fbpx
مقالات الرأي

بوسلات: صفعة كورونا وإعادة بناء الرابط الاجتماعي

يعد الرابط الاجتماعي شرطا ضروريا لبناء وتشكيل سلوك الفرد والمجتمع، هذا الرابط يستوجب ترابط الأفراد ويفترض دخولهم في إطار علاقات اجتماعية وأشكال متنوعة من التفاعل، كما أن له أهمية كبرى في تكوين شخصية الفرد. ففي الترابط الاجتماعي يتحقق التعامل والتفاعل العقلاني والحسي والإرادي ويحدث التأثير المتبادل بين الأفراد سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو ورش العمل…كما ينتج عن ذلك مجموعة مشتركة من الاتجاهات والمواقف، إن هذه العلاقات ترافق على الدوام وتسهم في بناء شخصية الفرد، خاصة عند الأطفال، إذ في عام 1958 نشر عالم نفس النمائي جون باولبي بحث يحمل عنوان “طبيعة رابطة الطفل بأمه” إذ استخلص أن هناك روابط إنسانية تقود إلى رابطة الأمومة بعيدا عن هرمون Oxytocin أو الرضاعة الطبيعية، وهو رابطة الاتصال الاجتماعي. نفس الأمر ذهب إليه أصحاب نظرية الاتصال، خاصة باولبي الذي اقترح أن الأطفال الصغار لديهم حاجة داخلية منذ ميلادهم ترشدهم إلى الارتباط العاطفي أو الرابطة الاجتماعية التي نريد من فرص النجاة وتكوين شخصية سليمة لأنها تضمن لهم تلقيهم العناية والرعاية التي يحتاجون إليها باستمرار. وباعتبار أن ما يعرفه العالم من تطورات بسبب سيطرة التقنية وكثرة الانشغالات المادية، أصبحت هذه الروابط بين الأبناء وآبائهم تكاد تنقطع وتتفكك، فإذا نظرا إلى المدة التي يقضيها أفراد الأسرة الواحدة في التواصل بينهم نجدها ضئيلة جدا، وفي بعض الأحيان منعدمة أو تكون فقط عند تناول الوجبات، بل حتى المناسبات والأعياد التي كانت في السابق تعرف تفاعلا وتاصلا واحتكاكا بين الأسر والعائلات الممتدة، نجدها اليوم انهارت وانحلت بفعل كثرة الانشغالات وهيمنت الفردانية، هذه الأخيرة التي اعتبرها الفيلسوف الفرنسي صاحب كتاب “الديمقراطية في أمريكا” سببا في اضطهاد الأفراد وعيشهم تحت شقاء وتسلط المجتمعات الحديثة. ويقول في هذا الصدد “أريد أن أتخيل الصفات الجديدة التي سيرجع بها الاستبداد إلى العالم، فأرى حشودا هائلة من أناس نتشابهين ومتساويين، ينشغلون بأنفسهم بلا كلل ولا ملل من أجل الحصول على ملذات صغيرة ومبتذلة تسحود على أرواحهم. كل واحد منهم يعيش منعزلا كأنه غريب عن مصير الجماعة” وفي ظل هذه الفوضى والسعي إلى تحقيق انعزالية الأفراد، نجد ما يقع اليوم بسبب فيروس كورونا، بمثابة صفعة ووقفة تأمل الإنسان لنفسه، لمصيره، لوجوده وعلاقاته المعتلة! إنها درس في الحياة؛ صفعة قوية أيقظت أولئك الذي كان همهم الوحيد هو إمتاع أبنائهم بالأكل والشرب والملبس والملذات المادية، في حين أن كل ذلك لا يجدي في تحقيق المتعة الحقة، إذ نسي هؤلاء أن هذه الحاجيات ليس ذي أهمية كبرى مقارنة بحاجته إلى الحنان والحب والقرب. الآن سيشكرون الساعة السعيدة التي اجتاح فيها فيروس كورونا العالم نعم تأكدة من ذلك حين سمعت أطفالا بلغة البراءة يهتفون “حبيبكم مين,,,كورونا…بتحيبوا مين …كورونا…” نعم هي حقيقة مرة، وهنا يكمن إشكال آخر يستدعي الدراسة والتحليل ألا وهو علاقة وتمثل الطفل للمدرسة.
الآن وفقط سيتعرف الأب والأم عن آبائهم وسيتواصل أفراد الأسرة الواحدة؛ الآن وفقط سيعود ذاك الزوج الذي كان يقضي معظم أوقاته متسكعا في الشوارع والمقاهي إلى حبيبته التي عاشت الويلات في صمت؛ وسيعود ذاك الولد الذي تعتبر البيت بالنسبة له فندقا ليس إلا، بمجرد أن يملئ بطنه يتيه مع أقرانه في الشوارع وتناديه أمه ولا حياة له، الآن وفقط ستحيى تلك الحياة القديمة الجديدة. لكن ما أخشاه هنا أن يقع العكس، حين تنكشف العلاقات الهشة المتجلية في القدرة على تحمل بعضنا البعض بين أربع جدران، نتساءل هنا معكم: ما نوع العلاقات التي ستسود ما بعد جائحة كورونا؟ هل سنستفيد فعلا من هذه المحطة المفروضة والتي سنقف فيها لأخذ قسط من الراحة كما هو الأمر كذلك بالنسبة للطبيعة التي مارسنا عليها همجيتنا وقذارتنا، وإعادة النظر في روابطنا أم أن الجواب عكس ذلك؟؟؟
كل الفرضيات تبقى صحيحة مادام الأمر في بدايته. لكن ما يمكن الاتفاق حوله هو أن الروابط الاجتماعية والآثار المتبادلة بين الأفراد تنشأ من طبيعة اجتماعهم وتبادل مشاعرهم واحتكاكهم ببعض، وتعتبر هذه الروابط الاجتماعية من أهم ضرورات الحياة. الشيء الذي أكده صاحب كتاب المقدمة عبد الرحمان بن خلدون حين قال ” إن المجتمع وعمرانه لا يمكن أن يظهرا إلى الوجود من خلال تفرق جهود الأفراد وتبعثرها. فالإنسان الذي يدرك بفطرته سبل عيشه، يدرك كذلك بالضرورة تعاونه مع بني جنسه. إذ ليس في مقدور كل واحد أن يوفر حاجاته لنفسه. إن ذلك بفرض ويتطلب تعاونا وترابطا بين الناس”.
لقد كان مؤسس علم الاجتماع إميل دوركايم محقا حين اهتم بدراسة علاقة الفرد بالمجتمع، في وقت كانت تنمو فيه روح الفردانية، إذ طرح ثنائيته الشهيرة، الرابط/التضامن الذي يقوم على التشابه المميز للمجتمعات الانقسامية البسيطة وأسماه بالتضامن الآلي أو الميكانيكي، والتضامن/الرابط القائم على الاعتماد المهني المتبادل في المجتمعات ذات النظم الأخلاقي الكثيف. والذي أسماه بالتضامن العضوي. وبالنظر إلى تفاعل المغاربة وتضامنهم باختلاف أنواعه مع الأشخاص المتضررين بسبب جائحة كورونا، أو في تقديم المساعدة في إيصال الأغراض المنزلية، وفتح شبكات الويفي wifi للتلاميذ الجيران للاستفادة من التعليم عن بعد، وأشكال أخرى من التضامن عبر من خلالها الكثير من الشباب في صفحات الفيسبوك، وإعلان بعض أثرياء البلد المساهمة بقدر مهم من ثروتهم لصالح الصندوق الذي أحدثه الملك محمد السادس بشأن تدبير جائحة كورونا، لخير دليل على ما أشرنا إليه سابقا. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن للرابط الاجتماعي أمرا عظيم الشأن بوصفه مصدرا للقوة والمقاومة، ذلك أن الكائن البشري عاجز على أن يعيش وينمو ويتطور خارج المجتمع، إنه كائن اجتماعي يتضامن مع الآخرين للحفاظ على بقائه، كما أكد ذلك الكثير من المفكرين وعلماء الاجتماع، وتشكل الثقافة هنا الأرضية التي يتغذى بها المجتمع لكونها تساعد وتسهم في ترابط الجماعة وحسيين علاقاتها، فكيف إذن ستكون مرحلة ما بعد الجائحة؟ كيف ستصبح علاقاتنا وروابط؟ ما هي الدروس التي يمكن أن نستفيدها؟ كيف ستكون علاقاتنا مع الطبيعة، مع التقنية، مع العلم والثقافة، مع الأنا الآخر؟؟

عمر بوسلات: باحث اجتماعي سلك الدكتوراه، أستاذ مادة الفلسفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى