القاضي السابق أعد مشروعا لقانون تنظيمي وانتقد قرارات الرميد واعتبر الاحتجاج بالبذلة مشروعا اعتبر أحمد النويضي، القاضي السابق الذي عزل من مهامه أخيرا، أن مشروع القانون التنظيمي لوزارة العدل يتضمن نصوصا تبقي دار لقمان على حالها، وتكرس هيمنة أكثر حدة من تلك التي فرضتها وزارة العدل طيلة 40 سنة، وأعد النويضي، رئيس المنتدى المغربي للدفاع عن حقوق القضاة، مشروعا فرديا، اعتبره أرضية للنقاش حول الإصلاح المأمول، تطرق فيه إلى مختلف الجوانب. كما تحدث في حوار مطول مع "الصباح"عن جوانب أخرى من بينها حق القضاة في ارتداء البذلة للاحتجاج والزيادات في الرواتب.. في ما يلي نص الحوار: أنجزتم أخيرا، مشروعا اعتبرتموه أرضية للنقاش الدائر حول تنزيل القانون التنظيمي للسلطة القضائية، رغم أن الوزارة المعنية تكلفت بإنجاز المشروع، فما دواعي هذا السلوك وماذا تقصدون من وراء ذلك؟ السبب الرئيسي وراء إنجاز هذا المشروع هو غيرتي على بلدي، فالقضاء هو المظهر الحقيقي لدولة الحق والقانون، فهو سلطة من سلطات الدولة يساهم في دعم هيبتها، وفرض سطوتها، وضمان سيادة القانون، فبالإضافة إلى وظيفته الرئيسية المتمثلة في حماية حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم، وبالتالي الحفاظ على الأمن العام والاستقرار، فإنه يحقق مجموعة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، وبالنظر إلى الأهمية التي يكتسيها القضاء، تعالت أصوات في العقود الاخيرة تدعو إلى إصلاح القضاء، ليواكب التطور الديمقراطي والاقتصادي وتحديات العولمة، وما رافقتها من قفزة تكنولوجية عالية، فظهرت آراء متباينة حول شكل هذا الإصلاح ووعائه، بعدما ظهرت بوادر الخلط بين إصلاح القضاء كمؤسسة، وبين إصلاح القاضي كفرد، حيث تم التركيز على القاضي بدل المؤسسة، وما صاحب ذلك من إكراهات عاناها القضاة. نعم كل هذا يبقى جانبا، لكن لماذا أنجزت هذا المشروع بشكل منفرد، رغم أن الوزارة فتحت ورشا وأعدت مشروعها وما هي الرسالة التي تحملها في هذا الصدد؟*أولا لابد من الإشارة إلى أن جلالة الملك تدخل بخطابه التاريخي يوم 20 غشت 2009 لرسم خارطة طريق إصلاح المنظومة القضائية، تم جاءت مقتضيات الدستور 2011 لتعلن عن ميلاد سلطة قضائية مستقلة، غير أن الدستور علق انطلاق ورشة إصلاح القضاء على صدور قانون تنظيمي للسلطة القضائية، وقد استبشر القضاة خيرا، وانتظروا زهاء سنتين ونصف صدور قانون تنظيمي يحقق أمالهم في الاستقلال الفعلي عن هيمنة وزارة العدل ويضع حدا لمعاناتهم، قانون يؤدي إلى خلق قضاء نزيه، قوي وفعال يساهم في بناء مغرب ديمقراطي يسوده الحق والقانون، لكن هذا الحلم تبخر بمجرد نشر وزارة العدل لمشروعي القانونين التنظيميين، وخلف ذلك إحباطا واستياء عميقا في نفوس معظم القضاة. ورغم الانتقادات الموجهة إلى العمل وزارة العدل من قبل الجمعيات المهنية للقضاة فإن الوزارة ظلت متمسكة بمشروعيها مستغلة عدم تقديم الجمعيات المهنية للقضاة مشروعا بديلا ينافس مشروعي وزارة العدل، ووفاء مني للعهد الذي قطعته على نفسي للدفاع عن حقوق القضاة، تفرغت لإنجاز هذا العمل وطرحته للنقاش لإغنائه بمقترحات السادة القضاة وغيرهم من المهتمين بالحقل القضائي، وتقديمه مسودة مشروع قانون تنظيمي للسلطة القضائية كبديل لمشروعي وزارة العدل. هل هذا يعني رفض القضاة لمشروعي وزارة العدل ثم ما هي العيوب التي لاحظتها في هذين المشروعين؟ لا يخفى على أحد أن قانون النظام الاساسي للقضاة صدر سنة 1974 وظل مطبقا على القضاة زهاء 40 سنة، وقد أفرز التطبيق العملي لهذا القانون منذ صدوره إلى الآن هيمنة كاملة لوزارة العدل على القضاة، مما أثر سلبا على استقلالهم. فوزارة العدل من خلال أجهزتها (المفتشية العامة ومديرية الشؤون الجنائية والمسؤولون القضائيون، إضافة إلى المجلس الاعلى للقضاء)، تتحكم في المسار المهني للقضاة من خلال السلطات التي تتوفر عليها (سلطة الانتداب والانتقال، والترقية، وسلطة التأديب، وتوزيع المهام داخل المحاكم) وقد ازدادت هيمنة أجهزة وزارة العدل على القضاة حدة منذ انطلاق ورشة إصلاح القضاء، حيث تم التركيز على القاضي، فجاء مشروع القانون التنظيمي لوزارة العدل يتضمن نصوصا تبقي دار لقمان على حالها، وتكرس هيمنة أكثر حدة من تلك التي فرضتها وزارة العدل طيلة 40 سنة، إضافة إلى نصوص تشكل تراجعا عن المكتسبات التي تحققت لفائدة القضاة خاصة في مجال حرية التعبير، وأخرى تضفي الشرعية على بعض الخروقات للنظام الأساسي للقضاة لسنة 1974 خاصة في مجال الترقية والتأديب، فكل ما جاء به مشروع وزارة العدل هو نقل اختصاصات وزارة العدل للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.ونقل سلطات وزير العدل إلى الرئيس المنتدب، والإبقاء على تعيين المسؤولين القضائيين بما في ذلك الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك بها. ما هي أهم البدائل المقترحة في مشروع القانون التنظيمي المعد من قبلكم؟ إن الحديث عن البدائل المقترحة يحتاج صفحات، لكن على العموم يمكن إجمالها في ما يلي:-اقتراح انتخاب الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لديها من قبل الجمع القضائي العام الذي يتكون من مجموع القضاة.-إحداث هيأة عليا للشؤون القضائية تنوب عن الجمع القضائي العام ومن مهامها متابعة القضاة من أجل ما ينسب إليهم من إخلالات مهنية، وإحالتهم على المجلس الأعلى للسطة القضائية، حتى لا يكون المجلس حكما وخصما في آن واحد.-متابعة أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية من أجل ما قد ينسب إليهم من إخلالات، وإحالتهم على محكمة النقض، التي تبت كمرجع تأديبي بجميع غرفها حتى لا يظل هؤلاء دون حسيب أو رقيب.- التنظيم والإشراف على انتخابات أعضاء المجلس الاعلى السلطة القضائية.وتحديد اختصاصات المفتشية العامة وحصرها في التحري والبحث بشأن المخالفات المهنية للقضاة.- إحداث هيأة الاعلام القضائي بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وأخرى للإشراف القضائي بمحكمة النقض، تتولى تقييم عمل المحاكم وسيرها بدل المفتشية العامة. وتفعيل دور الجمعيات العامة بالمحاكم وتحديد اختصاصها ومن مهامها انتخاب المسؤولين القضائيين للمحاكم وتنظيم الجلسات، وتوزيع القضاة على الغرف والأقسام. وإلحاق المعهد العالي بالسلطة القضائية ومن مهامه تكوين الملحقين القضائيين لمدة سنتين، واعتبار شهادة التأهيل شهادة الماستر في العلوم القانونية. هذه جوانب تميل أكثر إلى الجانب التأديبي وضمان محاكمة عادلة للقضاة المخالفين للضوابط، ماذا عن الحقوق والواجبات؟لم يغفل المشروع هذه المسائل، ففي باب حقوق القضاة، تحدث عن تحديد المرتب والتعويضات والامتيازات المستحقة للقضاة ووضع معايير شفافة لترقية القضاة واعتبار الترقية حق للقاضي من تاريخ التسجيل بلائحة الترقي وأيضا حرية التعبير بما يضمن عدم التضييق عليها.وفي ما يخص الواجبات، تطرق المشروع إلى مساءلة القضاة، وتحديد المخالفات التأديبية بشكل يمنع معاقبة القاضي على فعل لا يعتبره القانون مخالفة، ووضع مسطرة تأديبية واضحة لا يجوز مخالفتها. والتنصيص على اعتماد وسائل الإثبات المحددة في القانون المدني، ومنع نقل القضاة كعقوبة إضافية. راتـب القـاضي يحتاج مـراجعة جـذريـة لقد اقترحتم انتخاب الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك بها، في ما يرى العديد من الفاعلين في المجال ومن بينهم رئيس الودادية الحسنية للقضاة، ضرورة تعيينهما من قبل الملك بعلة أن الانتخاب يفرز الصالح والطالح ما ردكم على ذلك؟ وجهة نظر الزميل المحترم، رئيس الودادية أحترمها، لكني لا أشاطره الرأي في ما ذهب إليه من أن الانتخاب يفرز الصالح والطالح، فالقضاة هم نخبة المجتمع والأصل أنهم شرفاء، لأن الإنسان محمول على الصلاح، والقضاة أغلبهم من الشباب، وحاصلون على شهادات عليا، وكبارهم حكماء، وليسوا أغبياء حتى يختاروا من لا يتوفر على شروط تحمل مسؤولية رأس هرم القضاء. وانتخاب الرئيس الأول وكذا الوكيل العام للملك، هو مطلب معظم القضاة. ويتم، حسب اقتراحي، من قبل الجمع القضائي العام الذي يتكون من مجموع القضاة والذين يكونون السلطة القضائية، وهو الذي يقترح الفائزين على جلالة الملك الذي ترجع إليه صلاحية تعيينهما بظهير شريف.وإذا قلنا إن جلالة الملك يعين هذين المسؤولين دون انتخاب، فمن هي الجهة التي ستقترح المرشحين لهذين المنصبين وتقدمهما إلى الملك، خاصة أن وزير العدل لم يعد عنصرا في السلطة القضائية المستقلة. إن الجهة الوحيدة التي لها الصلاحية لتقترح على الملك من يتولى رئاسة محكمة النقض ورئاسة النيابة العامة هي السلطة القضائية نفسها، والانتخاب هو الوسيلة الديمقراطية لاقتراح المرشحين على جلالة الملك لتعيينهما بظهير. في باب حرية التعبير الذي تناولتموه في مشروعكم، نذكر أن وزارة الداخلية منعت وقفة احتجاجية للقضاة، بناء على طلب وزير العدل، بعلة أن ارتداء البذلة خارج المحاكم مخالف للقانون ما صحة أسباب وزارة العدل لمنع احتجاج القضاة بالبذلة الرسمية وكيف تنظرون إليه من زاوية المشروع نفسه؟ الأصل أن البذلة الرسمية، للقضاة خاصة بالجلسات، وفق المادة 23 من التنظيم القضائي، التي تنص على أن "يرتدي القضاة اثناء الجلسة بذلة تحدد مميزاتها بقرار لوزير العدل»، لكن هذه المادة لا تمنع صراحة القضاة من ارتدائها خارج الجلسات، وليس معنى هذا جواز خروج القضاة مرتدين بذلتهم بالشارع العام دون سبب، فهذا يمس بوقار القاضي، وإنما لا بد من وجود سبب وجيه يبرر ارتداء البذلة خارج الجلسة، فالمحامون لهم بذلة خاصة بالجلسات، والشيء نفسه بالنسبة إلى الأطباء، ومع ذلك، نجد هؤلاء يرتدون