خاصمقالات الرأي

زهير: شرعية المحاكمات عن بعد

تباين المواقف حول ضرورة الحضور الجسدي وليس الافتراضي للمتهم

أصبح استعمال الوسائط الإلكترونية و الرقمية في إطار ما يسمى المحاكمة عن بعد، موضوع نقاش حاد، تختلف حوله الرؤى ، فالبعض يعتبره آلية حديثة للإدارة القضائية، في حين ينتقده آخرون بأنه يقتل النقاش الحجاج ، خصوصا في المادة الجنائية، حيث تتباين المواقف حول ضرورة الحضور الجسدي و ليس الافتراضي للمتهم، وباقي أطراف الخصومة الجنائية أمام المحكمة، ما جعل النقاش الفقهي يتساءل حول الغاية المثلى لاعتمادها وانعكاساتها على سريان الدعوى.
الدكتور طارق زهير*

إن ولوج تقنيات التواصل الآني عبر النقل المتبادل للصورة والصوت لأشخاص يوجدون في الوقت نفسه في مكانين أو أكثر، يحتم إيجاد تناسب وتوافق بين التكنولوجيا الرقمية و مبدأ الشرعية وسيادة القانون.

الحق في محاكمة عادلة

على مستوى التجارب الفضلى، يلاحظ أن العديد من بلدان الاتحاد الأوربي تبنت هذه الآليات وتعمل على تطويرها واعتمادها في إدارة مرفق القضاء.
لا يشكل اللجوء لوسائل التواصل عن بعد خطرا أو تهديدا على المحاكمة العادلة، طالما أن السبب مشروع ، وأن إجراءاته وسريان المحاكمة تحترم المبادئ الأساسية لحقوق الدفاع، ومن ثم يحق طرح أسئلة عديدة مرتبطة بحماية الضمانات الأساسية للإنسان المشتبه فيه، مادام أن التخوف الأول الذي انتاب المدافعين عن حقوق الإنسان في الفقه المقارن، هو كيف أن تضمن تلك المبادئ؟ مرده إلى طغيان الاستعمال الآني لها تحت ذريعة التدبير المالي او لتجاوز صعوبات بعد المسافة دون محاولة جعل اللجوء إليها يعتمد على دوافع أكثر حقوقية وقانونية تقنع العقل المهني الحقوقي الذي يطغى عليه النقاش التفاعلي الحي .
وتجدر الاشارة إلى أن أغلب التجارب المقارنة، تمنح مكنة اعتماد أليات التواصل عن بعد خلال التحقيق أو عند تنفيذ العقوبات و خلال إجراءات المحاكمة للاستماع للشهود والخبراء والأطراف المدنية، و تستثني منها مثول المتهم أمام قضاء الحكم.
في حين أن هناك نظما قانونية منحت إمكانية اللجوء إلى هذه التقنيات في الحالة الضرورية لتجاوز المعيقات الإجرائية أحيانا أو لخطورة المجرم أو الجريمة، أو في إطار التعاون الدولي الخاص بتسليم المجرمين…..، إلا أن هذه المكنة أصبحت استثناء، فصارت قاعدة يدعو لها مناصرو فكرة تأثير الرقمنة و آلياتها التواصلية في حسن التدبير المالي و الإداري، مقابل من يرفضونها لمساسها بالحقوق الأساسية للمشتبه فيه، لاسيما الحق في محاكمة عادلة في أجل معقول، و الحق في الدفاع .
إلا أن جائحة كورونا، جعلت النظم القانونية التي لم تنص قوانينها الزجرية على اعتماد آليات التواصل، تعتبرها حلا فعالا لضمان عدم توقف القضاء، رغما عن التخوفات التي تثار حول تأثيرها السلبي على ضمانات المحاكمة العادلة، فمنها من سنها في إطار قرارات و مراسيم حسب ما تمنحه دساتيرها و آلياتها التشريعية.
واعتمدت السلطة القضائية في المغرب كسلطة مستقلة نتيجة تفشي جائحة كورونا تدابير لسيرورة المرفق القضائي، تعتبر أهمها آليات التواصل عن بعد في إطار ما سمي بالمحاكمة عن بعد، فطرح نقاش أمام الفراغ التشريعي حول شرعيتها، وآثار ذلك على المحاكمة، وهل يشوبها البطلان، فسارعت وزارة العدل إلى إعداد مشروع استعمال الوسائط الإلكترونية في المحاكمات الزجرية و الدعاوى المدنية .
ولا غرو، أن إعداد هذا المشروع خلال حالة الطوارئ ، يصطدم إلى جانب السؤال حول الشرعية و المشروعية الدستوريتين وعدم مساسها عند اعتمادها في المحاكمات الجنائية بمبادىء المحاكمة العادلة و حقوق الدفاع.

اجتهادات قضائية

فكما تمت الاشارة إليه آنفا ، فإن قوانين مقارنة نصت على هذه التقنيات ، لكن ليس في زمان استثنائي مرتبط بجائحة شلت الحركية الانسانية وأغلقت الحدود، إلا أنه يمكن الركون إلى بعض الاجتهادات القضائية المقارنة الصادرة عن محاكم الدول، أو عن المحاكم التابعة لمؤسسات قارية، كمحكمة الاتحاد الاوربي لحقوق الانسان، والتقارير الصادرة عن الآليات الأممية.
فعلى مستوى المحكمة الاوربية لحقوق الإنسان، أصدرت قرارين مرجعيين هامين عالجت من خلالهما مدى شرعية استعمال وسائل المحاكمة عن بعد أمام محكمة الاستئناف واحترامها لمبادئ المادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان و الحريات الأساسية .
يتعلق القرار الأول بقضية “مارسلو فيولا” ضد دولة إيطاليا بتاريخ 05 أكتوبر 2006 ، حيث أكدت المحكمة الأوربية على مبدأ الحضورية الجسدية للمشتبه فيه باعتباره ذا أهمية بالغة لتكريس أهم شروط المحاكمة العادلة، إلا أنها أسست لمبدأ إمكانية اللجوء الى المحاكمة عبر وسائط التواصل عن بعد في مرحلة الاستئناف، وعدم تعارضه مع مبدأي المحاكمة العادلة والعلنية ، شريطة أن يضمن للمتهم تتبع إجراءات المحاكمة وأن يسمع ويستمع إليه بذون عراقيل تقنية، وأن يتواصل مع محاميه بشكل فعلي و سلس يضمن السرية المطلقة.
أما القرار الثاني فيخص قضية “ساخنوفسكي” في مواجهة دولة روسيا بتاريخ 2 نونبر 2010،هذا الأخير أكد على ضرورة حماية السرية المطلقة في تخابر المتهم مع محاميه، بعدما اعتبر أن تقنيات التواصل التي اعتمدتها الجهات القضائية الروسية لا تضمن هذا المبدأ.
ويستشف من خلال الاجتهاد القضائي الأوربي على سبيل المثال، أنه يتعين في كل قضية على حدة يتم فيها اللجوء إلى هذه التقنيات تبرير إمكانية اللجوء إليها، و شرعيتها، مع ضرورة ضمان احترام شروط المحاكمة العادلة كيفما كانت مرحلة التقاضي، مع الإشارة إلى أن منها ما يذهب إلى وقف اللجوء إليها إلى شرط حضور أطراف الدعوى الجسدي و دفاعها و أعضاء الهيأة القضائية على الاقل لجلسة واحدة ، وأن تقتصر هذه المحاكمات عن بعد ، إلا على جلسات لا يكون لها أي تاثير على النقاشات التحاججية التفاعلية.
وعليه، فإنه كان واجبا على كل الدول نتيجة إعلان منظمة الصحة العالمية كوفيد 19 جائحة، و المغرب بمجرد ظهور الحالات الأولى، أعلن حالة الطوارئ لحماية الصحة العامة، وفق ما التزم به بمقتضى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية، وغيره من مصادر القانون القانون الدولي لحقوق الانسان،من التزام بحماية الحق في الحياة و الحق في الصحة المنصوص عليهما في الفصل 21 من الدستور.

ضمان الحق في الحياة و الصحة للمعتقل

ويكون للعاملين في مجال العدالة حق في حماية حياتهم و صحتهم، الأمر الذي يسمح وفق الفقرة الأولى من المادة14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للسلطة القضائية، اتخاذ التدابير الكفيلة لحماية الصحة واستمرار دورها في الحفاظ على النظام العادي، شرط أن تكون في أضيق الحدود حماية لحقوق الانسان غير القابلة للمراجعة، لضمان الانتصاف القضائي الفعال.
ومن ثم فإن اعتماد الوسائط الإلكترونية لمحاكمة المعتقلين عن بعد، يندرج في إطار ضمان الحق في الحياة والصحة للمعتقل، علما أن هذا الحق لا يمكن أن يكون موضوع استثناء أو تقييد، وفق الفقرة 2 من المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية، شريطة تحقق مبدأ الشرعية سيادة القانون، و هو ما يستدعي توفير المتطلبات الضرورية للمحاكمة العادلة أثناء حالة الطوارئ، كما هي متعارف عليها في مبادئ سيراكوزا.
إذ يتعين وفق المبدئين 11و 12 من مبادئ سيراكوزا ، أن يبرر كل تقييد يمس بالعلنية و المثول الجسدي للمتهم أمام القضاء و بجانبه محاميه ،مواجها بالأطراف المدنية والشهود، و إذا كان أي تقييد مرتبط بالنظام العام و حفظ الصحة العامة، فيجب وفقا المبادئ 23،22و 24 المنبثقة من مفاهيم العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية ، أن تكون كل القرارات المتخذة تحت رقابة البرلمان، القضاء و كل الهيآت المستقلة المختصة.
و باعتبار ما أنيف إليه أعلاه ، فإن هاجس حماية حق المتهم في الحياة والصحة يمكن أن يكون وسيلة تعتمد للحد من بعض الحقوق، تسمح باتخاذ تدابير في حال تهديد صحي خطير ، تندرج تحت مقتضيات المبدأ 38 من مبادئ سيراكوزا الخاص بالتقيدات المرتبطة بعلنية المحاكمة، وفق ما يقتضيه القانون الوطني، كالمادة 302 من قانون المسطرة الجنائية المغربي، إلا أن كل تقييد لأي حق من حقوق الانسان يجب أن تتحقق فيه التناسبية بين الواجب و الالتزام و الحق العام و الخاص، و تضمن لكل من انتهكت حقوقه الحصول على سبل الانتصاف القضائي خلال حالة الطوارئ.
و في حالة ما إذا عمدت الدولة خلال فترة الطوارئ على تبني تعديلات على القواعد الاجرائية المرتبطة بطرق الانتصاف القضائي ، فإنه يتعين أن يكون ذلك في أضيق الحدود حسب متطلبات الحالة الراهنة، كما سبق أن أكدته محكمة الدول الامريكية لحقوق الانسان في رأيها الاستشاري المرجعي الصادر بالسادس من أكتوبر لسنة 1987، و كذلك اللجنة المعنية بحقوق الانسان في تعليقها العام رقم 29.
كما يتعين أن يكون كل تقييد لحق المتهم المعتقل، باعتبار أن تدابير المحاكمة عن بعد اعتمدت كي تضمن له و لباقي فعاليات العدالة الجنائية الحق في الحياة و الصحة ، فإنه لا يجب أن يكون إلا وفق الضمانات القائمة على مبدأ المشروعية و سيادة القانون كما هما متأصلين في العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية، و اللذين يتمظهران من خلال احترام المتطلبات الاساسية للمحاكمة العادلة أثناء حالات الطورائ كما فسره التعليق رقم 29 المشار اليه في الفقرة أعلاه.
و ركونا إلى وضعية المعتقلين المحرومين من حريتهم ، ينبغي أن تكون التدخلات الحامية بمفهوم الحمائية الشامل مستعجلة ، تهدف إلى الحد وحماية السجون من تفشي وباء كورونا، يمكن اعتماد الافراج المقيد بشروط وفق ما تنص عليه الفصول من 622 و ما يليها من قانون المسطرة الجنائية بعد عقد لجنة الافراج المقيد بشروط لوزارة العدل، اجتماعاتها عن بعد للبت في طلبات المتهمين الذين تتوفر فيهم الشروط الواجبة، أو أشكال المراقبة القضائية لمن هو على ذمة التحقيق الاعدادي، الواردة في المادة 160 من القانون نفسه، و كذلك التوقف عن الاعتقال .

طارق زهير * محام بهيأة البيضاء أستاذ جامعي زائر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق