fbpx
بانوراما

يوميات درب مولاي الشريف 7 … من درب مولاي الشريف إلى غبيلة

قاضي التحقيق اكتفى بسرد التهم الثقيلة ولم يكن يهتم بمعرفة الجواب

ذاكرة محمد فكري، أحد قيدومي مناضلي اليسار الجديد، تشبه مجلدا ضخما، بقي على الرفوف. كان قدر هذا المناضل الكتوم، الفاعل خارج منصات التناظر والخطابة، أن يعيش ويرافق، منذ بداية شبابه، جل محطات الانعطاف في تاريخ الحركة الوطنية التقدمية واليسارية.
“الصباح” فتحت سجل ذاكرة هذا المناضل شديد التواضع، والذي عاش على مدى أزيد من نصف قرن، شاهدا صموتا على تحولات كبرى في جسد اليسار التنظيمي، وفي خطه السياسي، وفي تجدد أجيال من مناضليه، من خلال حلقات يستعيد فيها بعض الشذرات المتفرقة من أيام وليالي درب مولاي الشريف، والتي تشكل مقدمة لكتابة مذكرات تعزز خزانة ما يعرف بـأدب السجون، وهي حلقات لا تخلو من حكي يمزج بين السخرية اللاذعة والإيمان القوي بالقضايا التي اعتنقها جيل من الشباب، وأدى في سبيلها ضريبة الاعتقال لسنوات، في مرحلة ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص.
إعداد: برحو بوزياني

بعد كتابة المحاضر وطبخ التهم وتكييفها، أخبرنا قدور اليوسفي بأننا سننقل للسجن، وقد استبشرنا خيرا بهذا، لأننا أخيرا ستبصر أعيننا ضوء النهار ، وربما تستدفئ أجسادنا بأشعة الشمس التي كدنا ننسى شكلها ولذة دفئها.
اخذنا نتخيل شكل عيوننا وردة فعلها، حين تقع على ضوء النهار وتواجه أشعة الشمس لأول مرة، بعد أن حرمنا منها لما يقرب من سنة..
في أحد الصباحات، حلقوا لنا شعر رؤوسنا التي كانت مرتعا للقمل يسرح فيها على هواه، ثم بعد ذلك، سلموا لنا الملابس التي كنا نرتديها حين اختطافنا، وقد كنت أرتدي قميصا اشتراه أحد الرفاق من سوق الملابس المستعملة شبيه لما يرتديه الجنود، وبسببه، أكلت “طرحة ديال للعصا” وسب وشتم وأسئلة عن مصدر هذا القميص، ومن أين أتيت به، ولم يريدوا الاقتناع بما قلته، ربما كانوا يظنون، أو يعتقدون، أنني أنتمي الى خلية عسكرية.
وعلى ذكر ما حدث لي مع القميص العسكري، أتذكر في بداية وجودنا بالمدرب، أتوا في أحد الصباحات، أو الليالي، فلا فرق لدينا بينهما، وبدؤوا في جمع أنواع من الأحذية، وأخذ أصحابها لاستجوابهم والتحقيق معهم حول مصدرها ومن أين اقتنوها.
في ذلك الوقت، انتشر نوع من الأحذية خفيفة وعملية، تتشابه في اللون والشكل (الدان)، بالصدفة كان عند العديد من الرفاق المختطفين هذا الحذاء. وربما ظنوا، أو شبِّه لهم، أنه ليس صدفة أن يكون هذا العدد من الناس ينتعلون الحذاء نفسه شكلا ولونا
أغلق هذا القوس، وأعود لأقول، سلمونا ملابسنا وشحنونا في سياراتهم، ووجدنا أنفسنا في قبو محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مكثنا هناك لساعات، ثم أخذونا وأدخلنا لأحد المكاتب، وجدنا شخصا جالسا وراء مكتبه وأمامه أكوام من الملفات، بادرنا بالقول “أنتم الآن أمام قاضي التحقيق، اطمئنوا ولا تخافوا”. وبدأ في سرد التهم: أنت فلان الفلاني، متهم بمحاولة قلب النظام، والمس بالأمن الداخلي للدولة، وتكوين جمعيات سرية هي “23 مارس، ولنخدم الشعب، وإلى الأمام، وطبع وتوزيع منشورات من شأنها الإخلال بالأمن العام”.
الحقيقة أقول، صدمت بهذه التهم الثقيلة، وساورتني الشكوك بأن الذي قرأ علي هذه التهم، هو فعلا قاضي التحقيق همه الوصول للحقيقة، لقد اكتفى بسرد التهم الثقيلة، ولم يكن يهتم بمعرفة الجواب أو تحري الحقيقة، من هنا أخذنا الى سجن غبيلة، وللعلم فغبيلة اسم مقبرة، على ما أظن.
كنا نتوهم أن المعاملة في السجن ستختلف، شكلا على الأقل، على ما كانت عليه في درب مولاي الشريف، ولكن سرعان ما تبدد هذا الوهم، حين وجدنا في استقبالنا رئيس حراس الحي، الذي سنقيم فيه والذي يسمونه، ويا الغرابة ” الحي الأوربي”، هذا الشخص اسمه العاود، ضخم الجثة طويل القامة يمضغ الكلمات، مما يجعل فهم ما يتفوه به صعبا، ومعه رئيس الحراس اسمه الصبان، من لهجته فهمنا أنه مراكشي. كان هذان الشخصان يزعقان بصوت مرتفع، قصد إثارة الرعب في أنفسنا، وللتدليل أن لا فرق بين مخفر درب مولاي الشريف وسجن غبيلة في طريقة المعاملة.. نحن في الحقيقة، قابلنا طريقة استقبالهم بالابتسامة والسخرية. كان أحد رفاقنا يحمل في يديه مصحفا سلم له في مولاي الشريف، ولما رآه العاود خطفه منه بطريقة همجية، وبزعيق شبيه بصوت الذيب، بما مفاده أننا هنا لا حرمة لدينا لأحد، سواء حمل في يديه قرآنا أو أنجيلا أو زبورا أو أي شيء آخر.
قالوا لنا “الآن ستذهبون للحمام”، واعتقدنا أنهم يريدوننا أن ننظف أجسادنا من وسخ مخفر درب مولاي الشريف، ولكنهم دخلوا معنا لما سموه حمامات، وطلبوا منا إزالة ملابسنا، واحتفظنا بما يستر العورة، فزعق العاود “حيدو كل شي حتى السليب”، ظنا منهم أنهم سيهزموننا، ويجعلوننا نفقد الثقة بأنفسنا، والعكس هو الذي حدث، هذه المعاملة الهمجية، زادتنا إصرارا على المقاومة وعدم الاستسلام
من هنا سأبدأ يوميات غبيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى