fbpx
خاص

وثيقة الاستقلال … المعركة الدبلوماسية للفاسي

كواليس اجتماعات ورسائل مع جنرالات فرنسا الحرة لتحرير المملكة

جرت مياه كثيرة تحت الجسر، قبل تقديم وثيقة الاستقلال لقوات الاحتلال الفرنسي، من أجل تحرير المملكة الشريفة، إذ وقعت اجتماعات ومعركة دبلوماسية، درست فيها فرنسا المحتلة حسابات الربح والخسارة، قبل تسليم مفاتيح الحكم للمغاربة، إذ في الوقت الذي كان فيه علال الفاسي منفيا في الغابون، كان منهمكا في البحث عن حل دبلوماسي مع قوات الاحتلال من أجل الاستقلال، خاصة بعد وصول القوات الفرنسية إلى منفى علال الفاسي بالغابون، إذ حصلت كثير من اللقاءات بينه وبين الجنرالات.
وكانت فرنسا في الحرب العالمية الثانية، في حاجة إلى دعم المستعمرات، لكن هذا الدعم كان الفاسي يخشى منه، خاصة أن المعركة لم تحسم بعد، وكان يتخوف من الانعتاق من الاحتلال الفرنسي، والسقوط تحت احتلال الألمان والإيطاليين، لذلك رفض التعبير عن موقف صريح، واعتبر هجوم الألمان على فرنسا، قضية فرنسية بامتياز.
وفي هذا السياق الدولي الحرج، كانت لعلال الفاسي تحركات في المنفى، إذ تفصح بعض الوثائق والرسائل، التي يحتفظ بها الاستقلاليون بالمغرب إلى اليوم، عن بعض الأدوار الخارجية التي قام بها، علاوة عن العمل الذي كان يقوده الوطنيون داخليا.
ويورد عبد الواحد الفاسي، القيادي في الاستقلال، في مقال له حول تقديم وثيقة 11 يناير، بعض الأحداث التاريخية والوقائع التي كانت بمثابة مساهمة للزعيم الاستقلالي المنفي حينذاك، إذ يقول إنه بعد وصول جيوش الجنرال دوغول قائد الثورة في فرنسا، إلى مويلا في جنوب الغابون، بقيادة الكومندان روجي، كانت لدى علال الفاسي الفرصة في لقاء، التيار الجديد في الجيش الفرنسي، الذي كان يسوق أنه يحمل تصورا جديدا للسياسة الاستعمارية لفرنسا.
وفي هذا السياق طلب روجي من علال الفاسي، أن يكتب رسالة إلى الجنرال دوغول، من أجل ربط الاتصال بالقيادة الجديدة، وقال فيها “إن المغرب الأقصى المرغم على استمراره في نظام من العصور الوسطى، والذي يرغب في تطور شبيه بما وصلت إليه مصر والعراق، لا يمكنه أن يقبل تجديد الاحتلال من قبل ألمانيا أو إيطاليا، وهو يعتقد أن حكومة حقيقية لفرنسا الحقيقية، جديرة بأن ترضيه بتحقيق أمانيه القومية.
وأضاف الفاسي “لست أريد أيها الجنرال أن أحدد في هذه الرسالة مطالبنا، ولكني أريد أن أؤكد أنني شخصيا لا أرغب في جاه ولا مال، وإنما أرغب في مصالح وطني وحقوقه. ورئيس الحزب الوطني المبعد منذ خمسة أعوام، لا يريد إلا أن يعرف السياسة الجديدة التي ستدشنونها في ما يخص المغرب الأقصى. إنني لا أمثل شيئا من ذاتي، وإنما قيمتي في ما أتمتع به من ثقة الشعب، وفي ما أحمله لأمتي من نتائج عملكم الرسمي.
وكان المغرب على مقربة من نيل استقلاله، لولا ظروف دولية حالت دون ذلك، إذ يحكي الفاسي، أنه بعد وصول الرسالة إلى الجنرال دوغول، والذي وعد بدراستها، استمر الاجتماع بين الفاسي وروجي، وكانت تتمحور حول إعلان الاستقلال مع إرجاء النقط الأخرى إلى وقت المذاكرة الرسمية، بعد الاستقلال والتحرير.
ووجه روجي برقية لحكومة فرنسا الحرة تتضمن خلاصة الاجتماعات. وفي ما يلي نص البرقية، كما أوردها الفاسي ” تفاوضت مع الأستاذ علال الفاسي، وهو يقبل التعاون مع فرنسا الحرة على تحرير شمال إفريقيا، من ضغط المحور، بشرط الاعتراف الناجز باستقلال المغرب، والسيد علال صريح ويتكلم في استقامة ووضوح ويتمتع، زيادة على نفوذه في المغرب، بثقة كثير من زعماء العرب”.
ويحكي عبد الواحد الفاسي، كيف أنه مباشرة بعد ذلك تم استدعاء علال الفاسي إلى برازافيل. وبمجرد وصوله اجتمع مع الكاتب العام بالولاية العامة. وبصدد هذا الاجتماع يقول علال الفاسي:”وكان محور حديثي يدور كله على ضرورة إعلان الاستقلال، لإرجاع الثقة في فرنسا، وعلى أن ثورة الجنرال دوغول يجب أن تكون في الوقت نفسه ثورة للمغرب الأقصى لتحريره في ظل العرش العلوي من النظام الاستعماري الحاضر”. وبقي علال الفاسي في برازافيل سبعة أشهر كانت فيها كثير من الاتصالات إلى أن جاء المسيو لورانسيي بهذا الخبر، كما يحكي حفيد علال الفاسي “إن الجنرال دوجول غضب مثلكم، فقد كان يريد وضع حل للقضية المغربية باتفاق معكم، ولكن طلب الأنجليز والأمريكان إطلاق سراحكم، وإعلان استقلال المغرب أحدث في نفسه تخوفات، وبعث روح الرجل الذي لا يحب أن يعمل تحت الضغـــط”.
عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى