أســــــرة

قافزين … الراجي حولت حجر عثرة إلى سلم نجاح

«إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر…”، بيت من قصيدة الشاعر أبو القاسم الشابي التي صارت رمزا للأمل والعزيمة، يمكن إسقاطها على حالة الطالبة لطيفة الراجي، التي أكدت أن الإعاقة ليست في الجسد بل في الفكر، وحينما يكون العقل متنورا ينجلي الألم ويحل محله الأمل لتحقيق النجاح وإثبات الذات.
هي شابة ليست كباقي الشابات اللواتي يستسلمن لإعاقتهن، بعدما استطاعت تجاوز الصعاب والحصول بإرادتها القوية وطموحها الجارف على شهادة الدكتوراه في الأمن المعلوماتي من جامعة القاضي عياض بمراكش، بعد مسار دراسي طويل في عدة جامعات. ويعود الفضل حسب ما صرحت به ابنة أكادير في تصريحات إعلامية، إلى أمها التي آمنت بقدراتها ولم تدخر جهدا في تقديم يد المساعدة لها طيلة مسارها الدراسي الذي لم يكن سهلا.

طالبة في وضعية إعاقة حصلت على الدكتوراه في مجال الأمن المعلوماتي

الطريق إلى النجاح لم تكن مفروشة بالورود بالنسبة إلى لطيفة، التي دفعتها ظروف متابعة دراستها بعدة مدن، إلى التنقل بين عدد منها لتحصيل العلم من مختلف الجامعات، وما يصاحب رحلة طلب العلم من دعم مادي ومعنوي، بسبب إعاقتها الحركية التي تُصعب عليها من النطق والكتابة بشكل سليم كباقي زملائها.

بداية الحكاية

لكل قصة نجاح بداية، وبداية لطيفة كانت من مسقط رأسها بأكادير، فبعد حصولها على شهادة الباكلوريا من ثانوية الفرابي بعاصمة سوس، ثم شهادة التقني العالي من المدينة نفسها، قررت شد الرحال للالتحاق بعاصمة المملكة في رحلة لإبراز الذات سعيا لإكمال مسارها الدراسي وتتويجه بالحصول على الإجازة في إدارة الأنظمة المعلوماتية وهو ما تمكنت منه.
يقال “وراء كل رجل عظيم امرأة”، وفي حكاية لطيفة، يمكن القول وراء نجاح الأبناء آباء وأمهات، فالآباء هم الشمعة التي تحترق من أجل أن تنير طريقنا لتذليل الصعاب. فبعدما وجدت لطيفة في بداية مسارها الدراسي صعوبات وما رافق رحلة تحصيلها من عوائق أساسها أنواع من البشر لا تعترف بقدرات الآخرين، من هم في وضعية إعاقة، قررت التوقف عن الدراسة في مرحلة الإعدادي، لكن والدتها منعتها من قرار متسرع، وشكلت بتحفيزاتها ومساعداتها المادية والمعنوية مبعث حياة بالنسبة إلى لطيفة التي عدلت عن فكرة الانقطاع عن الدراسة.

احتقار وحواجز

“لا تتعثر بالحجارة التي في طريقك بل اجمعها واجعل منها سلما ترتقي به نحو سماء النجاح”، من بين الحكم التي تحفز الإنسان على عدم الاستسلام للعقبات التي تعترضه في مسار حياته، وهي الحكمة التي أخذت بها الشابة لطيفة بعدما تحدت إعاقة جسدها وإعاقة بعض من أنواع البشر الذين يؤمنون فقط بالمظاهر. “التقيت بأساتذة تفهموا وضعيتي وساعدوني كثيرا، وآخرين كانوا يقولون لي هذا ليس مكانك، فهناك مدارس خاصة بهذه الفئة، لكن أمي كانت مصرة على بقائي بجانب التلاميذ الذين يعيشون بشكل طبيعي في وسط دراسي عاد مثلهم” تحكي لطيفة. وأثناء سردها لقصة نجاحها التي تُستحق أن تُروى لجيل الشباب، عادت لطيفة بالذاكرة إلى سنوات خلت، لتكشف جانبا مظلما من أشخاص يُفترض بهم أن يشكلوا مفتاحا للنجاح وليس عقبة “هناك أساتذة عوض أن يقدموا لك يد المساعدة يعملون على تحطيمك بتصرفاتهم، أتذكر أن أحد الأساتذة خلال مرحلة الإعدادي كان يمنعني من اجتياز الامتحانات سواء الكتابية أو الشفوية بسبب إعاقتي”.

عرفان للأساتذة

ولأنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، أبت لطيفة إلا أن تعترف بأفضال الآخرين عليها وتوفيهم حقهم من الشكر، إذ كشفت أنها لن تنسى فضل الأستاذ الذي أطرها في رحلة الدكتوراه، الدكتور أحمد الإكرام، مشيرة إلى أنها تشرفت بالتعرف عليه والاشتغال معه، خاصة أنه آمن بقدراتها ومعارفها بعدما تقدمت عند أساتذة آخرين ورفضوا إشرافهم عليها.
محمد بها

أكون أو لا أكون

“مايحس بالمزود غير اللي مخبوط بيه”، من بين الأمثلة الشعبية التي ننطق بها للحديث عن معاناة ما، وهو ما يمكن إسقاطه على مسار لطيفة الذي لم يكن عاديا، بدءا من النظرة الدونية لبعض المعاقين فكريا الذين لا يؤمنون بحق الاختلاف، ومرورا بالصعوبات المرتبطة بطريقة الدراسة وتحصيل العلم ارتباطا بما تعانيه جسديا، تحكي لطيفة في تصريحات إعلامية “لم يكن اجتياز مراحلي الدراسية الأولى سهلا، خاصة عند الامتحانات، لأنني لم أكن أستطيع إمساك القلم والكتابة على الأوراق، عكس التكوين الجامعي الذي أصبحت فيه أشتغل بالحاسوب”. واستمر دعم الأم إلى أن تمكنت لطيفة من الحصول على شهادة الماستر في الشبكات والأنظمة من سطات عاصمة الشاوية، إذ التحقت بجامعة القاضي عياض بمراكش، وفي تحد شعاره “أكون أو لا أكون” حصلت ابنة أكادير بعد خمس سنوات من الجد والمثابرة على الدكتوراه، في مجال الأمن المعلوماتي حول حماية مستخدمي أنظمة الأندرويد من التطبيقات الخطيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق