fbpx
خاصمقالات الرأي

الأمن القانوني والقضائي … دعامة النموذج التنموي المنتظر

السؤال الذي يطرح على اللجنة كيف ستوفر الثروة في مغرب بدون موارد طبيعية؟ (2/1)

قد لا يختلف الناس حول إن المراد بالنموذج التنموي، الذي أعلن عنه في الخطاب الملكي الأخير، هو شيء آخر مختلف عن أي برنامج لأي حكومة معينة والتي هي بطبيعتها الدستورية مؤقتة، بينما النموذج التنموي له بعده المستقبلي المستدام والناقل للمجتمع من المرحلة التي هو فيها إلى مرحلة جديدة. فهو اقتصادي و سياسي وثقافي، أي مجتمعي و شامل لكل ما يدور حول المواطن. فهو بالضرورة ليس برنامجا انتخابيا تطغى عليه العمومية من جهة، والرغبة في استجلاب المواطن من جهة أخرى.

عبد الكبير طبيح *

إذا كان من غير المنازع فيه أن صلب النموذج التنموي ونواته هو اقتصادي بالدرجة الأولى، أي منظور إليه من جانب كيفية توفيره للثروة، فهو كذلك مجتمعي بالضرورة، أي منظور إليه من جانب كيفية توزيع تلك الثروة توزيعا عادلا ومكافئا للعمل والعطاء والجهد و الاجتهاد، وكيفية حمايته للحقوق الفردية والجماعية وكيفية تنفيذه للحقوق والالتزامات التي أتى بها الدستور. فهو بهذا المنظور كذلك سياسي و ثقافي.
فشموليته هي التي تضفي عليه طابع النموذج التنموي، الذي يشجع على تعزيز وتوطيد الثقة في المواطن المغربي، ليعكس بدوره تلك الثقة في كل ما يدور حوله في مجالات حياته اليومية.
لذا فإن مقاربة أحادية لهذا النموذج، بدون استحضار أنه يجب أن يؤدي الى تغيير يجعل المواطن يشعر بأنه انتقل من الوضع الذي يوجد عليه اليوم الى وضع أخر، يجعله لايشعر بكونه فاعل ومسؤول في الحركية اليومية للمجتمع الذي يعيش فيه.
وكمثال على المراد بالشعور بالتغيير:
– إحداث هيأة الإنصاف والمصالحة التي شكلت حدثا فريدا في تاريخ المغرب، عندما قبلت الدولة أن يحاسبها الجيل الذي مارست عليه كل الممارسات الماسة بأبسط حقوق الإنسان.
– مدونة الأسرة التي نقلت المرأة من الوضع الذي كانت عليه منذ بداية الاستقلال، بأن أخرجتها من قبضة سلطة الطلاق التي كانت في يد الزوج، علما مع الأسف، أن بعض قرارات محكمة النقض أفرغت عدة حقوق أتت بها المدونة من محتوها.
– القانون الذي أعطى الحق للمرأة في إسناد جنسيتها لمولودها.
هذه المبادرات هي التي تجعل المواطن يشعر بأنه معني بما تقوم به الدولة، لأنها تهتم بحل المشاكل التي يعيشها يوميا.
وليس كالمادة 2 من مدونة الحقوق العينية التي أعطت لمن يمسك عقدا مزورا الحق في أن يفرغ صاحب العقار الأصلي من ملكه بدعوى ما يسمى بحسن النية، والذي يعتبر نصا قانونا ظالما.
عبر تاريخ البشرية عرف الناس طريقين لتوفير الثروة في أي مجتمع من المجتمعات، كما عرفوا طريقتين لتوزيع تلك الثروة بعد جمعها.
الأولى، أسندت للفرد ولحريته مهام توفير الثروة وكذا توزيعها في إطار حرية مطلقة، وأعطى لهذا الخيار اسم النظام الرأسمالي، بكل تلاوينه ومدارسه.
الثانية، كانت رد فعل على الأولى، بعدما وقفت بعض المجتمعات على أن الرأسمالية لم تنجح في حماية ضعاف المجتمع، كيف ما كان نوع الضعف، فتراجعت عن حرية الفرد المطلقة وقلصت من مبادرته وحريته، وأسندت مهام خلق الثروة وتوزيعها للدولة باعتبارها الأكثر عدلا وحيادا في توزيع تلك الثروة،لكن، خارج هاتين النظريتين، لم يستطع الفكر البشري بعد أن يبدع في خلق طريق آخر مختلف نوعيا وكميا عن النظريتين المذكورتين. وإن اجتهد مفكرو الطريقتين في البحث عن الوسائل التي تجعل من كل طريقة أكثر إنسانية، أي أكثر قربا من المواطن الذي هو اللبنة الأولى التي لا بديل عنها للوجود الفعلي لأي مجتمع.

كيف سيتم توزيع الثروة؟

وإذا كان ما سبق بيانه ليس بالعلم الجديد ولا بالشيء المبتكر، فإن الجواب المنتظر من اللجنة، التي شكلها جلالة الملك من بين خيرة أبناء وطننا، تقديمه والذي ينتظر الجميع ما ستعلن عنه وما ستقترحه حول:
• كيفية إنتاج وتوفير ثروة في المغرب، الذي لا ثروة طبيعية له.
• كيف تجعل من المواطن لبنة لتوفير تلك الثروة باعتباره ثروة بشرية لا تنضب. إذا ما تم تملك استخدامها تملكا عقلانيا وأخلاقيا ومنصفا. بمعنى باحترام إنسانية ذاك المواطن واعتباره؟
• كيف ستتم إعادة توزيع تلك الثروة توزيعا عادلا و منصفا؟
لأنه لابد من أن نستحضر كون المغرب عرف عدة تجارب اقتصادية مند استقلاله، انطلاقا من الإعلاء من الحرية الفردية، الى سياسة التخطيط الخماسي، ثم إلى الرجوع مرة أخرى إلى الحرية الفردية بنظرة أخرى، في تدبير الشأن الاقتصادي.
وبطبيعة الحال فإن الخيارات المتاحة أمام اللجنة ستستحضر، أكيد، انخراط المغرب في النظام الاقتصادي الدولي واستحضار التزاماته مع باقي الفرقاء والفاعلين الدوليين والمؤسسات الدولية، الذين أصبحوا أكثر تأثيرا على الاختيارات الكبرى، ليس فقط على المغرب، بل على كل دول العالم.
وإن كان من مثال قوي على خضوع كل الدول، كبيرها و صغيرها، للنظام الدولي الاقتصادي الحالي، هو تراجع دولة في حجم الدولة الفرنسية عن تطبيق قانون صوتت عليه الجمعية العمومية الفرنسية، أي برلمانها أخيرا، و الذي أرادت فرنسا أن تفرض به ضرائب على الشركات الأمريكية الكبرى المشتغلة في ميدان التواصل الاجتماعي، إلا أنها أوقفت تطبيق القانون الذي صوت عليه برلمانها، بعد بضع كلمات صدرت عن الرئيس الأمريكي، عندما هدد رئيس الدولة الفرنسية بعقوبات اقتصادية كرد فعل إذا ما نفذت فرنسا قانون بلادها المذكور.
والنموذج الأكثر إثارة هو اضطرار دولة الصين، صاحبة أقوى اقتصاد في العالم والتي وصل نموها الداخلي في السنوات الماضية الى أكثر من 10 في المائة من الناتج الداخلي، إلى التوقيع على اتفاقية فرض فيها الرئيس الأمريكي عليها أن تشتري سلعا من أمريكا بملايير الدولارات، رغم عدم حاجة الصين إليها. بل إنها تعرف اليوم إنتاجا متزايدا في العرض أمام تدني التجارة الدولية بسبب الازمات المشتعلة اليوم وعلى الخصوص ما يقع في الشرق الأوسط.
إذ أنه في زمن الاتحاد السوفياتي، الذي كان يتقاسم الغرب النظام الاقتصادي و السياسي والعسكري، كان هذا الوضع يتيح للدول الصغيرة إمكانية اللعب بين النظامين بحثا عن تحقيق مصالح اقتصادية لنفسها ومحاولة الاستفادة من تناقضات، وتوزع العالم الى قطبين سياسيين واقتصاديين.

مواكبة تحولات المجتمع والإكراهات الدولية

هذا الوضع الاقتصادي والسياسي لم يبق له وجود اليوم، وهو ما أصبح يفرض على الدول الصغيرة أن تبرمج اختياراتها الاقتصادية أخذا في الاعتبار الاكراهات التي يفرضها الاقتصاد المهيمن اليوم، أي الاقتصاد الغربي.
مع استحضار واقع جديد، أصبح يثير الانتباه و يفرض نفسه على كل مفكري و فلاسفة الرأسمالية الذين يربطون تطور الرأسمالية بوجود نظام سياسي مبني على التعددية الحزبية، هذا الواقع هو المتمثل في دولة الصين التي تعيش على نظام غير ديموقراطي بالمفهوم الغربي، استطاعت أن تطور نظاما اقتصاديا رأسماليا منتجا للثروات بنسبة نمو لم تصل لها أي من الدول الغربية، و ذلك خارج النظام السياسي المبني على التعددية الحزبية. بل و في إطار دولة شمولية مبنية على حزب وحيد من جهة، بل حزب شيوعي من جهة ثانية.
غير أن المغرب اليوم الذي نجح منذ بداية الاستقلال في إبعاد أي تفكير في إخضاع الدولة للحزب الوحيد ولو كان حزب الدولة، كما وقع في جل الدول العربية، فإن هذا الاختيار جعله ينتقي من الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية ومن الأنظمة الاشتراكية ما اعتبره مفيدا في كل مرحلة من مراحل تكوين الدولة بعد الاستقلال.
هكذا جرب المغرب أغلب النماذج الاقتصادية، من تخطيط خماسي والى إطلاق الحرية الفردية في جميع المجالات، ليجد اليوم نفسه مضطرا إلى البحث عن نموذج تنوي جديد يواكب التحولات الكبيرة التي عرفها المجتمع المغربي من جهة، وتتلاءم مع الإكراهات الدولية على الخصوص منها السياسية التي تؤثر في القرارات الكبرى للمؤسسات المالية الدولية التي لا محيد للمغرب عن التعامل معها.
فالسؤال المطروح اليوم على هذه اللجنة وهي تقوم بالمهام التي أسندت لها هو سؤال :
•ليس أين هي الثروة، وإنما كيف ستتوفر الثروة في مغرب لا يملك ثروة طبيعية مثل باقي الدول الأخرى؟.

ثم السؤال الثاني:
•كيف ستبدع وستخلق اللجنة الطريق الأمثل لتوزيع عادل مكافئ للعمل والاجتهاد، لهذه الثروة على قلتها؟ أي كيف ستضع القواعد والآليات لتدبير الندرة؟ كما يقول الاقتصاديون، أي تدبير ثروة قليلة على حاجيات وانتظارات متعددة؟.
الجواب عن هذين السؤالين هو ما ينتظره المواطن من عمل اللجنة. أي بتعبير علماء الاجتماع الذين يأخذون من التراث الصيني أفكارهم، على اللجنة أن تبدع و تبتكر كيف يتعلم الناس صيد السمك و ليس أن نهديهم إياه؟

الخطاب الملكي شخص العيوب

ما أعتقد أن اللجنة ستخصص وقتا كبيرا للتشخيص الذي أعفى الخطاب الملكي اللجنة منه، عندما وقف على أن أوجه الخصاص هي في الإدارة بجميع مستوياتها وفي المجالس المنتخبة وفي الجماعات الترابية. أي بصفة واضحة ومباشرة في آلية الوساطة التي بين المواطن وممثليه من جهة وبين مؤسسات الإدارة بكل مستوياتها من جهة أخرى.
ثم إن الخطاب الملكي حدد كذلك أهم آلية على اللجنة أن تفرض وضعها في جميع مراحل تحرك المؤسسات المنتخبة والإدارة و مؤسسات الدولة، للضمان نجاح النموذج التنموي، وهي آلية ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالنموذج التنموي هو سؤال يتوجه إلى السلطة التنفيذية، وبالتبع لذلك السلطة التشريعية، باعتبار هذه الأخيرة هي الآلية الدستورية التي تستعملها السلطة التنفيذية، لتنفيذ ما التزمت به تجاه المواطنين الذين اختاروا الحزب الذي منه عين جلالة الملك رئيس الحكومة.

محام بهيأة البيضاء*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق