fbpx
أخبار 24/24مقالات الرأي

صباري…رأي على هامش ملف الريسوني

مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد بميلانو في دجنبر 1985 أكد على أن الدولة تكفل استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية وان تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز على أساس الوقائع ووفقا للقانون ودون أي تقييدات أو تأثيرات غير سليمة أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة كانت أو غير مباشرة من أي جهة أو لأي سبب.

وان دستور المملكة المغربية خص استقلال القضاء بالفصول من 107 إلى 112، حيث نص الفصل 107 على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، كما نص الفصل 109 على انه يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء ولا يتلقي القاضي بشان مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط، ويجب على القاضي كلما اعتبر أن استقلاله مهدد أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية بل إن مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 109 تنص على معاقبة كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة.

ونص الفصل 110 من الدستور على أن قضاة الأحكام لا يلزمون إلا بتطبيق القانون ولا تصدر أحكام القضاة إلا على أساس التطبيق العادل للقانون.

كما أن القانون الجنائي المغربي نص في الفصل 266 على معاقبة من يقوم بأفعال أو أقوال أو كتابات علنية يقصد منها التأثير على قرارات رجال القضاء قبل صدور الحكم غير القابل للطعن في قضية ما، وكذا من يقوم بأفعال أو أقوال أو كتابات علنية يقصد منها تحقير المقررات القضائية ويكون من شأنها المساس بسلطة القضاء أو استقلاله.

لقد ورد بميثاق الأمم المتحدة أن تحقيق العدالة الجنائية من الأهداف التي يسعى إليها المجتمع الدولي وتتحقق هذه العدالة عن طريق احترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، كما جاءت مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بنصوص صريحة تدعوا إلى احترام الحقوق والحريات وتحريم التعذيب والعقوبات القاسية ومنع الحجز التعسفي وإقرار أحقية المتهم في النظر في قضيته أمام محكمة نزيهة مستقلة نظرا عادلا علنيا وعلى قرينة البراءة.

كما أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لنونبر 1985 بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة نص على ضرورة معاملة الضحايا برأفة واحترام لكرامتهم وعلى حقهم في الوصول إلى آليات العدالة والحصول على الإنصاف الفوري وتسهيل استجابة الإجراءات القضائية والإدارية حسب الاقتضاء لتمكين الضحايا من الحصول على الإنصاف من خلال الإجراءات الرسمية أو غير الرسمية العاملة والعادلة وتجنب التأخير الذي لا لزوم له في القضايا وتنفيذ الأوامر والأحكام التي تقضي تمنح تعويضات للضحايا .

إن المادة 7 من قانون المسطرة الجنائية تتيح الحق في إقامة الدعوى المدنية للتعويض عن الضرر الناتج عن جناية أو جنحة أو مخالفة لكل من تعرض شخصيا لضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة مباشرة.

كما أن لكل شخص ادعى أنه تضرر من جناية أو جنحة أن ينصب نفسه طرفا مدنيا عند تقديم شكايته أمام قاضي التحقيق المختص عملا بالمادة 92 من ق.م.ج، كما أن مقتضيات المادة 348 من ق.م.ج تتيح لكل شخص يدعي انه تضرر من جريمة أن يتقدم بصفته طرفا مدنيا أمام هيئة الحكم.

وانسجاما مع هذه المبادئ فقد اقر دستور المملكة بموجب الفصل 118 بان حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي

يحميها القانون.

ولكون العدالة البطيئة من أشد أنواع الظلم وانحراف العدالة عن مسارها، فان دستور المملكة نص في الفصل 120 على حق كل شخص في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، وان لفظة كل شخص الواردة بالفصل المذكور وردت بصيغة العموم اللغوي بلفظ سابق (کل) وبدون تخصيص وهي بذلك تخص كافة المتقاضين أي أطراف الدعاوى القضائية سواء كانت مدنية أو تجارية أو إدارية أو جنائية (وسواء كان الأمر يتعلق بمدعي أو مدعى عليه، بمتهم أو ضحية).

ومن هذا المنطلق فان المتتبع لقضية “سليمان الريسوني” يسجل العديد من الانحرافات والدوس على الحقوق :

  • إن موضوع الاعتقال الاحتياطي هو موضوع لازال يثير جدلا كبيرا التقاطعه مع قرينة البراءة وكون كل متهم بريء إلى تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، غير أن قانون المسطرة الجنائية لازال ينص على الاعتقال الاحتياطي وتبقى الجهات المخول لها الأمر به مقيدة بالشروط المنصوص عليها قانونا غير أن اكبر مغالطة قانونية هي القول باشتراط حالة التلبس لاتخاذ قرار الاعتقال الاحتياطي لان حالة التلبس يمكن أن تكون مبررا للاعتقال الاحتياطي لكنها ليست المبرر الوحيد.

إن العديد من التدوينات والتعاليق وللأسف أحيانا من أناس يتبجحون بدرايتهم بالقانون وقواعد المسطرة الجنائية تتحدث عن عدم شرعية الاعتقال الاحتياطي لانعدام حالة التلبس غير أن نصوص قانون المسطرة الجنائية لا تجعل من التلبس شرطا وحيدا للاعتقال الاحتياطي بل إن المادة 74 تنص على ما يلي :

  • “إذا تعلق الأمر بالتلبس بجنحة معاقب عليها بالحبس، أو إذا لم تتوفر في مرتكبها ضمانات كافية للحضور، فانه يمكن لوكيل الملك أو نائبه أن يصدر أمرا بإيداع المتهم في السجن…”.

والواضح من هذا النص أن التلبس لا علاقة له بالاعتقال أو السراح لان مقتضياته تتيح لوكيل الملك إذا لم تتوفر في مرتكبها ضمانات كافية للحضور أن يصدر أمرا بإيداع المتهم بالسجن رغم انعدام حالة التلبس.

  • إن تأجيل المحاكمات بدون مبرر مشروع يضر بالعدالة وحقوق المتقاضين خاصة الطرف الذي لا يد له في التأجيل رغم تنصيص الدستور على أحقية الشخص في حكم يصدر داخل اجل معقول.
  • إن أطراف المحاكمة هم المتهم سليمان الريسوني والنيابة العامة التي أقامت الدعوى العمومية والضحية الذي نصب نفسه طرفا مدنيا ويتعين على الفاعل الحقوقي أن يراعي حقوق كل هذه الأطراف وألا ينبري دفاع عن طرف بوسائل وأساليب تشكل جرائم في حق الطرف الأخر وتستبيح حقوقه .
  • إن الامتناع عن الحضور للمحاكمة واختلاق الذرائع لذلك يشكل من جهة خوفا من الحقيقة التي سيكون عنوانها الحكم القضائي.
  • إن الامتناع عن الحضور للجلسات والاستمرار في الإضراب عن الطعام يعتبر شكلا من أشكال الضغط والتأثير على القضاء واستقلاليته وهو أمر مرفوض في كافة القوانين بما فيها قوانين الدول التي يتغنى بها مناصرو المتهم سليمان الريسوني.
  • إن الإيمان بثقافة حقوق الإنسان هي رسالة وأمانة لا تعرف التمييز وبالتالي يتعين مراعاة حقوق الضحية وتجنب الإمعان في الإساءة إليه وتمكينه من حقه في التقاضي وصدور حكم داخل اجل معقول.

كما أن المبادئ نفسها تقتضي إقناع المتهم بالامتثال للقانون وحضور جلسات المحاكمة وإبداء كافة أوجه دفاعه والدفاع عن براءته اللهم إلا إذا كان المتهم غير مقتنع بها أو أن من يدفعه لذلك لديه حسابات أخرى للإساءة للدولة ورموزها ومؤسساتها وان سليمان الريسوني ليس إلا ورقة لتصريف حسابات ضد مؤسسات الدولة وخدمة أجندات منها الخارجي للأسف الشديد.

  • إن المتهم الذي اختار ممارسة حقه في الإضراب عن الطعام هو الذي يتحمل مسؤولية نتائجه خاصة وان الإضراب ليس احتجاجا على أوضاع داخل المؤسسة السجنية ولا احتجاجا على حرمانه من حقه في الدفاع أمام المحكمة التي تنظر الملف.
  • إن القانون المغربي وكذا القوانين المقارنة لا تنص على أن الإضراب عن الطعام يعتبر سببا من أسباب الإفراج عن المعتقلين احتياطيا.
  • من المفروض أن يدافع من يؤمن بثقافة حقوق الإنسان عن هذه المبادئ وان يجعل من استقلال السلطة القضائية خطا احمر يحظر الاقتراب منه وأحرى تجاوزه.

*الأستاذ محمد صباري محام بهيئة مراكش 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى