fbpx
خاص

فاس تسترجع جذورها الأندلسية

الأمريكية باتي سميت تلهب الجمهور في ختام الدورة

أسدل الستار ليلة أول أمس (السبت)، عن الدورة 19 لمهرجان فاس للموسيقى الروحية المنظمة منذ 7 يونيو الجاري، بحفل أحيته الفنانة الأمريكية باتي سميت، بعد أسبوع من النبش في جذور فاس الأندلسية من خلال ندوات منتدى فاس وحفلات الأماكن الثمانية المخصصة بقلب المدينة العتيقة وخارجها، في انتظار الدورة 20 التي تلتئم بين 13 و21 يونيو 2014 بتيمة جديدة لم يعلن عنها.

 

ألهبت الفنانة الأمريكية باتي سميث، حماس آلاف الشباب حضروا ليلة أول أمس (السبت) حفل ختام الدورة 19 لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، بفضاء باب المكينة. وأنسته في غضبته قبل يومين على تصرف الفنانة السورية أصالة نصري في نهاية حفلها الخميس الماضي، الذي غادرته دون وداع أو سابق إشعار، في موضوع تحول حديثا للعام والخاص في ختام الدورة.
تحية خاصة وجهتها هذه المطربة والكاتبة ابنة شيكاغو البالغة من العمر 46 سنة، في ختام حفلها، إلى مدينة فاس وجمهورها الذي خرج لتوه من جولة رقص حميمية في ليلة ساخنة، بعدما انسابت كلمة «شكرا» بين شفتيها هادئة بعربية أجهدت نطقها، مفضلة مخاطبة جمهور تجاوبت معه، بلغته الأم وبفرنسية ترجمت عبرها مشاعرها ولواعجها اتجاه جمهور شبابي بامتياز.   
وسارت باتي سميت على خطى لين فين مغنية الغوسبل الشهيرة في شيكاغو، ومجموعتها «فيفور»، التي ألهبت حماس جمهور الفضاء ذاته، ليلة الجمعة، في حفل راقص جمعها بمجموعة لايدي سميث ريد لايونس الجنوب إفريقية، وباترسكوتش المغنية الكاليفورنية الشابة البارعة في أداء البيتبوكس، في مشروع فني متميز بقيادة بيل البوذا ديكنز العازف على قيثارة الباص.
ولعل القاسم المشترك بين هذين الحفلين، استطاعة منشطيهما إشراك الجمهور في خلق جو احتفالي جميل وخاص على إيقاع تموجات بشرية أثثت صورة احتفالية رائعة أنست الجميع في تلك «النهاية المأساوية» لحفل أصالة، إذ كانت سهرة الجمعة، «لحظة استثنائية من أقوى لحظات المهرجان»، وأقحمت المسؤولين على اختلافهم، في لحظة انتشاء ورقص تساوى الجميع فيها.
تلك الفنانة المرحة غادرت منصة ذاك الفضاء التاريخي الساحر، لتراقص جمهور «الهاي كلاس» وتصافحه في لحظة ذوبان وانصهار انتهت بمشهد اكتملت به صورة التجاوب، بحملها من قبل حارس أمن خاص ساعدها على العودة إلى الخشبة التي لازمتها الفنانة باتي سميث، لكنها أعطت منها إشارات استحقت أن تكون «مسك ختام» مهرجان زاخرا بفقراته ودام أسبوعا كاملا.
وعكست باتي أو «الفنانة المتفردة شعرا ولحنا وأداءا” كما وصفتها مقدمة الحفل، أهليتها لختم الدورة بتجاذباتها الروحية والروحانية التي هزت أركان الفضاء، خاصة وهي تراقص زميليها ليني كاي وجاك بيتروزيلي عازفا الغيتارة أو تعزف على الآلة ذاتها ببراعة كما إجادتها العزف على الكلارينت، على إيقاع صيحات شباب أبدع حتى في تبادل القبل أمام أنظار الجميع.
شباب رقص واحتفل بطريقته الخاصة أمام أعين مغربية مسنة لم تمكث طويلا بين كراسي الجناح “ب” بجانب طفلات وشابات بدين شبه عاريات يتباهين بإبراز المفاتن وتدخين السجائر الشقراء، قبل أن تغادره منكسرة الجناح كما لو كانت أخطأت الاتجاه في اللحظة ذاتها لخروج أجنبية في نفس سنها، وهي تتمايل على إيقاع موسيقي صاخب يلين بين الفينة والأخرى.  
طيلة ساعة ونصف تحررت الفنانة باتي سميث الفائزة قبل سنتين بجائزة الموسيقى القطبية لتكريسها حياتها للفن بكل أشكاله، من الزمن ولم تتقيد به. وتألقت بصوتها النابض بالحياة مجسدة لوحات فنية رائعة لخصت مسيرة 3 عقود من العطاء الفني الزاخر. وأدت فيها بعض أغاني أشهر ألبوماتها من قبيل «حلم الحياة» و»الخيول» و»بانجا» دون كلل في سبيل إسعاد جمهور ذواق.
إيقاعات بوتيرة مختلفة وأغاني تأرجحت بين التمرد والعنف الكهربائي والحضري، والرغبة والعدالة، والتحرر والبحث عن الروحانيات والحب والتعايش الإنساني واليوتوبا، في صور جسدت ازدواجية ثقافة الروك واختصرت مسار فنانة أمريكية ومغنية وملحنة وشاعرة ورسامة ومصورة، ما زالت تواصل بحثها الإبداعي الملقح بتأثيرات الثقافة الأمريكية.     
وبدت متألقة على غرار الفنانين والشعراء الملحميين القدامى، وهي تتغنى بمآسي العالم فيضانات كانت أو زلازل أو حروبا مستحضرة أغان من ألبومات قديمة تؤرخ لبداياتها الأولى، خاصة تلك التي أنتجها لها جون كيل من قبيل «ياجو»، فيما كان تجاوب الجمهور أكبر مع أغنيتها «لأنه الليل» التي ألفتها بمعية بروس سبرينغستين وعرفت نجاحا تجاريا كبيرا.
أغان متشبعة بأجواء جاك كرواك الوجودية التي سادت أمريكا في فترة التحول الاقتصادية وجيل الغضب الذي جسده الشاعر آلان غينزبرغ وأغاني الهوبو المناضل وودي غاتري، وأخرى استلهمتها من الجذور العميقة لأمريكا من حيث تتحدد الاختيارات الجمالية للثقافة الشعبية الغربية الجديدة، خاصة من الحقبة الرائعة التي كانت فيها نيويورك الصاخبة مهد هذه الثقافة.
وأثبتت باتي سميت وجودها ركنا أساسيا في ثقافة الروك التي عكست من خلالها شخصيتها شديدة الحساسية والمسكونة بالخيبة وتدمير الذات رغم أنها تحمل في طياتها جذور موسيقى الكانتري التقليدية من البلوز إلى الغوسبل، ووداعة الأغاني الحكائية التي تعبر عن السعي إلى الروحانيات والمثل العليا واليوتوبيا، إضافة إلى اهتمامها بالرسم والتصوير والشعر والكتابة.
ولباتي التي اقترنت بفريد سونيك عازف القيتارة وانقطعت عن الغناء في 1994 قبل العودة إليه بقوة بعد وفاة الزوج، مجموعة من الكتب بينها «مجرد أطفال» الذي تحكي فيه عن علاقتها بروبرت مابلثروب المصور الأمريكي الشهير الذي كان له تأثير كبير على حياتها الشخصية والعملية، إضافة إلى مسرحية «فم راعي البقر» وعملها ممثلة في فرقة شعراء سانت مارك بويتري.

إعداد: حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق