ملف الصباح

القضاة يتوفرون على مدونة قيم تحكم الممارسة

محمد الخضراوي منسق لجنة الشباب بالودادية الحسنية للقضاة قال إنه يتم الخلط بين التعليق المطلوب والانتقاد غير الموضوعي

يعتبر محمد الخضراوي، منسق لجنة الشباب بالودادية الحسنية للقضاة، أن التعليق على الأحكام القضائية وإن كان مسموح به إلا أنه لا يجب أن يتم الخلط عن جهل أو عن سوء نية وتعمد، بين التعليق المطلوب والانتقاد غير الموضوعي والتشكيك والتشهير غير المسؤول وغير المقبول في دولة الحق والمؤسسات،
وأضاف في حوار أجرته معه “الصباح” أن مسألة توجيه انتقادات إلى الأحكام القضائية وأحيانا التشكيك في كفاءة ونزاهة القضاة أخذت بعدا دوليا وأثيرت في العديد من المؤتمرات واللقاءات الدولية للقضاة وتجد صداها في العديد من التوصيات والدراسات. ما موقفكم من مسألة التعليق على الأحكام القضائية بصفة عامة؟
مبدئيا نحن متفقون حول أهمية التعليق على الأحكام القضائية خاصة منها الاجتهادات القارة المتواترة، عندما يتم ذلك من قبل المتخصصين والممارسين من ذوي التجربة والكفاءة ووفق منهج علمي وضوابط معرفية ورؤيا مقاصدية، حيث تكون هذه التعاليق قيمة مضافة وعملا فقهيا جادا  يطور العمل القضائي ويشكل الى جانبه مصدرا هاما للسلطة التشريعية قصد استلهام أفكار وحلول ناجعة للوقائع والحاجيات المجتمعية المتجددة.
وهذه الأهمية أصبحت في نظري الآن من الالتزامات الواجبة على كل من توافرت فيه الشروط و المؤهلات للمساهمة بكل مسؤولية ووطنية في تكريس مجتمع تسود فيه الثقافة القانونية والحقوقية و يعتمد المقاربات التشاركية ويبني مستقبله على النقد الموضوعي لكل الظواهر السلبية و اقتراح بدائل وحلول عملية لتجاوزها، هذا هو ما يجب أن يكون، لكن الواقع أفرز ممارسة مخالفة لمجموعة من الضوابط و القيم الاخلاقية والقانونية والمجتمعية.

كيف ترون واقع ممارسة هذه التعاليق والانتقادات التي توجه على الأحكام القضائية؟
للأسف يلاحظ اليوم وفي الكثير من المواقف أنه يتم الخلط عن جهل أو عن سوء نية وتعمد، بين التعليق المطلوب والانتقاد غير الموضوعي والتشكيك والتشهير غير المسؤول وغير المقبول في دولة الحق والمؤسسات، حيث أصبحنا بشكل شبه يومي تقريبا نقرأ ونسمع عبر وسائل الإعلام المختلفة آراء وانطباعات حول أحكام أو إجراءات قضائية أقل ما يقال عنها انها تشكل خرقا لنصوص قانونية وضوابط اخلاقية تمس في الصميم مبدأ هام وهو استقلال القضاء و استقلالية القضاة.  إننا كقضاة نؤكد دائما على أننا نشتغل في إطار مبدأ أساسي ألا وهو “المسؤولية و المحاسبة” وتحت سلطة قاعدة مبدئية هامة ألا وهي “علانية الجلسات” ونسعى إلى نشر أحكامنا وقراراتنا وإحصائياتنا بكل شفافية ووضوح، ونؤمن بأن عملنا يكتسي رداء البشرية يحتمل معها الخطأ والصواب، ولنا أجر المجتهد إن شاء الله، ولهذا نص المشرع على طرق الطعن وبين حالات التجريح والمخاصمة وأكد  على حق المتضرر في المطالبة بالتعويض عن الخطأ القضائي وفق مساطر محددة و الكل من أجل إيجاد توازن بين حقوق الافراد والمؤسسات.
أما أن نقوم تحت غطاء حرية الرأي والتعبير والصحافة – وهي أمور نتقاسم جميعا الإيمان بها والذود عنها-  لنعتدي على حقوق أخرى لا تقل أهمية عنها وهي الحفاظ على كل مظاهر الثقة في المؤسسة القضائية وعدم إهدار حصانتها و استقلالها عن كل المؤثرات، فذلك ستكون له انعكاسات جد سلبية على الجميع وهو ما لا يمكن أن نسكت عنه كودادية حسنية للقضاة.
يجب أن لا ننسى بأننا نتوفر على مدونة قيم قضائية رائدة تحكم ممارستنا وتوجه عملنا بمجموعة من المبادئ والأخلاقيات تلزمنا بالدفاع عن استقلاليتنا وحيادنا وتجردنا، وتفرض علينا التحفظ في الكثير من المواقف ومنها الجواب على التعاليق  أو الإدلاء بتصريحات  شخصية غير مهنية بخصوص قضايا و نوازل مازالت معروضة على القضاء أو صدر حكم بشأنها، ولكن هذا التحفظ لا يعني التزامنا الصمت عندما يتم المساس باستقلال القضاء، لأن الأمر حينئذ يعتبر مساسا بحق المواطن و ليس انتصار لفئوية او دفاع عن امتياز ما. لا بد أن يخضع الجميع لسيادة القانون وأن تحترم احكام القضاء باعتبارها عنوان الحقيقة، الحقيقة القانونية التي نسعى جميعا مشرعا وقاضيا ودفاعا ومتقاضيا لتكون متطابقة مع الحقيقة الواقعية.

هل الأمر يتعلق بظاهرة وطنية أم تكتسي بعدا دوليا؟
إن مسألة توجيه انتقادات إلى الأحكام القضائية وأحيانا التشكيك في كفاءة ونزاهة القضاة اخذت بعدا دوليا وأثيرت في العديد من المؤتمرات واللقاءات الدولية للقضاة و تجد صداها في العديد من التوصيات والدراسات. وهي تعتبر في نظري نتيجة لأزمة ثقة نابعة من أسباب ومصادر مختلفة و اكتفي بالاحالة هنا على الكلمة /البيان التي ألقاها  رئيس محكمة النقض الفرنسية CANIVET سنة 2002 امام رئيس الجمهورية وشخصيات مدنية وعسكرية واعلامية ومجتمعية اوضح فيها حجم الانتقادات التي تتعرض لها عن حق أو بدونه المؤسسة القضائية الفرنسية و تساءل بانكار عن إمكانية إيجاد قاض لا يخطئ في ظل التناقضات الكبيرة داخل المجتمع و التهويل الكاريكاتوري للمشهد بأكمله، حيث يطالب الجميع باسترجاع القضاء لهيبته مع ضعف كبير للإمكانات المتاحة، ومطالبته بقضاء مؤهل حاضر في كل المناسبات و تخوفه في الآن نفسه من حكومة القضاة، وبين رغبته في قاض حر قوي ورفضه لسلطة قضائية حقيقية …
كما أحيلكم على مقالة الرئيس فرانسوا رولان القاضي بالمحكمة العليا لكيبيك تحت عنوان ” حرية الرأي واستقلال السلطة القضائية” و الامثلة كثيرة لكنها كلها تجعلنا مقتنعين بأن أزمة التعليق و انتقاد الاحكام القضائية هي ازمة مجتمعية وقيمية ودولية وأن مجتمع الديموقراطة و المواطنة و الحرية والمساواة، لا بد أن يقبل القضاة ان تحاكم فيه أحكامهم كما قال ذات يوم في القرن السابع عشر المستشار AGNESSEAU:
Vous jugez leurs différends mais ils jugent votre justice
لكن أيضا لا بد أن يقتنع الجميع أن أحد ركائز هذا المجتمع هو قضاء مستقل في إطار توازن و تعاون بين السلط وإعلام حر و مهني ومسؤول، و مجتمع مدني فاعل ومواطن شريك حقيقي في إنتاج العدالة، مجتمع يؤسس لثقافة احترام أحكام القضاء وفق ضوابط دستورية وقانونية وأخلاقية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق