fbpx
ملف الصباح

التغيير ضمن الاستمرار

استاتي يفكك بنية الحركات الاحتجاجية بالمغرب
في كتابه “الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية”، يحلل الباحث المغربي الحبيب استاتي زين الدين الحركات الاحتجاجية في المغرب علميًا، ليس باعتبارها ردات فعل جماعية على أوضاع سياسية واجتماعية معيّنة وبطرائق غير عنيفة فحسب، وإنما بوصفها ظاهرة سوسيوسياسية تعبِّر عن يقظة شعبية، وتكرس الحق في التعبير عن الرفض والاختلاف، وبلورة مواقف تجاه قضايا مختلفة، وممارسة الضغط السلمي على السلطة.
الكتاب الصادر عن المركز المغربي للأبحاث والدراسات السياسية، يتضمن فصولا عديدة، منها فصل بعنوان “من الاحتجاج على التسلط إلى سلطة الاحتجاج” يكشف فيه الباحث أن ما حظيت به بعض الحركات الاحتجاجية من عناية وانتشار على المستويين الداخلي والخارجي، بفعل عوامل ترتبط بحدّة المواجهة والعنف المتبادل بين تيارات الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية، خصوصًا أن المغرب وجد نفسه غداة الاستقلال، ومنذ اللحظات الأولى لانسحاب الاستعمار، يعيش انشغالًا وتحولًا في تحمّل الدولة دورًا كان من مسؤولية المجتمع.
لكن المجتمع المغربي، يضيف الباحث، خضع لسيرورة تحديث عنيف وموجّه وغير مستقل تدفعنا إلى البحث في أوجهها ومفارقاتها ونتائجها على الدولة والمجتمع، وصولًا إلى فهم طبيعة التغير الذي مس الفعل الاحتجاجي بانتقاله من رفض الفاعل السياسي تمظهرات القهر والتحكم في السلطة وتوجيه دفتها خلال سنوات الاحتجاج الممنوع، إلى ظهور فاعلين جدد أكسبوا هذا الفعل سلطة رمزية لها القدرة على المساءلة والضغط والتنبيه إلى ضعف الاختيارات التنموية للحكومات المتعاقبة، على نحو يشير إلى ميلاد وعي جديد، في إطار ما يمكن أن نطلق عليه المقاربة الانفتاحية على المعارضة في العقد الأخير من القرن العشرين، بضرورة بناء دولة المواطَنة، والتحرر من التبعية وإقرار الديمقراطية وتحقيق التنمية.
كما خصص الباحث فصلا بعنوان “حركة 20 فبراير ورهان التغيير في سياق الاستمرارية”، إلى تشخيص محفِّزات الحراك المغربي وتداعيات عدوى انتشاره، بتعبير صامويل هنتنغتون، من خلال تسليط الضوء على السياق العام والخاص لبروز حراك “20 فبراير”، ومكوناته الأساسية، والمطالب التي انبثقت عنه، فضلًا عن الإستراتيجية، التي نهجها النظام السياسي لمصاحبته واحتوائه، وردات فعل الحركة والمآلات التي بلغتها إلى حدود 2017.
و كان يُنظر إلى هذا الحراك في البداية، على أنه احتجاجات تقليدية لا تخرج عن دائرة المألوف، لكن حدته واستماتته واستمراريته سرعان ما ضاعفت تخوف السلطات السياسية، وحذر المجتمع الدولي، وحجم التغطية والتداول الإعلامي والإلكتروني، واهتمام المراكز البحثية. والأهم أنه أوجب إعادة النظر في جميع النظريات الأكاديمية التي تحدثت عن الاستثناء العربي، الذي حصَّن أنظمة الحكم فيها طيلة الحقب الماضية، حتى اطمأنت إلى حالة الجمود السياسي داخل بلدانها، بالموازاة مع تجديد التساؤل حول خصوصيات فضاء ظاهرة الاحتجاج والشروط الذاتية والموضوعية، التي تتحكم في اتساع مداها أو الحد من آثارها بالرجوع إلى التفسيرات، التي أنتجتها السوسيولوجيا السياسية.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى