fbpx
ربورتاج

أولاد النمة … “رهينة” سوق السبت

المدينة اشتهرت بسوقها والجماعة تمول بنصف مداخيله ومعاناة من نقص البنيات التحتية

إذا كانت مصر هبة النيل، كما يقول المؤرخ الإغريقي هيرودوت، فإن مدينة أولاد النمة تعيش على فائض خيرات سوق السبت الكبير، الذي نشأ أول مرة لحاجة السكان إليه، وارتبط
وجوده بتاريخ تجمع سكاني تحول، بعد حصول الاستقلال، إلى مدينة صغيرة لا تتوفر إلا على بعض المرافق والمصالح المعدودة، أنشئت لخدمة مصالح مرتفقين كانوا يشدون الرحال إلى بني ملال، التي تبعد عن سوق السبت بحوالي 36 كيلومترا، في غياب مرافق إدارية، لم تنشأ إلا بعد أن تزايد عدد سكانه، قبل أن يبلغ أكثر من 60 ألف نسمة.

سعيد فالق (بني ملال)

ترتبط مدن جهة بني ملال خنيفرة بشهرة الأسواق التي تقام في رحابها. بني ملال تعرف تاريخيا بسوق كبير كان ينعقد ثلاثاء كل أسبوع، والفقيه بن صالح يوم الأربعاء، ومدينة أولاد عياد يوم الخميس، وأولاد يعيش يوم الجمعة، وسوق حد بوموسى يلتئم يوم الأحد، في حين أن سوق قصبة تادلة ينعقد يوم الاثنين، وسوق السبت باولاد النمة.
وتعرف أولاد النمة بسوق تجاري يمتد يوما بعد يوم بعد أن ذاع صيته بين تجار المغرب، الذين يشدون إليه الرحال من كل صوب وحدب، وحتى اللصوص كانوا يفدون إليه جماعات ويقسمون الأدوار بينهم ، وكانت في ما مضى تتم مساومات بينهم تفضي إلى بيع وشراء السوق، لفسح المجال أمام أفراد العصابة المحظوظين لممارسة نشاطهم بكل حرية ودون منافسة آخرين، لما يشهده من رواج اقتصادي مهم، سيما أن الفلاحين ومربي الماشية كانوا يعرضون ماشيتهم بأعداد كبيرة وبجودة عالية في رحبة تغري روادها، ما كان يسيل لعاب اللصوص الذين ينفذون عمليات نشل غالبا ما تستهدف ” الكسابة” أثناء بيعهم المواشي، ليتحول السوق إلى مطاردة هوليودية لإيقاف الفاعل سيء الحظ الذي ينفذ فيه شرع اليد أمام أعين الجميع، إذ غالبا ما تنتهي المطاردة بمأساة إنسانية.
وتبقى نقطة الضوء التي يمني بها الفقراء أنفسهم بسوق السبت، استقرار أثمنة الخضر والفواكه المعروضة في السوق الأسبوعي ووفرتها، ما خلف ارتياحا كبيرا لدى مرتفقي السوق الذي يقتنوها بكميات تفي بحاجياتهم الأسبوعية، فضلا عن إقبالهم أيضا على شراء لحم الدواجن والديك الرومي بكميات كبيرة بأثمنة تناسب قدراتهم الشرائية التي لا تسمح لهم باقتناء اللحوم الحمراء المتراوحة بين 50 درهما و60 بكميات كبيرة.

الرهان على الفلاحة
القطاعات الحيوية بالمدينة، ترتبط بالمجال الفلاحي، لأن مدينة سوق السبت مدينة فلاحية بامتياز، تحف بها حقول واراض فلاحية وضيعات شاسعة، تمتد من الفقيه بن صالح إلى أولاد عياد، ومنها إلى مدينة سوق السبت، ما كان يوفر فرص شغل طيلة السنة سيما في المواسم الممطرة، التي تهب سكانها منتوجا فلاحيا متنوعا يتوزع بين الحبوب والخضر والفواكه وزيت الزيتون، ما جعل المدينة تتوفر على سوق كبير ينضح بحركة تجارية واقتصادية لا مثيل لها.
وكان معمل السكر لتادلة بسوق السبت، يشكل أهم ركيزة اقتصادية للفلاحين الذين يزرعون الشمندر السكري ويوفر فرص الشغل عديدة لشباب المدينة، لكنه أغلق أبوابه في السنوات الأخيرة، وتحولت آلياته إلى خردة يأكلها الصدى ما انعكس سلبا على اقتصاد المدينة التي فقدت بوابة تجارية واقتصادية، لترتفع بعدها نسبة البطالة بشكل مخيف، وتضاءلت فرص الشغل، أثار استياء كبيرا لدى شباب المدينة الذين يصرون على إيجاد فرص الشغل، بعد انسداد كل الآفاق، و فضل بعضهم الهجرة على متن قوارب الموت غالبا ما تنتهي رحلتها بمأساة إنسانية.
ويبقى معمل تلفيف البرتقال بسوق السبت فرصة الحياة التي تفتح ممرات الأمل لشباب المنطقة المكتوين بنار البطالة، رغم أن الأجور اليومية المقترحة لا تلبي حاجياتهم، لكن يضطرون للعمل، في غياب فرص عمل أخرى تحررهم من كابوس الموت البطيء.

آثار الجفاف
ينخدع زوار سوق السبت بالمراعي الخضراء الممتدة، رغم الجفاف البين حاليا. إن نضارة الحقول توحي بموسم فلاحي جيد، لكنها لا تشكل إلا الجزء العلوي لجبل الثلج الذي يخفي أزمة خانقة بعد احتباس المطر أكثر من ثمانية أشهر…
يكشف أحمد (فلاح)، ببوحه عن الغم الذي يعانيه فلاحو المنطقة الذين يعانون في صمت جراء ارتفاع أثمنة العلف وقلة مياه السقي، مؤكدا أن الحقول والمراعي الخضراء تعود غالبا لفلاحين محظوظين يعتمدون في سقي أراضيهم على مياه الآبار الجوفية التي تتم صيانتها وحفرها من جديد، بعد أن أصبح الماء عملة نادرة لسقي المزروعات والضيعات الفلاحية التي تنتج غلات الزيتون والليمون، ناهيك عن غلات أخرى تصدر إلى الخارج، في حين أن الفلاحين الصغار يكابدون، بعد أن احتبس المطر، وأصبحوا ينتظرون الدور لسقي أراضيهم العطشى باعتماد مياه سد بين الويدان، الذي لم تعد في حقينته إلا نسبة 14 في الماء منها 7 في المائة من الأوحال، وبالتالي تقلصت ساعات السقي ما أثر على المحاصيل الزراعية التي جفت لقلة المياه.
وأضاف أحمد أن انعدام الكلأ والعشب والارتفاع الصاروخي للعلف، أرغما الفلاحين الصغار على بيع قطيع المواشي والأغنام خوفا من تداعيات الجفاف.
وتحدث بن علي “كساب ” عن قلة التساقطات المطرية التي غيرت موازين العلاقات في منطقة سقوية تعتمد بالأساس على مياه السقي لتوفير الكلإ والعشب، عن معاناة الفلاحين بعد ارتفاع أثمنة العلف ، مثلا النخالة انتقلت من 90 درهم إلى 130 والقمح 320 درهما للقنطار إلى 500، والفاصا من 20 درهما إلى 60، فضلا عن مواد علفية من 400 درهم للقنطار إلى 600، ناهيك عن الشعير من 40 درهما إلى 65، ما أثر على عملية بيع المواشي والأغنام التي تراجعت أثمنتها، وأصبح الفلاحون والكسابة يبيعونها في الأسواق بأقل الأثمان تفاديا لإرجاعها إلى مساكنهم لأنها مكلفة.
وبزيارة عابرة إلى رحبة المواشي بسوق السبت، يتبين أن الفضاء الذي كان يعج بالحركة ويعرض أجود الأغنام وقطعان البقر، فقد رواجه إلا من رؤوس ماشية مازالت تقاوم في عناد، في انتظار أن تجود السماء بمطر يعيد الحياة إلى الفلاحين ليستأنفوا أنشطتهم.
وينتظر الكسابة بشغف كبير أن تشرع الدولة في دعمها الفلاحين باستهداف الصغار منهم الذين تضرروا من آفة الجفاف، لتفادي الهجرات الجماعية إلى المدن المجاورة لأنها السبيل الوحيد لضمان عيش كريم للجميع.

ضعف البنيات التحتية
تحيط بسوق السبت أولاد النمة أحياء سكنية مترامية الأطراف، لا يحمل بعضها من مواصفات الأحياء الحضرية، إلا الاسم ما يزيد من معاناة شبابها في ظل ضعف بنيات تحتية، توفر الكرامة للمواطن وتضمن له العيش الكريم، وتتبدى هذه المظاهر في الأزقة الضيقة، ومجاري المياه العادمة، وعشوائية البنيان، فضلا عن مظاهر البداوة التي تجسدها وفرة العربات المدفوعة والمجرورة.
لم تكن المجالس الجماعية التي تعاقبت على تسيير المدينة، موفقة في إحداث برامج تنموية حقيقية تعطي الانطلاقة الجيدة للمدينة، والتخلص من مظاهر البداوة رغم تصنيفها ضمن المجال الحضري، ليستمر تهميشها وحرمان سكانها من فضاءات ترفيهية للترويح عن النفس، وبناء ملاعب القرب ليظهر الصغار والشباب طاقاتهم الرياضية، على أمل تكوين لاعبين لتطعيم فريق المدينة الأول لكرة القدم أمل سوق السبت، ما جعل المدينة تتعثر في مسيرتها التنموية رغم بعض المحاولات التي اعتمدتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي رامت تعزيز المدينة بمرافق تنموية وأخرى ترفيهية.

وما يؤرق سكان المدينة أنها تساهم هي أيضا في تردي وضعيتها الاجتماعية وتشويه المدينة ببناء مساكن عشوائية في عز الليل بعد تحررها من المراقبة، بيوت تنعدم فيها شروط السكن اللائق في بعض الأحياء، وتفتقر إلى قنوات الصرف الصحي، وحتى إن وجدت فإنها أصبحت متلاشية لأن المياه العادمة تشكل بتسريباتها خطرا على مياه الشرب، ما يضاعف من متاعب المجلس البلدي الجديد الذي وجد أمامه مشاكل عدة، تحتاج إلى وقت طويل للتغلب عليها. كما أن أحياء أخرى، بالمدينة تعاني مشكلة النفايات التي تعرض قاطنيها لأمراض محتملة، في ظل انعدام مطرح بلدي بمواصفات بيئية وعصرية تعتمد تقنية التدوير لتستفيد من عائداته، خزينة الجماعة الحضرية التي تحتاج إلى مداخيل إضافية تؤهلها لتنمية المدينة، وتقوية بنياتها التحتية، وتحويلها إلى قطب اقتصادي جذاب.
وتتعالى أصوات جمعوية بالمدينة لتنمية أحياء الياسمين 01 وسيدي علي بن عدي 2 ودوار عبد العزيز والرواجح وحي خالوطة، لأنها عانت التهميش والإقصاء ما أفرز جيلا غاضبا، راكم الخيبات في ظل غياب فرص العمل التي تعيد له كرامته وإنسانيته، وبالتالي فإن الجهات المسؤولة مدعوة إلى التدخل لحل كل الإشكالات المرتبطة بالماء والكهرباء والتبليط والطرق وإيجاد فرص عمل تعيد الاعتبار إلى فئات شبابية غاضبة.
وأشار عبد الله، يبلغ من العمر 30 سنة، إلى أهمية الأمن في تعزيز جانب السلم والأمان بالمدينة التي تفد إليها، جماعات من الشباب من القرى المجاورة عبر دراجات نارية من مختلف الأحجام لتزجية الوقت وأحيانا يتعرض بعض الشباب لاعتداءات مجانية لا مبرر لها، لكن التدخلات الأمنية الصارمة تضع حدا للمشاغبين الذين يتحررون من وصاية العائلة في قراهم، ليمارسوا أفعالا لا تليق بسمعة المدينة.

ديون متراكمة على المجلس الجماعي
يقول بوبكر أوشن، رئيس المجلس البلدي لسوق السبت، الذي حملنا إليه أسئلة المواطنين، إن الوضعية المالية الصعبة التي تمر منها الجماعة بفعل الأحكام القضائية النهائية الصادرة، تحد من حماس الجماعة التي وضعت برامج لتنمية المدينة وخلق فرص شغل لشبابها.
كما أن الارتفاع المهول للمبالغ المحكوم بها في ملف نزع الملكية من جهة أخرى، الذي تم تحريكه لأجل تحويل مقر الأسبوعي الحالي إلى الجهة الشمالية للمدينة في اتجاه الفقيه بن صالح، أضر بمصلحة الجماعة التي تضاعف حجم مبالغ التعويضات بها بين 2015 و2017 .
وحمل مسؤولية ما يقع إلى تقاعس المسؤولين السابقين، وغياب الترافع الجاد، ما دفع بالمجلس الحالي إلى التصويت مرتين على مشروع ميزانية 2022 التي أصبحت في حالة عجز كلي.
وأضاف أوشن أن الوضعية الشائكة ترخي بظلالها على برامج المجلس الجماعي وتحول دون ممارسة اختصاصاته وصلاحياته الذاتية، فما بالك بالاختصاصات المشتركة. ورغم الوضع المقلق، يقول بوبكر أوشن، فلن يبقى أعضاؤه مكتوفي الأيدي، وسيواصلون الترافع وبذل الجهود من أجل تفعيل اقتراحات عامل الإقليم الذي يبحث عن الحلول لتذليل العقبات.
وثمن رئيس المجلس عقد اتفاقية الشراكة بين مجلسه، وبين رئيس جهة بني ملال خنيفرة لتأهيل الأحياء ناقصة التجهيز و كهربة الأحياء الهامشية، فضلا عن مساعدات رئيس المجلس الإقليمي الفقيه بن صالح وتعاطيه الإيجابي مع البرامج المسطرة ببرنامج عمل الجماعة، سيما اتفاقية التطهير السائل بأحياء المدينة، وكذا اتفاقية مشروع إحداث منطقة صناعية بسوق السبت أولاد النمة الذي سوف يكون قيمة مضافة نوعية على مستوى تشغيل الشباب. وأشار إلى أن السوق الأسبوعي، تشكل قطب الرحى في ميزانية الجماعة التي تتشكل مداخيلها السنوية منه بنسبة 42 في المائة، ما يحتم التفكير في توسيع الوعاء الجبائي وتنويع المداخيل والتصدي للباقي استخلاصه وتقليصه، مع الحرص على متابعة المدينين بكافة الوسائل القانونية والإجرائية المعمول بها بتنسيق تام مع السلطة المحلية والمصالح المالية التابعة للخزينة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى