مقالات الرأي

الورايني: مفهوم الدعوى الاستعجالية و خصائصها

اهتم الفقه و القضاء على حد سواء بالقضاء الاستعجالي أكثر من اهتمام التشريعات به و تدفقت أقلامهم بغزارة و سخاء في ابراز لأهميته و فلسفته و الحكمة من احداث قضاء خاص بالأمور الطارئة و التي لا تتحمل انتضار صدور الأحكام التي تتناول جوهر النزاع و تتطلب وقتا طويلا

و كثيرا ما احتدت مرافعات المحامين أمام منصات المحاكم حول قضايا استعجالية و أبرع قضاة كثيرون في تحليلاتهم المستفيضة لبيان دواعي الاستعجال تبرز تدخل القضاء المستعجل لاصدار أوامره في مسائل عارضة .

فالقضاء المستعجل يتولى اتخاد اجراءات وقتية سريعة لصيانة مصالح الناس دون التعرض للأصل الحقوق المتنازع عليها و يميزه عن القضاء العادي ميزتين أساسيتين :

–         الأولى ضرورة توافر الاستعجال في الأمر المعروض على المحكمة

–         الثانية : ان حكمه مؤقت  لا يمس الموضوع و لا يؤثر أصل الحق ، و لهذا فأهم دعامة يقف عليها القضاء المستعجل هي فكرة الاستعجال فيكون بذلك الأساس الذي يقوم عليه مغاير للنظام الذي يرتكز عليه القضاء العادي ، حيث أن هذا الأخير يتسم بطول الانتظارو طابع البطئ و هو قضاء يستغرق عند النظر في الدعوى شهورا ، و قد تصل في بعض الأحيان سنوات لكي يفصل فيها بحكم موضوعي ليضع حدا للمنازعة بين الطرفين عطس القضاء المستعجل الذي يتميز بالسرعة .

و من هذا المنطق ، ظهر القضاء المستعجل لكي يصون الحقوق الجديرة بالحماية و عرفه البعض بأنه : ” اجراء مختصر و استثنائي يسمح للقاضي باتخاد قرار وقتي في المسائل المتنازع عليها و التي لا تحتمل التأخير في اصدار القرارات دون حصول ضرر … ” في حين قال البعض بأنه : قضاء يقصد به الفصل في النزاعات التي يخشى عليها من فوات الوقت فصلا مؤقتا لا يمس الحق و انما يقتصر على الحكم باتخاد اجراء وقتي ملزم للطرفين بقصد المحافظة على الأوضاع القائمة أو احترام الحقوق الظاهرة أو صيانة مصالح الطرفين المتنازعين ” .

و قد نظم المشرع المغربي المساطر المتعلقة بهذا النوع من القضاء في قانون المسطرة المدنية ضمن المواد من 149 الى 154 و أوله أهمية خاصة نظرا للدور الذي يقوم به في فض المنازعات بشكل فوري و مستعجل فمناط اختصاصه هو توفر عنصر الاستعجال و عدم المساس بجوهر النزاع ذلك أنه يلجأ اليه اذا توفر عنصر الاستعجال الذي يبرز الحصول على الحماية القضائية باجراءات مختصرة تختلف عن اجراءات الدعاوي العادية .

فالقضاء الاستعجالي اذن هو قضاء من نوع خاص يمتاز بالسرعة و قصر أجل الاجراءات و عدم المساس بأصل الحق . و لذا سنعمل     جاهدين على معالجته من خلال معالجة مفهوم الدعوى الاستعجالية في المطلب الأول ، و بيان خصائصها في المطلب الثاني

المطلب الأول :

مفهوم الدعوى الاستعجالية 

لقد أسند المشرع المغربي لرئيس المحكمة الابتدائية وحده مهمة الفصل في القضايا المستعجلة [1] و اذا عاقه مانع اسندت تلك المهمة لأقدم القضاة العاملين بتلك المحكمة ، و اسناد الاختصاص لرئيس المحكمة راجع لما يمتاز به من تكوين قضائي واسع و ثقافة قانونية شاملة ، ناهيك عن الخبرة و الحكمة القضائيتين ، و هذه شروط افترض المشرع توفرها في رئيس المحكمة مما يجعله الشخص المناسب و الأقدر على تبوء مركز الرئاسة مما تتطلبه من سرعة البث و اصدار الأمر بناء على ظاهر المستندات ، أي دون البث في الجوهر .

فطبقا للفصل 19 من قانون المسطرة المدنية فان القاعدة هي أن رئيس المحكمة الابتدائية هو المختص وحده في البث في القضايا الاستعجالية و استثناء ينتقل الاختصاص الى أقدم القضاة بالمحكمة اذا كانت ثمة مانع يحول دون مباشرة الرئيس شخصيا لهذه المسطرة .

و بطبيعة الحال ، فان الاستثناء الذي وضعه المشرع بعبارة ” أقدم القضاة ” عما يرى الفقه تحمل على الأقدمية في التعيين و العمل بالمحكمة الابتدائية ، و مع التسليم بهذا الأمر ، فان المسألة لا تخرج عن مجرد فرضية يفترضها المشرع ، و هوما لا يكون دائما صحيحا من الناحية الواقعية [2]

و خلافا للقاعدة المقررة في الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية الذي منح لرئيس المحكمة الابتدائية وحده صفة قاضي المستعجلات ، نص المشرع المغربي في قانون المسطرة المدنية و في قوانين أخرى على امكانية اسناد هذه المهام الى قاضي الموضوع و هو بصدد البث في موضوع النزاع [3] و من بين الأمثلة  ما يلي :

1 – اختصاص قاضي الموضوع بالأمر بالحراسة القضائية ( الفصل 170 من قانون المسطرة المدنية ) فهذا الاسناد أملته ضرورة اعطاء هذا القاضي ( قاضي دعوة الحيازة ) وسائل مسطرية فعالة تتيح له التدخل العاجل لحماية الأموال [4]

2 – اختصاص قاض الموضوع بالنظر في صعوبات التننفيذ ( الفصل 203 من ق.م.م ) فهذا الفصل يعطي لقاضي شؤون القاصرين و هو قاضي موضوع الصلاحية كقاض الأمور المستعجلة للنظر في صعوبات التنفيذ المتعلقة بتنفيذ القرارات في حالة بيع منقولات القاصر و ادعاء الغير ملكيتها [5]

3 – اختصاص قاضي الموضوع باتخاد الاجراءات المستعجلة للمحافظة على التركة ( الفصلان 222 و 230 من ق.م.م )

اللذان أعطيا الحق لقاضي الموضوع بمهمة قاضي الأمور المستعجلة للمحافظة على التركة فله أن يقرر وضع الأختام أو يعين حارسا [6]

يقصد بالدعوى الاستعجالية العادية هو قيام رئيس المحكمة الابتدائية باصدار حكم مستعجل خشية عدم كفاية الوقت لمراجعة قضاء الموضوع ، و يتميز الحكم الاستعجالي بكونه حكما مؤقتا ، كما أنه من جهة أخرى ليس من شأنه المساس بجوهر النزاع و أصل الحق .

و تطبيقا لذلك يمكن أن نستنتج أن القضاء المستعجل يعالج الأمور التي تحتاج الى بت سريع لا تسمح به الاجراءات العادية المسكرية ، لهذا فهو يتطلب شرطين أساسيين يطلق عليها بالقواعد الموضوعية أو العامة للقضاء المستعجل و تتمثل في شرط الاستعجال و شرط عدم المساس بالموضوع .

الفرع الأول : القواعد الموضوعية لرفع الدعوى الاستعجالية العادية .

أولا : شرط الاستعجال :

لم يعرف المشرع المغربي كغيره من التشريعات الأخرى الاستعجال ، تاركا الأمر في ذلك للفقه و القضاء ، و قد عرفه الأستاذ علي راتب : ” بأنه الحظر الحقيقي المحدق باحق المراد المحافظة عليه و الذي يلزم درؤه عنه بسرعة لا تكون عادة في التقاضي العادي و لو قصرت مواعيده “[7]

و عرفه بعض الفقه بأنه ” الضرورة الملحة التي لا تحتمل تأخيرا ، و أنه الخطر المباشر الذي لا يكفي في اتقائه رفع الدعوى بالطريقة المعتاد مع تقصير المواعيد ” [8]

و يعرفه الفقيه المغربي عبد العزيز ” بأنه الالة التي يكون فيها الحق معرضا للخطر المحدق المحقق ، و أن كل تأخير في اتخاذ اجراء واقعي عاجل يعرض لخطر يصعب معه تداركه بعد ذلك [9]

و عرفه الفقيه الفرنسي بيرو بكونه : ” الحالة التي يمكن أن تتضرر فيها مصالح الطالب اذا لم يتم اصدار أمر باجراء تدبير تحفظي في أقرب وقت ، و عرف الفقيه كاروسوني الاستعجال بأنه : ” حالة الضرورة التي لا تحتمل أي تأخير في التصدي لها [10]

و بدورنا نعرف الاستعجال هو ضرورة الحصول على الحماية القانونية العاجلة و المؤقتة من أجل درء خطر حقيقي لا يمس بأصل الحق ، و على الرغم من التعريفات الفقهية فإنه يصعب وضع تعريف دقيق و شامل للاستعجال ، و يجعله جامدا على الحالة التي عرف بها ، بالموازاة مع تطور و تقدم المجتمع مما قد يؤدي الى افتقار حماية قانونية مستعجلة  .

اذن فحالة الاستعجال ترجع الى طبيعة الحق المراد المحافظة عليه و الذي يتغير مع ظروف الزمان و المكان المحيطة به ، فهذه الظروف هي التي تخلق عنصر الاستعجال و لذلك لم يحدد المشرع المغربي في الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية الحالات التي يتوفر فيها الاستعجال[11] بل ترك ذلك لتقدير القاضي يستشفه من ظروف الدعوى و ملابساتها و مناقشات الطرفين ، فتوافر الاستعجال أو عدم توافره في الدعوى مسألة يستقل في تقديرها قاضي الأمور المستعجلة وحده ، لأن مسألة الاستعجال تعتبر مسألة واقع يختص بتقديرها وحده دون رقابة من محكمة النقض و لا دخل لادارة الأطراف . و حالة الاستعجال التي تمنح لقاضي المستعجلات الاختصاص هي حالة موضوعية تتعلق بحالة الحق ، المطلوب حمايته لا شخصية تتعلق بطالب الاجراء ، و دون أن يتغير المركز القانوني للخصوم .

و قد اختلف الفقه [12] حول ما اذا كانت العبرة من تقدير الاستعجال لوقت رفع الدعوى أو لوقت صدور القرار ، فذهب رأي الى أن عنصر الاستعجال يجب أن يتحقق وقت رفع الدعوى ، لا وقت الحكم فيها ، بينما ذهب فريق اخر ، الى القول بأن العبرة هي لوقت الحكم لا لوقت رفع الدعوى ، و نادى فريق تالث بضرورة استمرار الاستعجال من وقت رفع الدعوى الى الحكم فيها .

و نساير جانب من الفقه ” [13] الذي اعتبر أن عنصر الاستعجال يجب أن يتوافر وقت الحكم في الدعوى لا وقت رفعها لأن الوقت الذي يتوصل فيه قاضي المستعجلات بالدعوى ، فالاستعجال هو شرط لتحقيق اختصاص قاضي المستعجلات و ليس شرطا لقبول الدعوى ، و عليه فاذا توافر عنصر الاستعجال عند تسجيل الدعوى ، ثم انعدم عند وضع القاضي ليده على القضية فا ن هذا الأخير يجب أن يصرح عند وضع القاضي ليده على القضية ، فان هذا الأخير يجب أن يصرح بعدم اختصاصه لا بعدم قبول الدعوى .

ثانيا : شرط عدم المساس بالموضوع :

الأوامر التي تصدر في الأمور المستعجلة لا تمس أصل الحق أو الموضوع و ذلك فانه يشترط لاختصاص القضاء المستعجل بالنظر في المسائل المستعجلة ان لا يكون فيها تأثير في موضوع أو أصل الحق ، و ليس له أن يقتضي في أصل الحقوق و الالتزامات و الاتفاقات مهما أحاط بها من استعجال أو ترتب على امتناعه عن القضاء فيها من ضرر للخصوم ، بل يتعين عليه ترك الفصل فيها لقاضي الموضوع المختص وحده بالحكم فيها .

و هو ما أقره المشرع في الفصل 152 من قانون المسطرة المدنية بقوله ” لا تبث الأوامر الاستعجالية الا في الاجراءات الوقتية و لا تمس بما يمكن ان يقتضي به في الجوهر [14]

و المقصود بالجوهر أو بأصل الحق هو كل ما يتعلق بالحق وجودا   فيدخل في ذلك ما يمس صحته أو يؤثر كيانه أو يغير فيه أو الاثار القانونية التي رتبها له القانون او التي قصدها المتعاقدان ، و بذلك فان رفعت دعوى بطلبات موضوعية فانها تكون خارجة عن اختصاص القضاء المستعجل ، كأن ترفع الدعوى بطلب فسخ عقد أو صحته أو بطلانه أو بطلب تعويض أن تثبيت ملكية أو تقرير حق ارتفاق عليها .

و تجدر الاشارة أن القاضي المستعجل مكلف بالبحث في منازعات الطرفين لتحديد اختصاصه ، فان كان ممنوع التعرض لأصل الحق ، فلا يمنع من تفحص الموضوع و أصل الحق من حيث الظاهر.

فاذا فحص ظاهر المستندات و تبين له أن الفصل في الدعوى سيمس أصل الحق فانه يقضي بعدم اختصاصه بالنظر في الدعوى .

أما اذا توصل من فحصه الى الأمر ، ينطوي على مساس بأصل الحق ، و أن ما أثاره الخصم من المنازعات الموضوعية الى اساس جدي فانه يفصل في الدعوى .

و يبقى عدم المساس بأصل الحق ، عكس عنصر الاستعجال يخضع لرقابة محكمة النقض باعتباره يتعلق بالقانون و بالتالي يجب أن يتم تعليل الأمر الصادر عن قاضي المستعجلات تعليلا كافيا ، يمكن لمحكمة النقض من مراقبة حسن تطبيق القانون .

الفرع الثاني : الشروط العامة لرفع الدعوى الاستعجالية العادية .

يشتطر في الدعوى الاستعجالية لقبولها الشروط العامة التي تشترط في الدعاوي العادية و هي :

1 – الصفة :

يقصد بالصفة علاقة الشخص المدعي بالشيئ المدعى به ، و التي تعطيه الصلاحية في الادعاء بالمطالبة به أمام القضاء[15]

و يعني ذلك ، أن يكون رافع الدعوى هو نفسه من اعتدي على حقه أو مركزه القانوني ، و رفعها في مواجهة نفس الشخص الذي اعتدى

على هذا الحق ، أو المركز القانوني .

و عليه ، فان تحقق الصفة في الدعوى يقتضي ما يلي :

1 – أن يكون رافع الدعوى ( المدعي ) هو صاحب الحق أو المركز القانوني المراد حمليته ، فلا يجوز رفع الدعوى من شخص غيره مهما كانت صلته به .

2 – أن يكون المرفوع في مواجهته الدعوى ( المدعى عليه ) هو من اعتدى على الحق أو المركز القانوني المراد حمايته .

و كما تشترط الصفة في المدعي ، تشترط في المدعى عليه ، و يعبر عن ذلك بالقول : ” أن ترفع الدعوى من ذي صفة على ذي صفة ” [16]

و الصفة من النظام العام يمكن للمحكمة أن تثيرها تلقائيا [17]

2 – الأهلية

تعريف الأهلية :

الأهلية نوعين : أهلية وجوب و أهلية أداء [18]

1 – أهلية وجوب : و يقصد بها ” صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق و تحمل الواجبات التي يحددها القانون / و هي تبدأ بميلاد الشخي حيا ، و تلازمه طول حياته و لا يمكن حرمانه منها ” [19]

2 – أهلية أداء : و هي صلاحية الشخص للالتزام و الالزام [20]و هي مسطريا صلاحية الشخص في رفع الدعوى .

و يحدد أهلية الشخص للتقاضي في قانون أحواله الشخصية [21] فاذا كان صاحب الحق في رفع الدعوى لا تتوفر فيه هذه الأهلية وجب أن يباشر الدعوى نيابة عنه و ليه أو وصيه أو المقدم عليه .

الأهلية ليست شرطا لقبول الدعوى : طبقا لما استقر عليه بعض الفقه [22] لا تعد الأهلية شرطا لقبول الدعوى ، و انما هي شرط لصحة إجراءات الخصومة .

و اذا كانت الخصومة تبدأ بالمطالبة القضائية ، فان انتفاء الأهلية في من قام بهذا الاجراء ، لا يؤدي الى الحكم بعد قبول الدعوى ، و انما تحكم المحكمة ببطلان الاجراء ، و يمكن لهذا المدعي أن يعود و يرفع نفس الدعوى .

3 – المصلحة :

تعريف المصلحة :المصلحة تعني وجود الحق أو المركز القانوني المراد حمايته ، الا أن رأيا اخر اتجه الى القول بأن المصلحة تعني الفائدة العلمية التي تعود على رافع لدعوى من الحكم له بطلباته كلها أو بعضها الا أن الجانب الغالب في الفقه اتجه الى أن المصلحة تعني : الحاجة الى الحماية القضائية [23] و لا تقبل أي دعوى كما لا يقبل أي طلب أو دفع ، استنادا الى أحكام القانون . لا يكون لصاحبه فيها مصلحة شخصية مباشرة و قائمة يقرها القانون . و لذلك قيل : أن المصلحة هي مناط الدعوى ن , انه لا دعوى بلا مصلحة .

و كما أن المصلحة شرط لقبول الدعوى عند رفعها ، فهي أيضا شرط لاستمرار قبولها أمام المحكمة ، كما أنها شرط لقبول أي طلب أو دفع أو طعن في الحكم ، سواء كان مقدما من المدعى عليه أو الغير الذي تدخل في الدعوى

4 – دعم قبول الدعوى المستعجلة لسبق الحكم فيها : يشترط لقبول الدعوى المستعجلة أن لا يكون قد سبق صدور حكم في موضوعها عن نفس السبب و بين ذات الخصوم ، فالحكم المستعجل و ان كان حكما مقتيا ، و لا حجة له قبل محكمة الموضوع اذا رفع النزاع الموضوع اليها .

المطلب الثاني

خصائص الأحكام الاستعجالية و نطاقها

 

يتمتع الحكم الاستعجالي بمجموعة من المميزات و الخصائص على خلاف الأحكام العادية ، و هي خصائص تفرضها طبيعة القضايا الصادرة فيها ( الفرع الأول )

و لعل هذه القضايا التي يتناولها القضاء الاستعجالي و التي تتميز بمجموعة من الخصائص أنها غير محددة بحالات معينة على سبيل الحصر ، مما يستوجب البحث في بعض هذه الحالات سواء في اطار قانون المسطرة المدنية أو في بعض الحالات التي تطرقت إليها قوانين أخرى ( الفرع الثاني )

الفرع الأول : خصائص الأحكام الاستعجالية :

تتجلى خصائص الأحكام الاستعجالية بكونها لها طبيعة و قتية و امتيازها بالنفاد المعجل ، و أخيرا طابعها الحضوري ، مما يستوجب الوقوف عن كل ميزة .

أولا : الصفة الوقتية :

تعتبر صفة التوقيت ميزة أساسية من مميزات الحكم الاستعجالي ، فالحكم الاستعجالي هو حكم وقتي صدر لمواجهة ظرف استثنائي عاجل لا يحتمل التأخير و هو ظرف قابل للتغير و التبدل بطبيعته ، و لذا فان الحكم المستعجل بأخد بدوره هذه الصفة و تعتبر الصفة الوقتية للحكم المستعجل أنه حكم غير قطعي لأنه لم يفصل في جوهر النزاع من جهة ، و أنه حكم ذو حجية نسبية أمام القاضي الذي أصدره و لا يلزم قاضي الموضوع عند النظر في جوهر النزاع من جهة أخرى .

و اعتبارا للصفة الوقتية يمكن للقاضي الاستعجالي دائما الحق في تعديل أو تغيير الحكم الذي أصدره أو التراجع عنه كليا اذا برزت ظروف واقعية أو قانونية جديدة تبرز هذا التعديل أو الإلغاء ـ و هي سلطات لا يملكها عادة قاضي الموضوع الذي تنتهي ولايته بمجرد صدور الحكم .

كما أن الحكم الاستعجالي هو حكم وقتي لا حجية له أمام قاضي الموضوع عند النظر في جوهر النزاع ، حيث يستطيع هذا الأخير أن يحكم بما قضى به قاضي المستعجلات ، فمثلا لو أن حكما مستعجلا صدر بتعيين أحد الخصوم حارسا قضائيا على العين المتنازع على ملكيتها فان الحكم لا يمنع قاضي الموضوع من الحكم عليه في دعوى الملكية [24]

ثانيا : النفاد المعجل :

خص المشرع المغربي كغيره من التشريعات الأخرى الأحكام الاستعجالية بالنفاذ المعجل القانوني ، و هو نفاذ يتميز بأنه سيمتد قوته من إرادة المشرع و لا ضرورة لطلبه من المحكمة . كما أنه لا يمكن إيقافه على الاطلاق غير أنه يمكن تعليقه على تقديم كفالة كضمانة للمحكوم عليه يمكنه من إعادة الحال الى ما كانت عليه في حالة الغاء الحكم الاستعجالي المنفد من طرف محكمة الاستئناف .

و يقصد بالنفاذ المعجل للحكم تنفيذه قبل الوقت العادي و الطبيعي لتنفيذ الأحكام ، و هي ميزة يقرها المشرع لبعض أنواع الأحكام أو لاعتبارات إنسانية تخص بعض المتقاضين ، و هو نوعان : نفاذ معجل قضائي يمنحه القاضي و نفاذ معجل قانوني يقره المشرع مباشرة و هو ما ينطبق على الأحكام الاستعجالية ، و هو ما نص عليه المشرع في الفقرة الأولى من الفصل 153  : ” تكون الأوامر الاستعجالية مشمولة بالتنفيد المعجل بقوة القانون و يمكن للقاضي مع ذلك أن يقيد التنفيذ بتقديم كفالة ” [25]

يمكن للقاضي في حالة الضرورة القصوى أن يأمر بالتنفيذ على أصل الأمر

تالثا : الحضورية

تجمع جل التشريعات على منع التعرض على الأحكام الاستعجالية و منها المشرع المغربي في فقرته الثالثة من الفصل 153 التي نصت على أنه : ” لا يطعن في هذ ه  الأوامر بالتعرض ” [26]

و يدل منع الطعن بالتعرض على الأحكام الاستعجالية افتراض الطابع الحضوري لهذه الأحكام على اعتبار أن الأحكم الغيابية وحدها التي تقبل الطعن بالتعرض ، و يبرز ذلك بأن الأحكام الاستعجالية هي وقتية بطبيعتها ، و و بالتالي يمكن للقاضي الذي أصدرها وضع يده عليها من جديد و مراجعة موقفه منها دون حاجة للطعن بالتعرض فيها  و هو ما ينطبق حتى على الطعن بإعادة النظر ، و قد قررت هذه القاعدة محكمة النقض في أحد قراراتها أن ” الأوامر التي يصدرها قاضي المستعجلات بصفته هذه ، دون البث في جوهر النزاع لا يمكن أن تكون موضوعا لطلب إعادة النظر ” [27]

أما الطعن بالاستئناف فهي ممكنة غير أن المشرع المغربي قصر ميعاده و حدده  في خمسة عشر يوما فقط ، حيث نص المشرع المغربي في الفصل 153 في في فقرته الأخيرة  على أنه : ” يجب تقديم الاستئناف داخل خمسة عشر يوما من تبليغ الأمر في الحالات التي يقر فيها القانون خلاف ذلك ، و يفصل في الاستئناف بصفة استعجالية ” [28]

يقع التبليغ طبقا لمقتضيات الفصل 54 غير أنه : ” اذا حضر الأطراف وقت صدور الأمر ، كان التبليغ واقعا في ذلك الحين صحيحا و يشار في الأمر الى حضورهم و معاينة هذا التبليغ ” [29]

كما تقبل الأحكام الاستعجالية الطعن بالنقض عندما تصبح أحكاما انتهائية ، و يسلم الفقه أيضا إمكانية الطعن بتعرض الخارج على الخصومة على الأحكام الاستعجالية اعتمادا على انتفاء المنع الصريح ضده . [30]

الفرع الثاني : نطاق القضاء المستعجل

بالرغم من كون أن المادتين 148 و 149 من قانون المسطرة المدنية قد بينتا نوعا من نطاق الاختصاص المتمثل في اثبات الحال أو توجيه انذار و النظر في الصعوبات المتعلقة بتنفيذ حكم أو سند قابل للتنفيذ ، فانه لم يحدد ذلك على سبيل الحصر بل على سبيل المثال لأن لذى القاضي الأمور المستعجلة النظر غير ما ذكر في الفصلين 149 و 148 بالإضافة الى ذلك لأن نطاق هذا الاختصاص مرتبط بالظروف و الوقائع ، و ما يستجد من نزاعات تحتاج للبث فيها بأسرع وقت ممكن ، كما أن المشرع ما فتء لرسم بعض الحدود ، ذلك بالتنصيص على بعض الحالات اختصاص القضاء المذكور في بعض القوانين الخاصة (32)

أولا : الأمور المستعجلة في قانون المسطرة المدنية :

تطرق المشرع لبعض حالات الاستعجال في الفصلين 148 و 149 من قانون المسطرة المدنية ، فقد نص الفصل 148 على أنه ” يختض رؤساء المحاكم الابتدائية وحدهم [31]في البث في كل مقال يستهدف الحصول على أمر باثباب حال أو توجيه انذار أو أي جزء مستعجل ” في حين نص الفصل 149 على أنه ‘ يختص رئيس المحكمة الابتدائية وحده [32] بالبث بصفته قاضيا للمستعجلات كلما توفر عنصر الاستعجال في الصعوبات المتعلقة بتنفيذ حكم أو سند قابل

للتنفيذ أو الأمر بالحراسة القضائية ”

الا أن المشرع  لم يحصر المسائل المستعجلة فيما ذكر ، تاركا المجال مفتوحا لما قد يعرض أمام القضاء من مسائل لها طابع الاستعجال و ذلك لصعوبة حصر كل المسائل المستعجلة و بالتالي سنتناول أهم هذه الحالات بالتفصيل كالاتي :

1 – اثبات حال :

نعني باثبات حال ، تصوير حالة مادية يخشى ضياع مصالحها في انتظار عرض النزاع على محكمة الموضوع ، و قد نص المشرع صراحة على اختصاص قاضي المستعجلات في البث في المقال الذي يستهدف الحصول على أمر باثبات حال  . مما يعني أن دعوى اثباث حال هي من دعوى استعجالية و وقتية التي لا تمس أصل الحق .

و ترمي دعوى اثباث حال الى تهيئة الدليل في نزاع موضوعي سواء كان قد أحيل على المحكمة أو لا . و ذلك عندما تحدث واقعة يخشى  تغييرها بمرور الوقت صيانة للحق من خطر الاندثار ، بمعنى أن اثبات حال هو وصف حالة راهنة و تأكيد لوضع قائم موجود بأوصاف معينة .

كما أن دعوى اثبات حال تعتبر من الدعاوي الوقتية التي لا تمس أصل الحق على اعتبار أنها لا ترمي الى اثبات الوقائع المادية و ليست وسيلة لانتزاع الدليل القانوني من يد الخصم أو الاعتداء على حرية الأشخاص و جسدهم كالكشف على جسم امرأة لاثبات حمل أو بكارة ، بقدر ما هو وسيلة للبحث عن ما اذا كان المدعي محق في رفع دعواه و قبولها منه ،كما أنها لا تؤثر في أصل الحق المطروح على أنظار محكمة الموضوع  [33]و من أبرز التطبيقات العملية ل

دعوى اثبات الحال ، و صف حالة راهنة إجراءات معاينة كأن يطلب من قاضي الأمور المستعجلة وصف حالة راهنة  لبضائع وردت بها أعطاب بغية مطالبة شركة تأمين مثلا بدعوى أصلية بالتعويض أو لمحصول زراعي أصابه تلف لبيان سببه من أجل تهيىئ الدعوى الرامية الى التعويض المناسب من ذلك الضرر . أو كأن يطلب المدعي من قاضي الأمور المستعجلة اجراء معاينة على عقار يخشى انهياره أو على بناء حصل  فيه حريق لمعرفة أسباب الحريق و المصاريف الازمة لاصلاح التلف الذي حصل بسببه [34].

2 – الصعوبات المتعلقة بتنفيذ الأحكام :

تعرف صعوبات التنفيذ بتلك المنازعات المستعجلة المتعلقة بالتنفيذ و التي يرجع أمرها الى القضاء الاستعجالي ليقضي فيها بإجراء وقتي و هو وقف التنفيذ أو الاستمرارية فيه ، كما أن منشور وزارة العدل ، نجده يفسر كلمة الصعوبات التي وردت في الفصل 149 من قانون المسطرة المدنية  بأنها كل الإجراءات التي يمكن اتخادها و كل المنازعات التي يمكن اثارتها سواء في الجوهر أو الشكل بين الأطراف أو من طرف أشخاص اخرين . كما ينبغي التمييز بين صعوبات تنفيذ أو عدم صحة أو يتأويل و تفسير الأحكام التي بطبيعة الحال تخرج عن نطاق اختصاص محكمة الموضوع ، طبقا للفصل 26 من قانون المسطرة المدنية  [35]و بين الصعوبات الوقتية المتعلقة بتنفيذ الأوامر التي يختص بها قاضي المستعجلات باتخاد اجراء وقتي لمعالجة الأشكال الواقعي أو القانوني يعترض تنفيذ الحكم ، مثلا كحالة إقامة زفاف أو مأتم في دار حكم على صاحبها بالافراغ أو كافلاس تاجرمحكوم عليه بالتنفيذ .

3 – الحراسة القضائية :

حسب الفصب 818 من قانون الاتنزامات والعقود الذي أعطى تعريفا للحراسة بكونها ” إيداع الشيء المتنازع عليه بين يدي أحد من الغير يسمى حراسة . ويجوز أن ترد الحراسة على المنقولات أو العقارات ،و هي تخضع لأحكام الوديعة الاختيارية ” .

و عليه ، فان الحراسة القضائية هي ذلك الاجراء التحفظي لا يمس أصل الحق ، و يتمثل في الايداع المادي للشيئ موضوع النزاع بين يدي الغير ، و يأمر به القضاء بناء على طلب واحد أو أكثر من ذوي المصلحة ، و في حالة قيام النزاع بينهم على ملكية أو حيازة منقول او عقار .

و تعتبر الحراسة القضائية من أهم تطبيقات القضاء المستعجل و هي اجراء تحفظي مستعجل لحماية الحقوق المتنازع عليها ، و قد ازدادت أهميتها باعتبارها عاملا لصيانة الاستثمارات الكبرى التي تمخضت عن الطور الاقتصادي الحديث [36]

و يشترط لقيام الحراسة القضائية ، وجود نزاع جدي بين المالكين ، أو الحائزين للشيئ ، كحصول خلاف بين الشركاء على ادارة ملك شائع ، فتقوم الحاجة الى تعيين حارس قضائي على هذا المال في انتظار عرض النزاع على القضاء الموضوعي و الفصل  فيه لتعيين صاحب الحق ، و تعتبر شرط الجدية  في النزاع أو عدم جديته من الأمور الواقعية التي تدخل في اطار السلطة التقديرية لقاضي المستعجلات دون رقابة من محكمة النقض . كما يشترط أن يكون المال  المتنازع عليه قابلا للوضع تحت الحراسة ، فلا يكون من الأشياء القابلة للتلف بطبيعتها ، و أن تكون الحراسة هي الوسيلة الضرورية للحفاظ على المال المتنازع عليه ، و قد ورد بأحد قرارات محكمة النقض بهذا الصدد أنه ” اذا كان من الثابت من وثائق الملف أن طالب الحراسة القضائية لم يبرز في طلبه عنصر الخطر الحاصل الذي يهدد الحق المراد المحافظة عليه و أنه سبق له أن استصدر قرارا باجراء تحفظي على ذات الحق ، و هو كفيل بحمايته فلا داعي للأمر بالحراسة القضائية التي تعتبر من الاجراءات الخطيرة التي لا بمكن الأمر بها الا في الحالة التي تكون هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على الحق [37]

 

ثانيا : الحالات المستعجلة الواردة في النصوص الخاصة :

 

تضمن القانون المدني حالات أخرى  لاتخاد تدابير استعجالية لحماية الحقوق المهددة أو المعرضة للضياع ، و من الأمثلة على ذلك الدعاوي المتعلقة بالكراء على اعتبارات ان أي التزام يقع على عاتق المكتري ، هو التزام بتسليم العين المكتراة صالحة في الميعاد المحدد مع الحفاظ عليها و صيانتها أثناء مدة الانجاز . إلا أن المكتري في بعض الحالات يتقاعس في اجراء الاصلاحات الضرورية المكلف بها ، و هو ما أشار اليها المشرع في الفصل 638 من قانون الالتزامات و العقود [38] و التي تعطي الحق للمكتري في اللجوء الى قاضي المستعجلات لإلزام المكري بالقيام بالاصلاحات الضرورية لحفظ و صيانة العين المكراة أو السماح له باجرائها و خصم مبالغها من أجرة الكراء .

و كذلك  من الحالات الأخرى التي يمكن لقاضي الأمور المستعجلة التدخل فيها ما نص عليه الفضل 302 من قانون الالتزامات و العقود [39] الذي يعطي حق اللجوء لقاضي المستعجلات للسماح ببيع الشرئ المحبوس المعرض للهلاك أو الضياع و ممارسة حق الحبس على الناتج من ثمن البيع .

و تبقى حالات اختصاص قاضي المستعجلات من المجالات الواسعة التي يستحيل حصرها بنصوص خاصة ، لذلك منح المشرع لقاضي المستعجلات سلطة البث في كل اجراء مستعجل لم يرد بشأنه نص خاص طبقا لمقتضيات الفصل 148 من قانون المسطرة المدنية .

اسماعيل الورايني
باحث بكلية الحقوق بطنجة

 

[1] تطور القضاء الاستعجالي مع مجيئ الثورة الفرنسية في القون الثامن عشر ، و كانت المسائل المستعجلة التي يطلع بها القضاء الاستعجالي في بداية ظهوره هي تلك المتعلقة بمشاكل التنفيذ الى أن صدر قانون المسطرة المدنية سنة 1806 حيث اتسع مجال القضاء الاستعجالي و تحول الى نظام قضائي مستقل |، و من أوائل الدول العربية الذي عرفته جمهورية مصر العربية و المملكة المغربية حيث صدر أول ظهير ملكي متعلق بالاجراءات المدنية سنة 1903 .

[2]  عبد الكريم الطالب : مرجع سابق طبعة 2015 ص 110

[3]  الفصل  149 من قانون المسطرة المدنية

[4]  الفصل 170 من ق م م

[5]  الفصل 203 من ق.م.م

[6]  الفصلان 222 و 230 من ق.م.م

[7]  محمد علي راتب و من معه : قضاء الأمور المستعجلة ، الجزء الأول ، طبعة 1958 ص 50 ، و كذا محمد عبد اللطيف : القضاء المستعجل الطبعة الثالثة 1968 ص 57

[8]  الطيب برادة : التنفيذ الجبري في التشريع المغربي ، طبعة 1988 ص 145

[9]  عبد العزيز توفيق : ” موسوعة قانون المسطرة المدنية و التنظيم القضائي ، الجزء الثاني ، طبعة 2011 ص 464

[10]  أنظر مرجع جواد أمهمول : الوجيز في قانون المسطرة المدنية ، مجموعة القانون المسطري ، الجزر الأول ، مطبعة الأمنية الرباط طبعة 2015 ص 147

[11]  الفصل 149 من ق.م.م

[12]  أنظر عبد العزيز توفيق : مرجع سابق ص 465

[13]  أستاذناعبد العزيز توفيق ، مرجع سابق ص 465

[14]  الفصل 152 من قانون م.م

[15]  عبد العزيز توفيق ، شرح قانون المسطرة المدنية و التنظيم القضائي ، ج 1 ، طبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، ص:72

[16]  عبد الحكيم فودة ، الدفع بانتقاء الصفة و المصلححة في المنازعات المدنية ، طبعة 1997 ص 9

[17]  الفصل 1 من قانون المسطرة المدنية

[18]  المادة 206 من مدونة الأسرة

[19]  المادة 207 من مدونة الأسرة

اسماعيل الورايني: باحث بكلية الحقوق بطنجة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق