fbpx
ربورتاج

قطـع الأعنـاق ولا قطـع الطرامـواي

معاناة عمرها أكثر من شهر لمواطنين حرمهم فندق مهترئ من وسيلة نقل آمنة

يمكن أن تتوقع أي شيء بالبيضاء، عدا أن يكون مصيرك وأعصابك وبرنامجك اليومي معلقا بمآل بناية قديمة يعود تاريخ بنائها إلى بداية القرن الماضي، وفشلت مؤسسات الدولة في إيجاد حل لها. إنه الإحساس الغارق في الغبن الذي يستشعره آلاف المواطنين القاطنين أحياء مقاطعة الحي المحمدي وعين السبع، هذه الأيام، وهم يستيقظون كل صباح، بحثا عن وسيلة نقل آمنة تقلهم إلى وسط المدينة، بعد حرمانهم القسري من «الطرامواي»، منذ أكثر من شهر.

في زاوية شارع علي يعتة وشارع السعادة، يتربص صاحب دراجة ثلاثية العجلات (تريبورتور)، بزبنائه القادمين من أحياء الأصيل والسعد ودار لمان، وكلهم فقدوا البوصلة إلى وسيلة نقل آمنة تعودوا عليها منذ افتتاح الخط الأول للطرامواي في 2012، قبل أن يضاف إليه الخط الثاني القادم من البرنوصي قبل سنتين.

توقف قاس

منذ توقف حركة الطرامواي بعدد من المحطات التي تؤدي من وإلى وسط المدينة عبر الحي المحمدي، لجأ المواطنون إلى حلول مؤقتة، سرعان ما تحولت إلى ثقل عليهم، بعد مرور أكثر من شهر من تعليق الرحلات.
وتعطلت الحركة بمجموعة من المحطات، ويتعلق الأمر بمحطة السوق المركزي الموجودة قرب الفندق لينكولن ومحطة ساحة المقاومة ومحطة آل ياسر ومحطة القطار المسافرين ومحطة الباطوار، ومحطة باحماد، ومحطة الحزام الكبير، ومحطة علي يعتة، ومحطة الشهداء.
«كنا نعتقد أن الإغلاق لن يتجاوز أسبوعا في الأقصى، قبل أن تصدر الشركة المكلفة بالطرامواي بلاغا جديدا يتحدث عن استمرار تعليق الرحلات إلى وسط المدينة إلى حين توصلها بتقرير خبرة من السلطات العمومية تشير فيه إلى زوال الخطر»، يعلق صاحب «المحلبة» الذي تعود أن يستعمل هذه الوسيلة للتوجه إلى درب عمر من أجل جلب بضائع، أو حمل طلبيات.
وقال «الناس تركفصات في الطرونصبور، كاين للي كينوض في النبوري باش يشد طاكسي، وكاين ناس للي كيمشيو على رجيلهم، وكاين لاخرين مساكن للي كيديرو الأوطوسطوب لصحاب الماطر والطوموبيلات».

العودة إلى ״التريبورتور״

الوضع شاحب في هذا المكان، رغم الانفراج المؤقت في أحوال السماء وانقشاع الغيوم التي كانت محملة بفيضانات عاشتها أحياء المدينة، الأسبوع الأول من الشهر الجاري.
من بعيد، يتراءى درب مولاي الشريف غارقا في هدوء مشوب بالحذر، بعد عدة ليال قضاها سكانه نائمين بعيون مفتوحة، تحسبا لانهيار سقف، أو سقوط جدار آيل للردم في حي هجره المنتخبون بعد أن أخذوا نصيبهم من المقاعد والولايات الانتدابية والمناصب.
الزحام يشتد وطأة في هذا المكان على «التريبورتورات» التي رفعت من تسعيرتها، إذ لا يمكن أن تضع قدميك على حافة الدراجة، أو تجد مكانا وسط الأجساد المكتظة، حتى تسحب 6 دراهم من جيبك وتدسها في جراب جلدي تمنطق به السائق ذي العقد الثالث الذي يتطاير الغضب شرارات من عينه، ومستعد في أي لحظة لـ»المطايفة».
«آش غادي ندير أخويا، اللهم التريبورتور ولا نمشي معطلة الخدمة ويجري عليا الباطرون»، تقول سعيدة (تشتغل نادلة في مقهى في زقاق متفرع عن الساحة المقابلة لمحطة المسافرين)، ثم أضافت «شهر وأنا مجلوقة في الطاكسيات والتريبورتورات والطوبيسات والخطافة، عييت والله حتى عييت».
كانت سعيدة تتحدث إلينا، وهي تفترش قطعة كارطون وضعتها على جزء من «طريطوارة» ومتكئة على حائط قرب «سناك»، وقبل أن تكمل قفزت من مكانها مثل سهم، وشمرت على جلابتها، ونطت إلى سطح «تريبورتور» وصل للتو، ثم جلست فوق حافة من حديد، في انتظار الانطلاق.

مسؤولية من؟

يوسف الرخيص، المستشار الجماعي بمقاطعة الحي المحمدي، وصف الموضوع برمته بالعار الذي يلطخ جبين بعض مسؤولي المدينة والوكالة الحضرية، متسائلا، «كيف يمكن أن نقبل في مدينة مثل البيضاء أن يستمر تعليق وسيلة نقل حيوية مثل الطرامواي، لأكثر من شهر».
وأكد الرخيص، في تصريح لـ»الصباح»، «كنشوفو الناس كتعذب كل نهار في الطرونصبور، رغم الحلول التي وضعتها الشركة، لكن لا أحد يحرك ساكنا في هذه المدينة من أجل الإسراع برفع الحظر، علما أن ذلك يتزامن مع الظروف الجوية السيئة، ما يضاعف معاناة المواطنين».
وأوضح المستشار الجماعي عن حزب الاتحاد الدستوري، أن مسؤولية هذا لينكولن العتيق تتحملها الوكالة الحضرية، لكن أيضا الجماعة الحضرية باعتبارها سلطة ذات اختصاص في الحرص على توفير وسائل النقل العمومية وتنظيم حركة المرور والجولان».

وأضاف «كيف يعقل أن يتواصل التماطل شهرا كاملا في تسوية هذا الملف الذي لا يؤثر فقط على الحياة الطبيعية للسكان، بل أيضا على ميزانية الجماعة التي ستضطر لدفع أموال إضافية لتغطية العجز المترتب عن استعمال طرامواي غير مشغل في هذا المقطع الحيوي».
ومر أكثر من شهر على انهيار جزء كبير من فندق «لينكولن» الموجود قرب السوق المركزي بشارع محمد الخامس وسط البيضاء، حيث وقع الحادث الخميس 17 دجنبر الماضي. ورغم أنه لم يخلف أي ضحايا، أو إصابات في صفوف المواطنين المارة، فإنه أحدث أضرارا كبيرة للسكك الحديدية للطرامواي، وبالضبط بمحطة السوق المركزي.
وأصدرت شركة «كازا طرامواي»، بلاغا أوليا، تتحدث فيه عن الخسائر التي لحقت بشبكتها، جراء انهيار أجزاء من الحجارة فوق السكك الحديدية، قبل أن تعلن عن الإغلاق المؤقت لهذه المحطة ومحطات قبلها وبعدها إلى حين إيجاد حل لهذا المشكل، يؤمن بطريقة سليمة حياة المواطنين وسلامة العاملين، ويحافظ على التجهيزات والمعدات.

بوالرحيم: الأولوية لحياة المواطنين

قال محمد بوالرحيم، نائب العمدة المكلف بالنقل والتنقلات، «إن وضعية الفندق في طريقها إلى الحل، وهناك اجتماعات تقنية متواصلة مع الشركات المعنية لإيجاد صيغة في القريب العاجل». وأوضح نائب العمدة المنتمي إلى التجمع الوطني للأحرار، في تصريح لـ»الصباح»، أن العمل متواصل لفك العزلة عن هذا المقطع، وفي الوقت نفسه يجب أن نحرص على اتخاذ جميع الإجراءات السليمة حفاظا على حياة المواطنين، وهي النقطة الأهم في الموضوع «فأنا أفضل أن نتريث قليلا حتى نتأكد أن جميع التدابير أنجزت بالكامل، عوض ارتكاب أخطاء قد تكون عواقبها وخيمة في المستقبل».
وأوضح بوالرحيم أن الشركة الفرنسية لتطوير المجالات الترابية، المكلفة بتهيئة وتجديد واستغلال فندق لينكولن، بناء على اتفاقية موقعة مع الوكالة الحضرية في 2019، تعمل على إنجاز جميع الوثائق والتراخيص بهذا الخصوص، ومن ذلك إعداد مخطط للجولان بالمنطقة، وهو ما وقعت عليه الجماعة الحضرية، لتسهيل عمليات رفع الإغلاق في القريب العاجل عن هذا الجزء من مرور الخط الأول من الطرامواي.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى