ملف الصباح

ضريف : عمليات محدودة لا ترقى إلى اغتيالات

أكد أستاذ العلوم السياسية، محمد ضريف، أنه لا يمكن الحديث عن ظاهرة الاغتيال السياسي بالمغرب، بل “الأمر يتعلق بعمليات محدودة جدا كانت تتم عندما لم تكن الدولة تمتلك آليات ومؤسسات تدبير الحوار بين القوى المتعارضة”. وبعد أن قسم الاغتيالات السياسية في المغرب منذ الاستقلال، إلى صنفين “اغتيالات تورطت فيها الدولة أو اغتيالات محكومة بتصفية حسابات بين القوى السياسية” ، نفى إمكانية استمرار تصفيات جسدية بعدما أثبت القوى السياسية، حتى السلفية التي اختارت الدخول إلى اللعبة على قدرتها على الحوار وتحكيم الدولة في كل الخلافات المثارة. تفاصيل أكثر في الحوار التالي:

 ما هي أشهر الاغتيالات السياسية التي عرفها المغرب؟
 بشكل عام، الاغتيالات السياسية في المغرب محدودة، إذ لا يمكن الحديث عن ظاهرة وإنما بعض الاغتيالات التي طبعت تاريخ المغرب، خاصة بعد الاستقلال، وكان أشهرها، إذا تجاوزنا ما وقع في بداية الاستقلال، إذ كانت هناك اغتيالات سياسية طالت أشخاصا كانوا مختلفين مع حزب الاستقلال، أهم الاغتيالين السياسيين، تمثلا في اغتيال المهدي بنبركة في أكتوبر 1965 وعمر بنجلون في دجنبر 1975.
  ما هي الدوافع التي أدت إلى حدوثها؟
 عندما نتحدث عن الأسباب، ينبغي أولا أن نقوم بنوع من تصنيف هذه الاغتيالات، فهي ليست من طبيعة واحدة، وبالتالي كل صنف تحكمه أسباب خاصة. فعندما نتحدث عن تاريخ الاغتيالات في المغرب، على الأقل يمكن أن نشير إلى صنفين: صنف يتعلق بتورط الدولة في بعض الاغتيالات، وهنا نشير بشكل واضح إلى قضية اغتيال المهدي بنبركة، الذي يعلم الجميع أنه كان معارضا للنظام السياسي وكان يدعو إلى نهج خيار ثوري من أجل تغيير النظام القائم، وبالتالي كانت جهات مسؤولة داخل الدولة هي من خطط وتعاونت مع جهات أخرى كانت ضالعة في عملية التصفية الجسدية لبنبركة. وفي مثل هذا الصنف من الاغتيالات، تسعى الدولة إلى القضاء على منافسيها السياسيين، خاصة عندما تجد صعوبة في التواصل معهم أو إقناعهم بتغيير توجهاتهم.
الصنف الثاني من الاغتيالات التي شهدها المغرب يتعلق بتصفيات جسدية بين قوى سياسية متنافسة، وهنا نتذكر بأن الاعتيالات السياسية التي شهدها المغرب بعد الاستقلال، اتهم فيها حزب الاستقلال بشكل مباشر، وآنذاك، كان الكل يتحدث عن رغبة الحزب في إقامة نظام الحزب الوحيد، وبالتالي سعى إلى القضاء على خصومه السياسيين الذين كانوا يعملون آنذاك إما في إطار الحزب الشيوعي المغربي أو حزب الشورى والاستقلال. وفي إطار هذا الصنف، يمكن إثارة قضية اغتيال عمر بنجلون، إذ اتهمت حركة الشبيبة الإسلامية بالوقوف وراء اغتياله، وآنذاك ووفقا للسياقات السائدة، إذ كان هناك تنام لحركة اليسار الراديكالي وفي الوقت نفسه كان بروز للتيارات الإسلامية، الأخيرة ممثلة في الشبيبة الإسلامية أرادت أن تنتقل إلى الفعل من خلال التصفية الجسدية لمن كانوا يعتبرونهم ملحدين أو متحاملين على المشروع الإسلامي.   
هل يمكن القول إن الاغتيالات  كانت مرتبطة بأشخاص أكثر من أنها مرتبطة بأحداث أو يتداخل فيها البعدان؟
 لا يمكن القول إن الاغتيال السياسي يستهدف شخصا بعينه، فالمعلن في كل عملية اغتيال سياسي هو الشخص المستهدف الذي تتم تصفيته، لكن المضمر هو تصفية الحركة التي يرتبط بها ذلك الشخص.
ونعلم مثلا، أن في الصنف الأول من الاغتيالات التي أشرت إليها، كان المعلن في عملية الاغتيال هو تصفية بنبركة، لكن المضمر كان تصفية الحركة الاتحادية التي كانت آنذاك صعدت من لهجتها ضد النظام الحاكم، وتعرضت العشرات بل المئات من القيادات الاتحادية إلى الاعتقال والمحاكمة بتهمة تدبير مؤامرة لاغتيال الملك، والأمر ذاته ينطبق على الاغتيالات المرتبطة بتصفية حسابات بين قوى سياسية، إذ نعلم أن بعض الاغتيالات التي شهدها المغرب مباشرة بعد الاستقلال كانت تهدف إلى إضعاف الأحزاب الأخرى من خلال اغتيال بعض رموزها، والشيء ذاته حدث في قضية اغتيال عمر بنجلون، إذ لا يمكن القول إن التصفية استهدفت شخص بنجلون فقط، بل تستهدف تيارا كان يعتبر نفسه حداثيا ويرغب في مقاومة ما كان يسمى آنذاك “التيار الرجعي أو التيار المحافظ”.
وعليه، إن كانت التصفية تستهدف شخصا معينا، فلا يمكن اعتبارها عملية اغتيال سياسي، لأن ما يميز الاغتيال السياسي بمفهومه العام، هو أن الاغتيال السياسي يهدف إلى تصفية شخص ما، الهدف منه القضاء على الحركة السياسية التي يمثلها.

السياسيون بدؤوا يجنحون إلى الحوار

سبق أن أشرت إلى أنه لا يمكن الحديث عن الاغتيال السياسي في المغرب كظاهرة، لأن حالات الاغتيال السياسي محدودة جدا، وأعتقد أن الفاعلين السياسيين اكتسبوا من النضج ما جعلهم يؤمنون بفضائل الحوار، وأكثر من ذلك الدولة عندما لا تمتلك من المؤسسات والآليات ما تدبر به الاختلاف كانت أحيانا تلجأ إلى عمليات الاغتيال السياسي، فيما المغرب بشكل عام، عرف اليوم تطويرا لممارساته، وهناك نوع من الانفتاح للنظام السياسي على خصومه، وهناك نضج في خطاب ومواقف القوى السياسية التي أصبحت تعترف بالآخر وتقبل التحاور معه، إذ نلاحظ مثلا أنه في المغرب، ورغم ما يقال عن تنامي التيار السلفي، فالأخير ما فتئ يعبر عن قبوله بقواعد “اللعبة” والجلوس مع الآخر الذي يختلف معه. طبعا هناك في بعض الأحيان بعض الخطابات التي تعتبر متشددة أو يفهم منها على أنها دعوة إلى القتل، ليس بالضرورة لأسباب سياسية، وإنما ربما لأسباب قد تكون دينية، لكن أحيانا قد نبالغ في تحميل هذه الخطابات ما لا يمكن أن تحمله، فلحد الآن الكل مؤمن إلى حد ما بقواعد اللعبة السياسية، ولاحظنا مؤخرا أنه عندما تصدر بعض المواقف التي تستفز البعض، فالأطراف المختلفة كلها تدعو الدولة إلى التدخل، أي أنه ليس هناك رغبة في الاحتكام إلى الاغتيال السياسي في محاولة لإقصاء الخصوم بمبادرات بعيدة عن أعين السلطة.

في سطور
– أستاذ في العلوم السياسية
– مختص في الحركات الإسلامية

أجرت الحوار: هجر المغلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق