ملف الصباح

قراءة قانونية في اجتهاد إدارية الرباط

لا بد للإشارة في البداية إلي كرونولوجيا الأحداث  المتعلقة بمحضر 20 يوليوز وذلك لتوضيح الرؤية. إذ أقدمت الحكومة المغربية بتاريخ 8/4/2011 على إصدار مرسوم يقضي بالتوظيف المباشر للأطر العليا المعطلة في اسلاك الوظيفة العمومية، هذا المرسوم الذي حددت مدة صلاحيته إلي نهاية 2011، وتم إدماج مجموعة من الأطر بناء علي ذلك، وبعدها أدخلت الحكومة تعديلا علي النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية بتاريخ 29 ماي 2011 الذي نص علي وجوب أن يكون التوظيف في المناصب العمومية وفق مسطرة المباراة، وهدا ما يجعل أمر ولوج الوظيفة العمومية مرتبطا أساسا بالمباراة المبنية على الكفاءة والاستحقاق، إلا فيما يتعلق بالدفاع الداخلي والخارجي والأمن، إلا أن المرسوم التطبيقي لهذا التعديل لم يتم اصداره ونشره إلا بتاريخ 27 دجنبر 2011 و الداخل حيز التنفيذ في فاتح يناير 2012
وبين صدور المرسوم الاستثنائي والمرسوم القاضي بإجبارية المباراة تم التوقيع علي محضر 20 يوليوز القاضي بإدماج باقي الأطر العليا المعطلة، بناء علي المرسوم الاستثنائي وذلك ابتداء من فاتح نونبر 2011 .
إلا أن تزامن هذا التاريخ مع الاستحقاقات الانتخابية وتغيير حكومة بأخرى دفع هذه الأخيرة إلى الطعن في دستورية المحضر وقانونيته وبالتالي القول بعدم وجود أي أساس لتوظيف الموقعين علي المحضر.
 وعليه وبعد التقدم أمام إدارية الرباط بطعن في القرار السلبي الصادر عن رئيس الحكومة والمطالبة بناء على ذلك بتسوية الوضعية الفردية للموقعين على المحضر،  ذهبت إدارية الرباط وفي سابقة قضائية أسست من خلالها لمبادئ مهمة وحكمت لصالح الأطر العليا المعطلة و اقرت بقانونية المحضر وبأحقيتهم في التوظيف المباشر بناءا على ذلك.
ومن بين أهم النقط القانونية التي أثارها الجدال حول المحضر ما يتعلق بمبدأ المساواة، الذي جاء التنصيص عليه في الفصل 19 من الدستور، والذي أجمع الفقه على تعريفه بكون أن الافراد أمام القانون سواء دون التمييز بينهم بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة أو المركز الاجتماعي، في احتساب الحقوق وممارستها والتحمل بالالتزامات وأدائها وهو ما ذهب إليه الاجتهاد القضائي بكون “كما أن نظام التوظيف المباشر نفسه لم يقم تمييزا بين المواطنين ولم يخل بقاعدة المساواة أو الاستحقاق، طالما أنه مفتوح لجميع حملة الشهادات العلمية المطلوبة المتماثلة مراكزهم القانونية الذي اختاروا الاستفادة منه، ولم يقص فئة على حساب أخرى” .
كما نجد بأن القضاء الأجنبي بدوره أعطى المفهوم نفسه لمبدأ المساواة حين ذهبت المحكمة العليا الأمريكية في إحدى قراراتها إلى التأكيد على أن إعطاء الأفراد فرصا متكافئة في المجتمع، لا يتطلب إزالة صور اللامساواة الفعلية أو المادية بين الأفراد و الجماعات . وفي الاتجاه نفسه ذهبت إليه المحكمة الدستورية العليا في مصر حين أقرت بأن مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق لا يعني المساواة بين جميع الأفراد، إذ يملك المشرع لمقتضيات الصالح العام وضع شروط مجردة تحدد المراكز القانونية التي يتساوى بها الأفراد أمام القانون، بحيث يكون لمن توافرت فيهم هذه الشروط دون سواهم أن يمارسوا الحقوق التي كفلها لهم المشرع، وينتفي مناط المساواة بينهم وبين من تختلف بالنسبة إليهم هذه الشروط .
ولا مجال هنا للإشارة إلى العديد من الاجتهادات القضائية التي سارت في الاتجاه نفسه. علاوة على ما سبق أثار مفهوم الاستحقاق و الكفاءة الذي جاء التنصيص عليه في الفصل 31 من الدستور، الذي ألزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية علي تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة من الحق في ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق .
هذا النص الذي تم الارتكان إلى تفعيله بمقتضى نظام المباراة وهو ما جاء التنصيص عليه في الفصل 22 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، إلا أن القاضي الإداري كان له تأويل آخر حين اعتبر في احدى حيثياته “وحيث إنه فضلا عن ذلك فحتى الفصل 22 من القانون الأساسي للوظيفة العمومية الذي يؤكد على أن التوظيف يكون بالمباراة، فإنه ترك إمكانيات أخرى خارجها كانت الحكومة حين التوقيع على المحضر على علم بمقتضياتها ،لذلك حافظت على الاستثناء الذي جاء به المرسوم السالف الذكر ولم تلغه كليا”.
هكذا يكون القاضي الإداري باعتباره حامي الحقوق والحريات وابتداع ما يلائم  المصلحة العامة مع المصالح الفردية،  مما لم يعد معه مجال لشك وقوفه الي جانب الطرف الضعيف والتصدي لانحراف السلطة والتأويل غير المنطقي لنصوص الدستور،  وهو ما يؤكد مكانه يوما بعد آخر ضمن باقي الأنظمة القضائية المتقدمة.

ذ ميمون خراط: باحث متخصص في القضاء الاداري وحقوق الانسان
مدير مجلة العلوم القانونية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق