fbpx
خاص

كورونا يقتل “هتلر” أشهر ساحات البيضاء

اختفت طوابير زبناء “الشباكية” بدرب البلدية والباعة الجائلون وحدهم يقاومون الحجر الصحي

قبل كورونا… كان زوار درب البلدية بدرب السلطان بالبيضاء ينصحون، خلال شهر رمضان، بتعطيل حاستي الشم والسمع إلى حين أذان صلاة المغرب، وفي حال الإخلال بذلك يتحمل الصائم رائحة تبعات شهية من “شباكية هتلر” وزيتون يسيل ما تبقى من لعاب الصائم، أو يسمع ما طاب له من سب وشتم “المترمضنين”.
أما الآن، فلا يمكن المرور بدرب البلدية، دون الشعور بالحزن والشفقة، فأهم المشاهد في الحي العتيق اختفت، والسكان يتذكرون مشهد زبائن يصطفون في طابور ممتد أمام محل يوجد في زنقة مولاي إسماعيل بحي الأحباس، ويمدون أياديهم إلى أعلى صوب صاحبه، أملا في الحصول على قدر من “الشباكية”، بطريقة تشبه تحية كان يؤديها هتلر.
لم يصمد درب البلدية، مثل باقي الأحياء أمام تداعيات كورونا، فطقوس الدرب الشهير الذي يشبه كثيرا أحياء مسلسل “ليالي الحلمية” لمؤلفه المصري أسامة أنور عكاشة، اختفت، فالوباء أثر على الأحداث اليومية المتشابكة، والعلاقات الاجتماعية الغريبة، ولم يتبق في الدرب إلا ديكور بنكهة المعمار القديم، حيث الأزقة الضيقة والمتشعبة تتخللها حركة سير فريدة من نوعها.. إنه درب البلدية الذي عجز المخرجون السينمائيون عن سبر أغواره الشيقة، حتى أن بيضاويين أصيبوا بحمى التعلق به، فتراهم يواظبون، يوميا، على زيارة دروبه والغوص في متاهة أزقته، ثم جاءت الجائحة لتعبث بتفاصيل الحياة به.
ويقول أحد الشباب بالحي، إنه طالما كان يقضي ساعات في رمضان الماضي متأملا مشهد الأيادي الممدودة إلى أعلى وينتابك شعور كأنك أمام صور لجنود ألمان يقفون إجلالا للرايخ، وهذا ما جعل أغلب البيضاويين، وسكان درب السلطان على وجه الخصوص، يطلقون لقب هتلر على صاحب المحل، وعلى الحلوى التي يبيعها “شباكية هتلر”.
ورغم أن المحل موجود غير بعيد عن قيسارية “الحفاري” التي تعج بمحلات “الشباكية” ومختلف أنواع التمور والعصائر والألبان وكل ماتشتهيه الأنفس خلال هذا الشهر المبارك، فإن إصرار عدد من الزبائن على اقتناء الحلوى كل سنة من عند “هتلر”، جعل الفضاء مثل ساحة للذكريات الجميلة التي أتت عليها جائحة كورونا.
أحمد، رجل خمسيني، اعتاد اقتناء “الشباكية” يعيد التذكير بأن صاحب المحل الملقب ب”هتلر” توفي منذ سنوات وواصل أبناؤه السير على منواله دون أن يغيروا “عتبة الرزق”، أي محل البيع رغم ضيق مساحته. يتذكرالمتحدث أن “هتلر” كان يبيع “الشفنج” في البداية ، قبل أن يذيع صيته مختلف أرجاء المدينة وخارجها في ما بعد بسبب “الشباكية” العجيبة التي يعرضها.
ويسخر أحمد من “شباكية هتلر” التي هزمها كورونا، بعدما كان منافسوه يلجؤون إلى حكايات غيبية وخرافية أحيانا لتفسير سر جذبه للزبناء الذين يفدون عليه، حتى من خارج البيضاء، ويعتبرون أن “هتلر” استعان في سبيل تفوقه على منافسيه بخدمات  “فقيه” كي يحظى ب “القبول” ويشد إليه الزبناء، ودفاع آخرين عن الشباكية التي اكتسبت شهرتها لخصائص تميزها عن سواها، ليس أقلها أنها تصمد لشهور أمام عاديات الزمن و لا تفقد طراوتها التي يحرص من يزين بها مائدة الإفطار على السعي إليها كلما حل شهر رمضان.
ولأن هتلر درب البلدية كان سخيا، فإن إغلاق محله بسبب كورونا أدى إلى عطالة عدد من الشباب الذين ارتجلوا، في السنوات الأخيرة، في الحي الذي يوجد فيه المحل حرفة تتيح لهم الحصول على دخل محترم ، فقد اهتدوا إلى إحداث “مارشي نوار” يقوم على شراء “الشباكية” من صاحب المحل، وإعادة بيعها لقاء هامش ربح محترم للزبناء الذين يتحاشون الانتظار في ذلك الطابور الطويل، بل إن ثمة من النساء و الرجال كانوا يرابضون أمام المحل، حيث يبيعون أوعية بلاستيكية، تعبأ فيها “الشباكية”، خاصة أن العديد من الزبناء يشترون العديد من الكيلوغرامات.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى