ملف عـــــــدالة

التعليق على حكم قضائي… بين المؤيد والرافض

باحثون أجازوه وقضاة اعتبروا أنه يدخل في إطار التأثير على استقلال القضاءأسال الحكم الإداري الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط، بشأن محضر 20 يونيو الكثير من المداد والتعليقات المصاحبة له بين مؤيد لمضامينه ومعارض له ذهبت في العديد من الأحيان إلى توجيه الاتهامات المتبادلة. وبعيدا عن كل تقييم لمضامينه، يطرح سؤال جوهري حول مدى صحة وقانونية التعليق على حكم لم يحز قوة الشيء المقضي به، وهل تعتبر التعليقات سواء الإيجابية أو السلبية منها  مؤثرة على باقي مراحل التقاضي وعلى استقلال القضاء؟ الصباح حاولت خلال ملفها الأسبوعي طرح تلك الأسئلة على المختصين وحملت وجهات نظرهم المختلفة.

السلطة التنفيذية تقيم حكما قضائيا

الرميد يعتبر التوظيف المباشر فسادا وجمعيات تشيد به وباحثون بين مؤيد ومعارض

مباشرة بعد صدور الحكم الإداري لصاح العاطلين والذي ألزم رئاسة الحكومة في شخص ممثلها القانوني بتنفيذ مضامين الاتفاق الموقع عليه وربطه ذلك للنفاذ المعجل، خرج مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، بتصريح خلال ترؤسه حفل تخرج الناجحين في مباراة المحررين القضائيين المنظمة من قبلف الوزارة، أكد خلاله  أن التوظيف المباشر بالوظيفة العمومية، هو الفساد عينه، مضيفا أن الوزارة لن تعتمد سوى المباريات وسيلة للولوج إليها من قبل الباحثين عن الشغل، وذلك وفق الحاجيات، وأضاف أن المعيار الوحيد في التوظيف هو الكفاءة والاستحقاق، وأن على المرشحين أن يتنافسوا  على المناصب الشاغرة وفق هذا المعيار، بدل التنافس في النزول إلى الشارع للتظاهر من أجل التوظيف المباشر أو الاعتصام في المؤسسات العمومية حتى تتحقق مطالب غير معقولة.
 أما عبد الإله بنكيران رئيس للحكومة فلم يرغب في تنفيذ مقتضياته، في المرحلة الحالية وقال سيمتثل لكلمة العدالة في ما يتعلق بمحضر 20 يوليوز، وأنه كان واضحا عندما طلب من المعطلين أصحاب المحضر اللجوء إلى القضاء و أنه ما يزال على كلمته، وإذا صدر حكم قضائي بصفة نهائية بعد الاستئناف والنقض، فسوف ينفذ  قرار القضاء، لأن القضاء مستقل عن السلطة التنفيذية.
 بين تصريحات رئيس الحكومة ووزير العدل والحريات والجمعيات القانونية التي أشادت بمنطوقهن واعتبرت الأمر يدخل ضمن سابقة قضائية.
 خرج جعفر حسون، قاض سابق، بدراسة تناول فيها التحليل والدراسة للحكم واستند في شرعية التحليل أو المناقشة على الأمر يتعلق لحد الآن بحكم ابتدائي قابل للطعن بالاستئناف، ثم النقض ليصبح بالفعل حائزا لقوة الشيءالمقضب، وهو ما يجعل المبادرة بالتعليق على مقتضياته أمرا محفوفا بالمصاعب من جهة إمكانية تأثيرها على بقية مراحل التقاضي.
غير أن هذا لا ينفي، حسب جعفر أن الأمر يتعلق بحكم بات، باعتباره فاصلا وحاسما في موضوع وجوهر النزاع، وليس مجرد حكم عارض أو تمهيدي في مسألة عارضة. ومن ثم فلا ضير أن يواكب الفقه هذا النقاش القانوني والقضائي من منطلق علمي وفقهي بحث، ولا خشية على الممارسة القضائية من أي تأثير جانبي، بل “إن هذا النقاش والتحليل العلمي يكاد يكون ضروريا، بالنظر إلى السياق الذي صدر فيه الحكم والذي تطبعه على أي حال مؤشرات السياق نفسه ،بما يعتمل فيه من تجاذب سياسي واجتماعي، ومن نقاش إيديولوجي هبط أحيانا إلى حد الإسفاف، يتعين تحصين أحكام القضاء من تداعياته”.
وأضاف حسونر في تحليله لمسألة التعليق على حكم قضائي أن استقلال القضاء ـ كمظهر لمبدأ أعم وأشمل هو مبدأ فصل السلطات ـ إنما يرمي إلى تحصين القضاء سلطة،، من أن تتدخل في صلاحياته واختصاصاته أو في تدبير وإدارة شؤونه السلطات الأخرى، من موقع القدرة على التأثير والتحكم في المسار المهني للقضاة، بشكل يخل بعنصر الطمأنينة لديهم على أوضاعهم ومسارهم المهني، ويؤثر بالتالي على أحكامهم. وهو لذلك يهم العلاقة بين السلطات الدستورية للدولة، ولا شأن له بالعلاقة بين الفقه ممارسة علمية نظرية، وبين القضاء سلطة لإصدار الأحكام وحسم النزاعات.
هذا الرأي هناك من يخالفه إذ يرى عبد العزيز عبيدوش، باحث في الشأن القانوني والسياسي أن “الدراسات التي تطلعنا عليها بعض المنابر الإعلامية ، تحاول من خلالها  تكريس الرؤية الشخصية الضيقة  لرئيس الحكومة في سد جميع أبواب إحقاق هذا الحق، عندما حاول تحصين قراره من الإلغاء لأنه قرار سياسي ” سيادي” ، وتحصينه كذلك عن نظر القضاء الشامل عبر تفنيد صفة الموظف ومن ثم  تسوية الوضعية الفردية، وبالتالي تكريس أن ما اتجه إليه رئيس الحكومة هو موقف سياسي شخصي وجامد مغلف بحمولة دستورية غير سليمة من حيث بناء غلب عليه جمود النص القانوني، تأكد من خلال تصريح رئيس الحكومة بمدينة سلا حينما قال : ” أن حكم المحكمة الإدارية بالرباط مثير للانتباه و يجب عرضه على المتخصصين في الميدان القانوني”.
 واعتبر عبيدوش أن هذا التشكيك غير المبرر في الأحكام القضائية يشكل طعنة من الخلف من قبل مؤسسة دستورية مفروض فيها احترام مبدأ فصل السلط  وحسن سير العدالة و السهر على تحقيق الأمن القضائي، بالإضافة إلى أنه من الناحية الأخلاقية وسيرا على درب ضمان استقلال فعلي للقضاء، أن يتم النأي  عن مثل هذه التصريحات والدراسات  المدلى بها في هذا الشأن، لأنها أخطأت الوجهة وأساءت للمسار الذي يتخذه الحوار حول إصلاح منظومة العدالة،  بل أساءت إلى القضاة  واستفزت رجال القانو ، خصوصا وأن هذه الدراسات قدمت نفسها،  كما لو أنها تلقي محاضرة و دروسا في مادة القضاء الإداري والمنازعات الإدارية.

التعليق على الأحكام غير النهائية غير صحي

عبد اللطيف الشنتوف الكاتب العام لنادي القضاة قال إن على الوزير الابتعاد عن نظرية السياق

يعتبر عبد اللطيف الشنتوف، الكاتب العام لنادي قضاة المغرب، أن تعليقات رئيس الحكومة ووزير العدل والحريات على الحكم الإداري بشأن قضية 20 يونيو، إن كانت لم تعلق بشكل مباشر على الحكم فإنها فعلت ذلك بطريق التعريض ما دامت أنها صادرة عن أشخاص يملكون سلطة القرار التنفيذي، وأضاف  في حوار أجرت معه “الصباح” أن الوضع يتطلب عدم التعليق خاصة من قبل أصحاب القرار حتى يصبح نهائيا، وأن الطريق  الوحيدة لمواجهة أي حكم قضائي هي طرق الطعن التي حددها القانون نفسه أما عدا ذلك فإنه، سيطلق العنان للفوضى التي ليست في صالح أي أحد.

ما موقفكم  من النقاش الذي أثاره أخيرا حكم المحكمة الإدارية بالرباط بشأن قضية محضر 20 يوليوز؟
أولا نحن في نادي قضاة المغرب ننآى بأنفسنا عن التعليق على أحكام القضاء والتأثير عليه بجميع الأشكال، خاصة عندما تكون القضية ما زالت رائجة ولم يصدر فيها حكم نهائي، وهذه هي الفلسفة التي يدافع عنها النادي ويرتبط وجوده بها ونعتقد أنها هي الفلسفة نفسها التي جعلت الدستور المغربي ينص في فصله 111 على إنشاء جمعيات مهنية للقضاة، إذ  الهدف الأساسي من إنشاء، هذه الجمعيات بالأساس هو الدفاع عن استقلالية القرار القضائي دون تدخل من أي جهة كانت، ولهذا السبب ندعو باقي السلطات والجمعيات والأحزاب إلى احترام إرادة الشعب المغربي المعبر عنها في دستور 2011 ، لأن مصلحة الوطن تتحقق بعدم إدخال القضاء المغربي في المزايدات السياسية والتجاذبات الاجتماعية،  إذ أن القضاء ينبغي أن يتقيد بتطبيق  القانون وحده دون مراعاة أي  جوانب أخرى وحتى إن بدا لنا أن هذا القانون لا يحقق العدل، فإنه يجب على المؤسسة التشريعية أن تتدخل لحل المشكل وحينئذ لا يمكن للقضاء إلا أن يذعن لتطبيق القانون وهذا أفضل نموذج لتوازن السلطات ومراقبة بعضها البعض وليس المراقبة الرئاسية  المباشرة للسلطة  التنفيذية على جزء من السلطة القضائية كما يحاول البعض أن  يروج لها الآن.
والحكم في القضية المعروفة بمحضر 20 يوليوز نحن نتعامل معها كحكم واجب الاحترام وندعو إلى عدم التعليق عليه، خاصة من قبل أصحاب القرار حتى يصبح نهائيا، وكل طرف له طريق واحد لمواجهة أي حكم قضائي يتعلق الأمر بطرق الطعن التي حددها القانون نفسه، أما عدا ذلك فإننا لا نطلق العنان إلا للفوضى التي ليست في صالح أي أحد.

هل تدخل بعض تصريحات رئيس الحكومة ووزير العدل ضمن خانة التأثير على القضاء في قضية محضر 20 يوليوز؟
بالرجوع إلى هذه التصريحات بعد صدور الحكم المشار إليه أعلاه، نجد أن رئيس الحكومة علق على الحكم في تجمع له بمدينة سلا  كما ذكرت ذلك بعض وسائل الإعلام الالكترونية بالقول أن هذا الحكم مثير للانتباه ويجب عرضه على رجال القانون، كما أن وزير العدل والحريات ذكر في إحدى المناسبات بعد صدور الحكم بأن التوظيف المباشر هو الفساد عينه، وهذه التصريحات وإن كانت لم تعلق بشكل مباشر على الحكم القضائي الصادر في قضية محضر 20 يوليوز، فإنها فعلت ذلك بطريق التعريض ما دامت أنها صادرة عن أشخاص يملكون سلطة القرار التنفيذي، بل إن وزير العدل الذي هو جزء من السلطة التنفيذية ما زال حتى الآن ينوب عن جلالة الملك في رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وما زال بيده بمعية أعضاء المجلس ملفات الوضيعة الفردية لجميع قضاة المملكة بمن فيهم القضاة الذين سيبتون في النازلة في المرحلة الاستئنافية، لهذه الأسباب وبشكل مؤسساتي وليس فردانيا، نتمنى أن يتحفظ كل من يتحمل المسؤولية في الدولة أو حزب أو منظمة للمجتمع المدني  قبل غيره في التعليق على أحكام القضاء والقضايا التي ما زالت رائجة أمام المحاكم ولو تعريضا أو إشارة، لأن نظرية السياق التي يعرفها وزير العدل أكثر مني باعتباره خريج مؤسسة عليا للدراسات الإسلامية  لها دورها وأثرها في تفسير الخطاب .
كما ندعو أيضا باقي الفرقاء السياسيين إلى الالتزام بالمبدأ نفسه لأنه بعد صدور الحكم أعلاه لاحظنا داخل قبة البرلمان وخارجها من يصفق ويحيي ومن يصف  هذا الحكم  بالشجاع…..فكل هذه الأمور ليست صحية وغير مفيدة للعدالة المغربية التي نريد أن تكون متميزة ومختلفة تماما عما يقع الآن للآسف في بعض الدول العربية، كما يجب على الجميع أن لا ينسى ويستحضر بعمق الضمانة الملكية للاستقلال القضاء المنصوص عليها في دستور 2011.

كيف ستتعاملون مع هذه التصريحات في نادي القضاة كجمعية تدافع عن استقلال القضاء ؟
نحن في نادي قضاة المغرب لا نصدر أي موقف إلا بعد اجتماع أجهزته المنتخبة ودراسة الموقف من جميع جوانبه، ولذلك تلاحظون في كثير من مواقفنا أنها تصدر بعد مرور مدة كبيرة على وقوع الفعل ما لم يكن الأمر مستعجلا، لأنه ليس من الهين أن تصدر بيانا إلى الرأي العام، ثم إنه في بعض الحالات التي  نرى ضرورة صدورها في بلاغ للرأي العام ومنها ما يتكلف رئيس النادي أو بعض أعضاء أجهزة النادي للرد عليها إعلاميا وقد نكتفي بتضمينها في تقريرنا السنوي الذي سوف يصدر قريبا.

لا يوجد نص يمنع التعليق على الأحكام

فتوخ: التعليق على الأحكام القضائية من طرف الفقه المتخصص يعتبر مهمة علمية نبيلة

يرى حسن فتوخ أستاذ بالمعهد العالي للقضاء، أنه ليس هناك أي نص تشريعي يسعف في منع التعليق على حكم قضائي بصرف النظر عن الجهة التي صدر عنها (ابتدائية، استئنافية، محكمة النقض)، بدليل أن الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم المغربية والأجنبية تعتبر وثيقة رسمية بمجرد صدورها وتحوز حجية الشيء المقضي به المقررة له في التشريع من جهة، ويمكنها حتى قبل صيرورتها واجبة التنفيذ أن تكون حجة على الوقائع التي تثبتها عملا بمقتضيات الفصل 418 من قانون الالتزامات والعقود من جهة أخرى. ومن تم فإن التعليق على حكم قضائي لا يتعارض إطلاقا مع مبدأ استقلال السلطة القضائية المنصوص عليه دستوريا، لأن وجهة نظر الباحث كفقه في الحقل القانوني، تختلف تماما عن اختصاص الجهة القضائية التي تنظر في الطعن في الأحكام، على اعتبار أن القضاء والفقه يعتبران معا أحد مصادر القاعدة القانونية في التشريع المغربي، وبالتالي فليس هناك ما يمنع الفقه من تتبع المسار القضائي، مادة دسمة تحتوي على اجتهادات قضائية، تكون موضوع الدرس والتحليل من طرف الباحثين وفق منهجية علمية محددة لمعرفة الأسس القانونية المعتمدة من طرف المحكمة المصدرة للحكم. وفي المقابل فإن السلطة القضائية بدورها  تعتمد في إصدار أحكامها على المواقف والنظريات الفقهية ذات الصلة بتفسير النصوص الغامضة وتأويلها.
 ويعتبر أستاذ المعهد العالي للقضاء أنه يمكن القول بأن مجال التعليق على الأحكام هو صنعة الفقه المتخصص في الشأن القانوني الذي يحترم المنهجية المعتمدة في هذا المجال، بدءا بموجز وقائع القضية ومرورا بطرح الإشكال القانوني الذي يتضمنه الحكم موضوع التعليق، وانتهاء بجواب عن السؤال الجوهري عبر محورين، أولهما يتضمن التأصيل القانوني للإشكال الأساسي في النازلة، وثانيهما يخص الحديث عن مدى انطباق ذلك التأصيل على وقائع القضية.
غير أن صنعة القضاء عموما، حسب فتوخ تكمن في استيعاب تقنية تحرير الحكم القضائي من حيث الديباجة والوقائع والتعليل والمنطوق، والحرص على الانسجام بين التكييف والتعليل والمنطوق الذي انتهت إليه المحكمة المصدرة للحكم القضائي، وأن التعليق على الحكم القضائي يعتمد على نسق علمي وأكاديمي له صلة بالمجالين القانوني والقضائي، وأن مهمة الفقه أثناء التعليق والمتمثلة في استقراء النصوص المعتمدة من طرف المحكمة تصطدم لا محالة بالنتيجة التي انتهى إليها الحكم موضوع التعليق، إذ أن مناقشة مدى صواب التعليل المعتمد لتبرير منطوق الحكم من عدمه لا يدخل ضمن اختصاص الفقه، وإنما يعتبر من صميم الاختصاص الأصيل للجهات القضائية المؤهلة لذلك، عند نظرها بمناسبة الطعون العادية وغير العادية المرفوعة إليها أو المقدمة إليها.
وتأسيسا على ما ذكر، فإن التعليق على الأحكام القضائية من طرف الفقه المتخصص يعتبر مهمة علمية نبيلة تخضع للقواعد والضوابط المحددة في منهجية البحث القانوني، التي تساعد على استيعاب وقائع القضية، واستنباط الإشكال المحوري من خلال التعليل المعتمد من طرف المحكمة لتبرير القناعة التي انتهت إليها شكلا أو موضوعا دون المساس بحجية الحكم القضائي موضوع التعليق التي أضفاها عليه المشرع بمجرد صدوره، ولا تزول تلك الحجية إلا إذا وقع إلغاؤه من طرف الجهة المختصة من خلال الطعن فيه وفق طرق الطعن المحددة قانونا.

إنجاز: كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق