fbpx
خاص

فاس تسترجع جذورها الأندلسية

عائشة رضوان تغني بالأمازيغية لأول مرة وتهدي ملحمة “أمان” لمهرجان فاس

بين عائشة رضوان الأمازيغية وأصالة الغوستو الشعبي الجزائري، وسفر سميرة القادري الروحاني “من ألبوخاراس إلى عرفات”، هام جمهور المهرجان في رحلة مغاربية لمواقع بقلب فاس العتيقة، كما الطيور المحلقة فوق أسلاك دار عديل، في رحلة المغنية ستاندلي وزميلتها لانينا، قبل ساعتين من عرض لبناني لعبير نعمة، بنفحة مغربية، سبقت ابتهالات مروان حجي.

كان لفاس ولمهرجانها للموسيقى العالمية العريقة، شرف احتضان أول حفل فني تغني فيه الفنانة عائشة رضوان، باللغة الأمازيغية في بلدها الأم، حسب ما أعلنت عن ذلك وهي تستعد لإتحاف جمهور قليل أغلبه من الأجانب، حضر عصر أول أمس إلى متحف البطحاء، بنماذج متعددة من ريبرتوارها الفني المتنوع، استمتع بها وصفق لها بحرارة.
هذا الحفل الخامس من نوعه الذي يحتضنه هذا الفضاء الجذاب، أرخ للحظة تاريخية في مسار هذه الفنانة ذات الجذور الأمازيغية لم تتمالك فيها دموعها التي انهمرت دون استئذان في لحظة ذوبان فني بين أشعار محيي الدين بن عربي، التي غنتها وفرقتها التي تشكل “كشكولا” عربيا بامتياز بالنظر إلى جنسيات أعضائها اللبنانية والمصرية والتونسية والمغربية.
وأعدت إبداعا خاصا لهذا المهرجان الذي حيت منظميه وأهدت حفله إلى عائلتها وأقرب المقربين إليها، أسمته “أمان” أو الماء في لغة الأمازيغ، واستهلته بابتهالات جميلة استحضرت فيها أهمية هذه المادة في حياة الإنسان والشجر والأرض والحقول والمزارع، متوسلة إلى الله ألا تجف العيون كي تحافظ الأرض على خضرتها وحيويتها ويناعتها المبهرة.
هذه الفنانة المتحدرة من منطقة ثرية بشلالاتها خاصة أوزود، انطلقت من قسوة الجبال إلى خرير الجداول، لتتغنى بنعمة الماء كمصدر للحياة ورمز لها ويجب الحفاظ عليه، وصفاء أصولها، وهي التي ترى أن الماء يغمر بالفرحة وجوه الأطفال والنساء والرجال المحيطين بالبئر، كما أنه ملهم الشاعر للكلام الحق على ضفاف الشلالات التي اشتهر بها الأطلس المتوسط.
وقالت إن الماء رمز للحياة و”مهم في حياتنا”، و”جعلنا من الماء كل شيء حي” كما تفيد الآية القرآنية التي اقتبست منها فكرة إعداد هذا العمل الفني الذي خصت به مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، الذي قالت إنها طالما حلمت بالمشاركة فيه برفقة زميلها حبيب يامين أستاذ الإيقاع العربي والمصري صلاح الدين السيد عازف القانون والتونسي عبد المولى نبيل عازف الناي.  
“أمان حفل مهدى إلى روح جدي وجدتي اللذين شملاني بحبهما وعلماني بأسلوب حكيم إجلال الحياة.. إلى جدتي التي جعلتني أتذوق سر الشعر والغناء، وإلى جدي الذي ورثت عنه روح المرح وبهجة العيش والرضى بالمكتوب”.. كلمات انسابت هادئة ودافئة بين شفاه فنانة أمازيغية غالبتها الدموع في لحظة استحضار أصول تفتخر بها رغم نعم الحاضر.
في هذا الحفل المتميز، عادت عائشة رضوان رفقة اللبناني يامين حبيب أستاذ الإيقاع العربي، إلى جذورها الأمازيغية، وهي ابنة منطقة آيت عتاب بالأطلس المتوسط، التي رغم هجرتها إلى فرنسا، فإنها لم تنس أصلها واختارت فاس لرد الجميل إلى منطقة عشقتها حتى النخاع، وأهدتها أنبل وأرقى كلمات ابن عربي الذي مر من هناك وبصم تاريخا تذكره به.   
“الله، الله أمولانا”.. ابتهالات استهلت بها هذه الفرقة المخضرمة، عزفها على الوتر الحساس لأشعار ابن عربي بما فيها رائعته “ترجمان الأشواق” التي أدتها في الحفل، في مشهد رافقه دق ب”ريتم” متباين على الدفوف، من قبل الشاعر حمو خلا وقريبه موحى خلا والشيخ علي إيمهلي، واللبناني حبيب يامين، الذي كان أكثر تجاوبا معهم في الدق والحركات والإيماءات.
في تماه كبير، كان الشيوخ الثلاثة وزميلهم اللبناني يتمايلون على إيقاع الابتهالات، فيما لعبت عائشة رضوان التي ارتدت لباسا تقليديا مغربيا أزرق، ووضعت “شالا” أحمر على عنقها، دور المايسترو على غرار ما عليه الأمر عند فرق أحيدوس وأحواش، قبل أن تصدح ابنة أيت عتاب بأغان من قبيل “حبيبي يا عيني” و”سلام على سلمى” لابن عربي.
كلمات أغانيها انسابت هادئة على إيقاع الناي والقانون وتحت وقع الدفوف، وترديد الشيوخ الذين تحولوا إلى “كورال” مترجم إلى الأمازيغية.
وشكل الحفل فرصة لهذه الفنانة التي صارت بعد هجرتها إلى فرنسا، “من محبي المقام ومولعة بعصر النهضة العربي الذي سيشهد في بداية القرن العشرين، انبعاث الموسيقى العربية”، لاستحضار بعض روائع ريبرتوارها الفني الزاخر، الذي يمتح من رقصات أحواش وأحيدوس، الفنين اللذين احترفتهما النساء الأمازيغيات اللائي أبدعن في المجال.

سميرة القادري: أحاول إعادة الحياة فنيا لفترات تاريخية

تعهدت الفنانة سميرة القادري، بتكثيف اهتمامها بمختلف الثقافات والديانات في أعمالها المقبلة، لتكون أقرب وأكثر نفاذا للمتلقي، مؤكدة أنها ستشتغل على مواضيع تطرق لها شعراء قدامى من قبيل محمد ربضان شاعر القرن 17 إبان انهيار غرناطة، فيما يشبه التفاتة منها لإعادة الاعتبار لتاريخ الأندلس وأقطابه بمن فيهم محيي الدين ابن عربي صاحب “ترجمان الأشواق”.
وأكدت أنها تسعى دوما إلى التجديد وتقديم إبداعي في قوالب متجددة لا تنسى ربط موسيقاها بأصولها وجذورها الأولى، بالاعتماد الكلي على العود والرباب والقانون وآلات أخرى، إذ سعت عبر الموسيقى إلى إيصال رسائلها لرد الاعتبار للحضارة الإنسانية التي رأت النور بالأندلس للتفاعل والتواشج الحضاري العميق بين مكونات وأطياف المجتمع الأندلسي.     
وقالت سميرة القادري التي توجت “امرأة 2013” من قبل جمعية تطاون أسمير، إن هدفها هو البحث عن الجمال الموسيقى الموسوم بالتسامح والتسامي فوق بشاعة الواقع، مهما كانت المواضيع وجنسيات فرقتها، بعد أن جربت غناء روائع أوبرالية ردمت الهوة بين الغرب والشرق، وأعمال موسيقية غنائية مصاغة في قوالب الليد والكانتاتا لمؤلفين عرب.
واختارت هذه الفنانة الباحثة في علم غنائيات البحر المتوسط، ألوانا فنية غير الأندليسات. وغنت لمؤلفين موسيقيين عرب، وطرقت باب الموسيقى الأبرالية العربية لإيمانها القوي بأن “لا وطن للفن” و”الحدود تختفي بين الأعراق والأديان والثقافات” كما أفصحت عن ذلك في الندوة الصحفية التي سبقت حفلها الثاني من نوعه بالمهرجان الذي استدعيت له لأول مرة في 2009.    
غنت بلغات مختلفة في حفلها الذي نظمته ليلة أول أمس (الثلاثاء) بدار المقري بقلب المدينة العتيقة، في مزج هام بين الأمازيغية والعربية.
هذه الآمال جسدتها سميرة ابنة الصويرة المتخصصة في الغناء الأندلسي، لما أبحرت بالجمهور الذي افترش الأرض في فضاء الدار المقري، في رحلة شعرية وموسيقية جمعت فيها بين الدنيوي والمقدس.

إعداد: حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق