fbpx
خاص

أحرضـان … “أمغـار” العنيـد

عاصر أربعة ملوك وشارك في ثماني حكومات ومذكراته تثير الزوابع

بوفاة المحجوبي أحرضان، تكون صفحات من تاريخ المغرب الحديث قد طويت، دون أن يتمكن الباحثون والسياسيون من قراءتها، وهو “الزايغ” الذي كانت خرجاته الإعلامية تثير زوابع وردود أفعال قوية، على اعتبار أنه كان شاهدا على محطات من الصراع، خاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال، التي اتسمت بصدامات وتصفيات ودسائس سياسية. هنا بورتري يرسم أهم المحطات في حياة الرجل.

إعداد: برحو بوزياني

بعد حوالي مائة سنة، رحل الزعيم الأمازيغي، الذي أسس الحركة الشعبية، إلى جانب عبد الكريم الخطيب، ليصبح أمينا عاما لها في المؤتمر الثاني من 1962، وهو المنصب الذي مكنه من المشاركة في ثمان حكومات، قبل أن تتم إقالته من قيادة الحركة في 1986، ليخلفه على رأسها، ومنذ تلك الفترة إلى اليوم، امحند العنصر، تلميذه الوفي الذي تشرب دروس أستاذه “الزايغ”، منذ أن كان موظفا في قطاع البريد، وهو القادم من إيموزار مرموشة بإقليم بولمان.
عاصر أحرضان أربعة ملوك، وتحمل حقائب وزارية في ثماني حكومات، من وزارة الدفاع إلى الفلاحة والبريد والمواصلات والتعاون، ووزير دولة بدون حقيبة، ما جعل، امحند العنصر، كبير الحركيين يقول في نعيه، “إن الراحل يعتبر إحدى القامات الوطنية الكبرى، والرئيس المؤسس للحركة الشعبية، وبوفاته، فقد الحزب شخصية سياسية فذة، وأحد الرواد السباقين إلى الدفاع عن الحرية والتعددية الفكرية والسياسية، مشيدا بمواقفه التي لم تحد أبدا عن الثوابت الراسخة للأمة المغربية، سواء في صفوف المقاومة وجيش التحرير في مرحلة الكفاح الوطني من أجل استقلال البلاد وعودة الملك الشرعي إلى عرشه حاملا مشعل الحرية والانعتاق، أو عبر مراحل بناء الدولة المستقلة الحديثة من خلال تقلد الراحل لعدد من المناصب السامية في هرم الدولة.

ظل الرجل القادم من قرية والماس الأمازيغية، على امتداد مساره السياسي، مثيرا للجدل، بسبب لغته الصلدة، غير العادية، والتي لا تساير بروتوكولات الجدل السياسي، الممزوجة باللكنة الأمازيغية، والعصية على المداهنة والمهادنة، وهي اللغة التي عرف بها وشب عليها، وامتزجت هويته السياسية، وشخصيته القيادية بها.. ونحث بها مواقفه الهجومية التي عرف بها لأزيد من نصف قرن.. والتي جرت عليه في العديد من المحطات غضب السلطات العليا وانتقادات قادة الأحزاب الوطنية، التي لم يكن في ود معها، خاصة أحزاب الحركة الوطنية وبالأخص حزب الاستقلال، ورموز المقاومة وجيش التحرير، الذين لم يستسيغوا أدواره داخلها وهو القادم من صفوف الجيش الفرنسي.

ظل الرجل خلال مساره السياسي مشاكسا في الدفاع عن البادية والأمازيغية في مواجهة النخب المدينية، خاصة الاتجاه الاستقلالي، الذي لم تكن علاقته برموزه على ما يرام، بل إنه تعرض للسجن خلال فترة تولي الحزب للحكم مباشرة بعد الاستقلال، بسبب هجومه على الاتجاه العروبي، ودفاعه المستميت عن الأمازيغية.
وفي بلاغ نعيه من قبل خلفه على قيادة الحركة الشعبية، أكد امحند العنصر، الأمين العام أن المغرب فقد إحدى القامات الوطنية الكبرى، والرئيس المؤسس للحركة، وشخصية سياسية فذة، وأحد الرواد السباقين إلى الدفاع عن الحرية والتعددية الفكرية والسياسية.

وتشهد مواقفه أنه كان في صدارة خندق التصدي لكل المحاولات الرامية إلى المساس بالاختيارات الوطنية الكبرى وبقيم الحرية والتعددية، رافضا نزعات الهيمنة وفرض الرأي الوحيد.
سخر الراحل حياته من أجل الدفاع عن اللغة والثقافة الأمازيغيتين، باعتبارهما مكونا رئيسيا للهوية المغربية، بما تحمله من قيم الانفتاح والتعايش والعيش المشترك، مجسدا ذلك الاقتناع العميق من خلال خطاباته السياسية وكتاباته وأشعاره ولوحاته التشكيلية، مدافعا عن العرش والمصالح العليا للوطن، كما جاء في برقية التعزية التي وجهها الملك إلى أفراد أسرته.
كما يشهد له المقربون منه “أنه كان يتحلى بخصال رفیعة، وغیرة وطنیة صادقة، تجسدت على مدى عقود في مساره السیاسي الحافل، إذ كان مثالا للوفاء والإخلاص في خدمة المصالح العلیا للوطن في تشبث متین بالعرش العلوي المجید”.

ورغم كل هذا الوفاء، فإن “الزايغ” كانت له خصومات وصلت تداعياتها إلى داخل البيت الحركي، حيث سيتم إبعاده من الحركة الشعبية من قبل العنصر، وقد أصر على الزعامة، ليؤسس في 1991 حزب الحركة الوطنية الشعبية، رفضا لمنطق الانقلاب الذي قاده العنصر ضده.
أمازيغي عنيد، لم يمنعه تقدمه في السن من مواصلة المعارك ضد عقوق “العفاريت الصغار”، كما كان يصف الجيل الجديد من الحركيين، ليقود عملية توحيد الأحزاب الحركية في 2006، وينتخب رئيسا لها، بعد توافق مع العنصر الذي احتفظ بمنصب الأمين العام.
ولأن الرجل جمع بين العمل العسكري والمقاومة والعمل السياسي والنشاط الثقافي والفني، على مدى عقود من تاريخ المغرب الحديث، فإن مذكراته التي اختار لها عنوان “الزايغ” لم تمر دون أن تحدث زوبعة، بسبب الحقائق المثيرة للجدل التي أثارها، خاصة ما يتعلق بملف اغتيال المقاوم عباس المساعدي، والتي جرت عليه هجومات من قيادات استقلالية ورجال المقاومة أمثال محمد بنسعيد آيت يدر، الذين اعتبروا خرجاته الإعلامية مجرد ادعاءات لا تسندها الحقائق والمعطيات.
ومع ذلك، تبقى مذكراته، كما قال الباحث حسن أوريد، في تقديمه لها، “إن كتاب أحرضان هو جزء من تاريخ المغرب في مرحلة حاسمة تزامنت مع مرحلة الحماية، وواكبت ما تمخض عنها من عزل السلطان محمد الخامس والمؤامرات التي حاكتها الإدارة الاستعمارية، ثم عودة الشرعية نتيجة كفاح الشعب المغربي ونضال الملك الراحل محمد الخامس”.

مذكـرات

قال أوريد إن كتاب مذكرات أحرضان سيسهم لا محالة في تقديم نظرة تقريبية للأشياء، وسينهي الكثير من الأساطير، معتبرا انه يمثل “شهادة مهمة في ما يخص إيكس ليبان والملابسات أو المناورات التي كانت تحاك آنذاك وملابسات اغتيال عباس المساعدي”.
إن مذكرات أحرضان، يقول الباحث أوريد، هي شهادات تعبر عن وجهة نظر شخصية للأحداث والوقائع، وتفرض على المؤرخ أن يأخذها بعين الاعتبار في المقارنات التي يفترض إجراؤها بين الشهادات المتوفرة، قبل استخلاص ما سيمكن أن يكون الأقرب إلى الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى