fbpx
خاص

“با صالح”… مدمن مقهى

يجد “با صالح”، متقاعد في أواخر الستينات من العمر، صعوبة في التكيف مع الوضع الجديد، بعد قرار السلطات إغلاق المقاهي إلى أجل غير مسمى. يشعر بالرتابة والتيه في حياته، رغم مرور يوم واحد على تفعيل هذا القرار، بعد أن كانت المقهى متنفسه الوحيد.
يتذكر ” با صالح” بتأثر لحظات إغلاق المقهى مساء الاثنين الماضي، إذ كان يرتشف ما تبقى من قهوته بتوتر وهو يعاين مستخدمي مقهى الحي يقومون بجمع الطاولات والكراسي إيذانا بإغلاقها. أنهى تدخين سيجارته الأخيرة، وقصد النادل وسلمه 10 دراهم وطلب منه الاحتفاظ بالباقي.
اختلطت لدى “با صالح” كل الأحاسيس، حزن وتعاطف مع مستخدمي المقهى، بسبب مصيرهم المجهول، وخوف من المستقبل، بحكم أن قرار الإغلاق المقاهي بداية لا تبشر بالخير وتكشف أن الوباء يزحف رويدا رويدا.
كما يقول المثل، مصائب قوم عند قوم فوائد، تلقت زوجة “با صالح” خبر إغلاق المقهى بفرح شديد، إذ حوله إدمانه عليها إلى غريب عن المنزل، الذي يلجه دائما متأخرا.
بالنسبة لـ”با صالح” كانت المقهى ملاذه الأخير بعد تقاعده، يمضي أغلب أوقاته فيها، مستغلا مجانية الأنترنت، حيث يسافر عبر هاتفه المحمول إلى عوالم أخرى لساعات، ولا يعود إلى عالمه الحقيقي إلا بعد تدخين نصف علبة سجائر، واحتساء قهوته كاملة، وبعدها يغادر إلى منزله لتناول وجبة الغذاء ثم يعود إلى مقهاه عصرا.
الآن تغير كل شيء لدى “با صالح” بعد قرار الإغلاق، صباح أول أمس (الثلاثاء)، كان أشبه بمدمن، يبحث عن مخدر مهما كلفه الثمن. حاول التعامل مع الأمر بشكل عاد، كأنه في رمضان، لكنه تراجع عن فكرته في الحال، إذ في هذا الشهر العظيم تفتح المقاهي أبوابها بعد الإفطار، أما الآن، فقد أغلقت إلى أجل غير مسمى.
حاول “با صالح” التكيف مع الوضع الجديد. أعد فنجان قهوة بمنزله، تذوقها، إلا أنها لم ترقه، بحكم أنها ليست بجودة ما يحتسيه في المقهى، ومع ذلك تقبل الأمر، قبل أن يتوجه إلى دكان وطالبه بتعبئة 10 دراهم الخاصة بالأنترنت، وقصد حديقة مجاورة للحي، وانزوى بعيدا عن الناس.
لم يكترث “با صالح” بنصائح البقاء في المنزل للوقاية من المرض، بحكم أن سنه يقترب من السبعين، ما يشكل تهديدا جديا على حياته، فهو يكره عزل نفسه داخل جدران المنزل لساعات، لهذا يصر على البقاء خارج المنزل رفقة كوب القهوة وعلبة السيجارة وهاتفه المحمول.
في المساء، وبعد تناول وجبة العشاء، يعيد الكرة أمام باب منزله، وهذه المرة بحضور أصدقائه والجيران، يعقدون جمعا يتجاوز ستة أفراد، للحديث في كل شيء، من مستجدات مرض “كورونا” إلى أتفه موضوع، يستمر النقاش إلى حدود منتصف الليل، وبعد ارتشاف قهوته، يغادر “با صالح” إلى النوم في انتظار يوم جديد.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى