على تفادي الفراغ السياسي تدخل في إستراتيجية الحكم

بدأت رياح التغيير تجد طريقها إلى عدد من الأنظمة العربية في الشرق الأوسط، ولم يكن أحد يتوقع أن تكون المنطقة المغاربية نقطة إنطلاق الاحتجاجات الاجتماعية التي سرعان ما تحولت إلى ثورة الياسمين في تونس، وعجلت بالإطاحة بنظام بنعلي بعدما اختار الرئيس المخلوع الفرار وأفراد أسرته يوم 14 يناير، وكان للتدخل الأجنبي دور في رسم معالم تونس ما بعد بنعلي ضمن إطار محطة انتقالية صعبة مفتوحة على كل الاحتمالات.
وتكمن التساؤلات التي يطرحها الشارع المغربي في ما إذا كان المغرب معنيا بهذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات التي تبدأ من “الفايس بوك” و”تويتر” وغيرها من مواقع الدردشة، فخطورة الشبكة العنكبوتية اليوم تتمثل في أنها تحولت إلى فضاءات افتراضية لتأطير الجماهير سياسيا وهي منفلتة من أي رقابة.
وتتجلى أزمة الوسائط السياسية والاجتماعية والفكرية في بلدان من قبيل تونس ومصر في التوجه الأحادي للنظامين معا رغم اختلاف المعطيات التي أنتجت التجربتين السياسيتين في مصر وتونس، إلا أن نوعية الشعارات المرفوعة في يوم الغضب بمصر وقبله في ثورة الياسمين بتونس، تجعلها تتطابق في دعوة الرئيسين بنعلي ومبارك إلى مغادرة البلاد باستعمال كلمة DEGAGE ، ما يعني أن شرعية النظامين معا توجد محط مساءلة من قبل الجماهير والوسائط السياسية التي لم تعد في خدمة النظام بل تساهم في عزله أكثر.
عانت المعارضة في تونس الاختناق والحصار، فتحولت إلى المنفى أواللجوء السياسي، أما ما تبقى منها في تونس فكانت تنتظر اللحظة التاريخية المناسبة للانقلاب على الحكم، وهو ما تحقق لديها لما انخرطت قوى اليسار والنقابات في موجة الاحتجاجات التي كانت عفوية في البداية قبل أن تصبح موجهة بعد ذلك، أما في مصر فالوضع مختلف إلى حد ما، فرغم أن نظام مبارك منح مجالا لحرية التعبير والتعددية السياسية، إلا أن الاستمرار في إعلان حالة الطوارئ لمدة 27 سنة، يؤكد أن النظام هناك خائف من شيء ما، وأن المؤسسات الموجودة التي يهمين عليها الحزب الوطني الحاكم مقابل تهميش وعزل المعارضة التي يمثلها تنظيم الإخوان المسلمين، لم تعد تسعف في صد هجمات الشارع ضد نظام مبارك، كما كانت الانتخابات الأخيرة عنوانا بارزا لأزمة النظام السياسي المصري، يضاف إليها حديث الشارع المصري عن توريث مبارك رئاسة الجمهوية لابنه جمال، وهو ما جعل عددا من قوى المعارضة تنتفض للحيلولة دون استمرار نظام يبقى موجها من الخارج لإرساء الاستقرار في المنطقة، إلا أن شرعيتة في الداخل آخذة في التفكك بفعل توالي مظاهر الأزمة الاجتماعية والاقتصادية مع استمرار هيمنة جهة سياسية واحدة على كافة مؤسسات البلاد.
لعبت المؤسسة الملكية في المغرب دوما دور الحكم بين الفرقاء السياسيين والصراع بين هؤلاء ينتهي عند حدود الملكية باعتبارها الضامن لاستقرار البلاد، كما لم تعد شرعية النظام محط مساءلة كما كان بالأمس أيام الراحل الحسن الثاني، خاصة في عقدي الستينات وبداية السبعينات، فكل المكونات السياسية بالمغرب من يسارها إلى يمينها، ترى في الملكية صمام أمان ضد أي أخطار خارجية أو داخلية، بحكم تجذرها التاريخي وشرعيتها الدينية والدستورية وبالتالي فحدود الاحتجاجات الاجتماعية تبقى ضمن إطار محاسبة الحكومة، وغالبا ما تكون مؤطرة سياسيا ونقابيا بشكل يجعلها بعيدة عن التحول إلى انتفاضة مجهولة العواقب.
دشن الملك محمد السادس عهدا جديدا اتسم بطي صفحة الماضي من خلال تشكيل هيأة الإنصاف والمصالحة، بما يعنيه ذلك من اعتراف بمسلسل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها مغرب سنوات الرصاص، وما واكب العملية من إجراءات أخرى تتعلق بجبر أضرار الضحايا، كما أن مسلسل  الإصلاحات الكبرى في المغرب أخذ طريقه منذ نهاية عقد التسعينات وبداية الألفية الجديدة، وهم الشق الحقوقي من خلال إرساء قواعد دولة المؤسسات وتكريس التوجه الاجتماعي ضمن السياسات العمومية، إلا أن هذا المسلسل الديمقراطي الذي طال أمده، ينبغي أن يجعل المغرب ينخرط بكل جرأة في الحد من بعض مظاهر الفساد من خلال القضاء على جميع اشكال الريع والرشوة وضمان تكافؤ الفرص وردم الهوة الاجتماعية والحرص على جعل الطبقة الوسطى تحظى بالأولوية في سياسات الدولة، لأنها الضمان الأساسي لاستقرار النظام وديمومته.

رشيد باحة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق