هدوء ملاك عصفت به فاجعة الحمل ورشيدة تمنت الموت لجنينها وأصوات تطالب بتظافر الجهود لاستئصال الظاهرة شهادات صادمة قدمتها على إيقاع الدموع الحارة الحارقة لجمال الوجه والسمعة والكرامة، طفلات في عمر الزهور وجدن أنفسهن ضحايا حمل بزواج أو دونه، يواجهن مصائرهن في صمت في روايات مختلفة باختلاف الحالات، وبشكل أقرب إلى سيناريوهات أفلام سينمائية بحقائق مذهلة، لا تخلو من آلام وتأوهات، حاول فيلم "ملاك" اختصارها عبثا بمرارة أقل مما أدلت به طفلات بفاس في شهاداتهن الحية أمام حضور دار الشباب القدس، في لقاء دولي لمحاربة الظاهرة. سعيدة ورشيدة حالتان لوجه واحد من المعاناة اليومية مع حمل وأجنة داخل الأحشاء تنتظر الميلاد، تمنت إحداهن لهم الموت تلافيا لعيشهم عذابا كالذي تعيشه بعدما فرت من زوجها ومعنفها المتلذذ برسم أخاديد فشله الاجتماعي على جسد صغير لا حول ولا قوة له إلا البكاء سلاحا ما وراء ستار الحكي والسرد لقصص مثيرة تستحق أن نشارك قارئ الصباح في تفاصيلها، أملا في استئصال كامل لظاهرة تؤرق الجميع قبل الطفلات اللائي جربن الأمومة في عمر طفولتهن المغتصبة. هدوء ملاك وعاصفة ما بعد الحمل "ما بقاتش عندي الضحكة الهادئة والظريفة".. عبارة صادمة قالتها الطفلة ملاك لوالدها وهو يسترجع ذكرياته مع براءة صغرها لما كانت "ريشة هزيتها فيدي"، ما لم يعد بعدما ذاقت طعم عذاب الحمل والوضع في عمر الصبى. حديث مؤثر بين أب "ضعيف" أمام "مجتمع لا يرحم"، وفلذة كبده التي سماها ملاكا لهدوء ميلادها وضحكتها الهادئة التي أفقدتها إياها مشاكل حمل وحدها أدت تبعاته، وحولتها إلى ريشة فتكت بها هبة ريح قبل أن تنطلق في رحلة على متن حافلة متهالكة إلى المجهول. عبثا حاول الأب الذي كان آخر من يعلم بحمل ابنته، في هذا المشهد المؤثر، كشف لا مبالاته لكلام الناس، لكن قلبه اعتصر لفظاعة ما تعرضت إليه ابنته طيلة 9 أشهر من التيه بمدن شمالية بحثا عن طرق للخلاص من جنين كتب له أن يولد من رحم طفلة لون السواد صفحات يوميات حياة ضياعها التي اقتسمتها مع النادل الآوي جسدها للمتعة دون رأفة، وحارس السيارات الرائف لحالها، والمطعون غدرا من أطفال طائشين لأسباب غامضة، عكرت على "ملاك" دفء ليلة الوضع. الناي أداة وحيدة "كسرت" صخب ليل انتهى بلون الدم وصدمة جديدة ل"ملاك" التي أطلقت سيقانها للريح خوفا من سيناريو فيلم جديد في آخر حلقات شريط حملها سفاحا، لتجد نفسها أمام ممرضة قاسية عاتبتها بشدة ولهجة لا تخلو من تحقير، بعدما ساعدت نساء كن يتجولن بالشارع، هذه الطفلة التي وجدنها تتألم من شدة المخاض وحملنها إلى المستشفى تاركات إياه تواجه مصيرها بنفسها، كما أشخاص آخرون من سابقيهن، بمن فيهم الشاب المتسبب في حملها و"الهارب" من بشاعة فعلته."كنبغيك، كنحماق عليك".. كلمات فاه بها العشيق قبل أن تذيب حقيقتها عيارات عبارات صادمة بعد علمه بحمل عشيقته ملاك، ناعتا إياها بأقبح النعوت، قبل أن ينزلها بالقوة من سيارته ويتركها في مواجهة مباشرة مع مصيرها الغامض، ماحيا كل أثر يمكن أن يقود إليه، بما فيها الشقة التي اكتراها وأوت لحظات حميمية بينهما، وغادرها بعد إخباره بحملها منه سفاحا، وهاتفه المحمول الذي أضحى "يتعذر الآن الاتصال بمخاطبكم" عبارة تشنف أسماع الطفلة المكلومة عند كل محاولة لتلمس أثره. وأمام جحود العشيق، وجدت ملاك نفسها بين أنياب أشخاص لا هدف لهم إلا الاستغلال أو الاغتناء على حساب أزمات الآخرين، بمن فيهم النساء اللائي توسطن لمحاولة إجهاضها وعرضن جسدها الصغير لقمة سائغة في أفواه الباحثين عن اللذة في فيلم "ملاك" لمخرجه عبد السلام الكلاعي، الذي اختصر حياة قاصر اضطرت لمواجهة الحياة وحيدة بعدما اكتشفت حملها، في قصة مشابهة لقصص أخرى لطفلات جربن الأمومة في عمر الطفولة لأسباب مختلفة ومتباينة. "مصاب يموت وما يبقاش يتعذب" "أقول مصاب يموت وما يبقاش، حيث أنا عايشة فالعذاب وما بغيتوش يبقى يتعذب".. جملة بمثابة "قذيفة" فاهت بها الطفلة رشيدة ذات 16 ربيعا وهي تسترد قصة تيهها ما بعد زواجها قسريا من شاب يكبرها وشهدت ال6 أشهر التي قضتها معه قبل فرارها، معاناة حقيقية جعلتها تختار واحدة من الطفلات اللائي قدمن شهاداتهن في لقاء حول "أمومة في عمر الطفولة: مواجهة تحدي حمل المراهقات" نظمه الخميس الماضي صندوق الأمم المتحدة للسكان بمجمع الشباب القدس بفاس. "لا أحس بالأمومة، بل إحساسي صعب في ظل تناسل عدة مشاكل لم أعد قادرة على تحملها".. تضيف هذه الطفلة المتحدرة من قرية مجاورة لمدينة فاس، مذرفة دموعا حارة على خديها وهي تحكي خلف الستار، قصة عذابها في مدة قصيرة من زواجها النفعي المصلحي، توجت بحمل أول انتهى بإجهاضها قبل حملها ثانية دون رغبتها، أو يعفيها ذلك من جلسات "تعذيب يومية" من زوج يتلذذ بدموع طفلة وجدت نفسها بين حضنه الخشن، عوض وجودها بين أقرانها بالقسم والمدرسة. "ما بقيتش باغية نعيش معاه".. تقول الطفلة رشيدة التي لم تكف عن البكاء طيلة دقائق سردها قصتها المثيرة أمام حضور قاعة دار الشباب، مؤكدا رغبتها في الفرار إلى غير رجعة، بعدما فرت من بيت الزوجية عدة مرات، دون أن يرحمها أهلها وأقرب المقربين إليها، ممن ما زالت العادات والتقاليد، حكما في حياتهم، لأن "البنت يلا تزوجات خصها تصبر" رغم ما قد تذوقه من طعم العلقم ومرارة العيش وما يرتبط بها من عنف مادي ومعنوي وإكراه جنسي وتصرفات مثيرة للتقزز. وتلك قصة مماثلة لزميلتها سعيدة التي غادرت المدرسة من مستوى الخامسة ثانوي لتسقط مجبرة في حضن زوج أذاقها العذاب نفسه، حتى بعد حملها ووضعها طفلا ميتا بطريقة قيسرية تطلب رتق جرح بفرجها ب12 غرزة طبية، قبل أن تحمل ثانية في زمن قياسي وتصدم لهجرة زوجها المفاجئة إلى الجزائر التي اكتشفت زواجه السابق بها، تاركا إياه في مواجهة مباشرة لمصيرها الغامض بطفل ضحية علاقة غير متكافئة، وبدون عمل أو شهادة أو تكوين أو حرفة قد تقتات منها. وما يزيد الأمر تعقيدا طبيعة عائلة الطفلة وضغط وضغوطات الأب الملتحي والمحافظ الذي يفرض "قانونه" الخاص عليها دون رأفة أو رحمة وشفقة، إذ "أنا خصني الحنان، وكيفاش غادي نعطيه لهذ الولد اللي ما عندوش ثبوت النسب" تقول بنبرة لا تخلو من أسف وترجمة لما يبطن الفؤاد المصدوم من آلام تتجرعها، مضيفة "لكن الحمد لله لقيت راجلي أختي هو اللي كيصرف علي ويعطيني مصروف ابني كل أسبوعين، أما الوالد ما كيعطيني والو غير الكلام القاسح". حميد الأبيض (فاس)