البذلة الرسمية في وقفاتهم الاحتجاجية، ولم نسمع يوما قيام الداخلية بمنع وقفات المحامين أو الأطباء بسبب ارتداء البذلة. قد يقول قائل إن القضاة لهم مكانة خاصة تختلف عن باقي المهن، صحيح، لكن ألم يقف القضاة بالباب الرئيسي لمحكمة النقض مرتدين البذلة الرسمية عند تأبين القاضي الراحل مصطفى التراب، رحمه الله! لقد صرح وزير العدل بأنه لم يكن ليمنع القضاة من الاحتجاج أمام وزارة العدل إذا وقفوا بدون بذلة، ما الفرق في نظركم؟ الواقع أن القضاة لم يخرجوا في مظاهرة للمطالبة بحق من حقوقهم كمواطنين، وإنما خرجوا بصفتهم قضاة للنضال من أجل صفتهم كأعضاء للسلطة القضائية، فالمعركة التي يخوضها القضاة ليست مسألة تخص الحالة الشخصية للقاضي كمواطن، وإنما هي أكبر من ذلك، فالصراع هنا صراع وجود بين سلطة قضائية حديثة النشأة، تبحث عن ذاتها واستقلالها من خلال للقوانين المنظمة لها، وبين سلطة تنفيذية عريقة تسعى من موقعها إلى قص أجنحة السلطة لقضائية في المهد، بفرض قوانين تحد من قوتها وهيمنتها فالمرحلة التي نعيشها هي مخاض عسير لولادة سلطة قضائية يخشى القضاة ولادتها معاقة، وأن القضاة الذين لا يملكون الوسائل التي تحد من هيمنة السلطة التنفيذية، مقارنة بما تملكه الأخيرة من إمكانيات لم يجدوا سوى الخروج إلى الشارع والاحتجاج بالبذلة الرسمية كوسيلة لدق ناقوس الخطر الذي يهدد استقلال سلطتهم القضائية وإسماع صوتهم لوقف مشروع وزارة العدل. إذن احتجاج لقضاة بالبذلة يدخل في حكم حالة الضرورة بالنسبة إليك؟ أجل، كان القضاة مضطرين لذلك، لأنها معركة مصير بالنسبة إليهم، وأن تصديهم لمشروعي القانونين التنظيميين أمانة في عنقهم، لأن إقرار القانونين المذكورين لن يؤثر عليهم وحدهم وإنما سيطول أجيالا لاحقة من القضاة. ما هو الحل في نظرك لتجاوز الخلاف بين وزير العدل والقضاة؟كما سبق أن أوضحت، فوزارة العدل تحاول بناء السلطة القضائية على سجيتها، في حين يحاول القضاة رؤية سلطة قضائية مستقلة وفق المعايير الدولية، تعيش في فضاء من الحرية وتنأى بنفسها عن التبعية لأي سلطة أخرى عدا جلالة الملك.والواقع إن إدارة المرحلة الانتقالية لولادة السلطة القضائية لم تتسم بالموضوعية، فوزارة العدل المخولة دستوريا بوضع القانون التنظيمي للسلطة القضائية عوض الجلوس مع القضاة على طاولة الحوار رفعت عصا غليظة في وجه نادي القضاة، فاستبعدته من تركيبة الهيأة العليا للحوار الوطني، وانتهت بمحاولة فرض مشروع القانونين التنظيميين المشار إليهما.بينما اكتفت الجمعيات المهنية للقضاة بتقديم الانتقادات، ولم تقدم مشروعا بديلا ينافس ما طرحته وزارة العدل، إذن يبقى الحوار هو الحل. في نظرك هل الزيادة في راتب القضاة التي أعلن عنها وزير العدل كافية؟ يقول المثل الدارجي "عماش ولا بلاش"وفي جمع الأحوال فإن وزير العدل وعد القضاة بالزيادة في راتبهم، وقد وفى بذلك وهو مشكور على ذلك، لكن القول إنها كافية أقول صراحة لا، لأن عمل القاضي يختلف عن عمل باقي أطر وموظفي الدولة ويعمل ليل نهار وفي أيام العطل، ومن شروط القاضي في الفقه الإسلامي أن يكون غنيا، فإن كان فقيرا أغناه الإمام، فراتب القاضي يحتاج إلى مراجعة جدرية وليس مجرد زيادة. المصطفى صفر