fbpx
افتتاحية

دخول استثنائي

سنظل نقول (إلى أن يضع كورونا أوزاره، ويرحل إلى حال سبيله)، إن تداعيات الوباء لا تمنحك الخيار بين قرارات جيدة، وأخرى أقل جودة، بل بين قرارات سيئة وأخرى أكثر سوءا، وعليك، في النهاية، أن تختار.
الحسم في الدخول المدرسي، في سياق الظروف الصحية الاستثنائية، واحد من هذه القرارات الصعبة التي تحملت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي مسؤوليتها بشجاعة كبيرة، رغم كل ما يمكن أن يقال عن بعض المشاكل الهامشية، التي قد تظهر في هذه الجهة، أو تلك، أو هذه المنطقة أو أخرى، وتبقى للجان المحلية والإقليمية سلطة دراستها والحسم فيها، حسب كل حالة على حدة.
قد يكون من الإجحاف الاعتقاد، أن الوزارة استيقظت في الصباح الباكر، وقررت عودة 7 ملايين تلميذ إلى فصول الدراسة والتعلم (عن بعد، أو بشكل حضوري)، في هذا الظرف الوبائي العصيب، الذي تمر منه البلاد، كما سيكون من الظلم أن نبخس مجهودات عشرات الفرق التربوية والمفتشين ومديري الأكاديميات الجهوية والمؤسسات التعليمية (في التعليمين العمومي والخصوصي) وآلاف الأطر بوزارتي الصحة والداخلية والجماعات المحلية، المجندين منذ ثلاثة أشهر للتداول في هذه المحطة الأساسية، والحسم فيها.
فقد كان من السهل جدا (ودون تعب، أو كسر للرؤوس والجماجم بالتفكير)، أن يحرر الوزير بلاغا مقتضبا من خمسة أسطر، يقرر فيه تأجيل الموسم الدراسي 2020-2021 إلى أجل غير مسمى، أو قرارا أسهل يعلن من خلاله سنة بيضاء و”مريضنا ماعندو باس”.
لكن الأصعب أن تفكر في المستقبل والبناء والاستمرارية، في هذه الظروف العصيبة، وتختار أن يلتقي ملايين التلاميذ مجددا في فضاءات التحصيل التربوي والعلمي لاستدراك ما فات في الموسم الماضي، وألاَّ تحرمهم من حقهم الدستوري والإنساني في الدراسة والتكوين والتعليم.
فخلال دفاعه المستميت عن قرار العودة إلى المدارس، كان الوزير يردد جملة ذات مغزى كبير، قليل منا انتبه إليها، وهي “إن سنة بيضاء أخطر على المغرب وعلى مستقبل المغرب من كورونا”.
وبقليل من التأني والقراءة الجيدة للجمل والمعاني، وما وراء السطور، يمكن أن نعتبر هذه الجملة وحدها مفتاحا للدخول المدرسي الاستثنائي، ومعناها أنه “يمكن أن نقضي، يوما، على الوباء وتداعياته، لكن حتما لن نجد وصفة لعلاج المستقبل، حين ستتسع دوائر الجهل في صفوف أجيال من التلاميذ، وتتفشى الأمية، وتقف عجلة التحصيل التربوي والعلمي في حدود معينة، بسبب الانقطاع طويل الأمد عن الدراسة.
من هذا المنطلق، يأتي إشراك الآباء والأمهات وأولياء التلاميذ في قرار الدخول المدرسي هذا الموسم، والحسم في الصيغة التي تناسبهم لتعليم أبنائهم، وهو إشراك لا يعني “توريط” الأسر في العملية (كما فهم البعض جهلا)، بل يفيد أن جميع المغاربة مسؤولون أمام هذا الامتحان الصعب، وعليهم جميعا أن يبذلوا قصارى جهودهم لإنجاح الرهان الكبير على المستقبل.
إشراك يعني أن التعليم مازال يمثل واحدا من أكبر استثمارات المغرب على الإطلاق.
استثمار في الإنسان والعلم والتعلم والتكوين والتربية.
استثمار في المستقبل.
أي خطأ صغير في الحسابات والتقديرات يعني الإفلاس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى