fbpx
الصباح السياسي

استبطان “الريع” ومأسسته وتقنينه

خلف نشر حكومة بنكيران لوائح المستفيدين من ريع المقالع ردود فعل متباينة، استحسن بعضها الفعل، واعتبره مندرجا ضمن جهود الحكومة في تكريس الشفافية والحكامة الجيدة، كما سبق أن وعدت بذلك من قبل، وانتقد بعضها الآخر الاقتصار على آلية النشر، دون أن تيلها تدابير عملية للقضاء على اقتصاد الريع ووضع حد لهمينة لوبيات نافذة في الدولة على الثروات الوطنية، خاصة أن أسماء كبار المستفيدين من مقالع الرمال اختفت وراء شركات.
وتشمل لائحة المقالع التي نشرها وزير التجهيز والنقل، عزيز رباح 1885 مقلعا موزعة على مجموع تراب المملكة، ويبدو من خلال جرد بسيط للأسماء المستفيدة من هذا الامتياز المكرس لأحد مظاهر الثراء، اختفاء شخصيات عسكرية ومدنية وسياسية وازنة استفادت على مدى عقود من رخص استغلال مقالع تابعة للملك الغابوي والبحري والبري للدولة، قبل أن تحولها إلى شركات عائلية وأخرى مجهولة الاسم، تفاديا لكل ما من شأنه أن يضعها موضع مساءلة من طرف الرأي العام، خاصة أن الجمع بين الثروة والسلطة يعد مؤشرا على استغلال النفوذ لجني الثروة بلا سبب، وهو مظهر من مظاهر الفساد الإداري والمالي الذي تعانيه البلاد منذ عقود، إلى درجة أصبحت معها الرشوة «السياسية» أسلوبا في تدبير الحكم، كما قال الباحث الأمريكي «جون واتربوري» الذي كتب عن «الملكية والنخب السياسية بالمغرب».
مشكل الكسب غير المشروع يطرح نفسه بإلحاح اليوم بالمغرب، ومطلوب من الحكومة، برأي فاعلين حقوقيين، أن تباشر إجراءات عملية للحد منه، تحيل ملفاته على القضاء ليقول كلمته، إلا أن مؤشرات هذا المنحى تبقى ضعيفة، إذ يبدو أن حكومة بنكيران تسير في اتجاه تكريس عبارة «عفا الله عما سلف»، كما قال بنكيران في مناسبات عديدة، أي أننا لن نتساءل عن أسباب الثراء غير المشروع، بقدر ما سيتم تكريس «الحقوق المكتسبة» لذوي النفوذ والسلطة في الثروات التي جنوها لعقود لتحويلها إلى استثمارات «منتجة» من خلال دفاتر تحملات وقوانين جديدة لتدبير هذه الثروات.
لقد سار الاتجاه العام في اتجاه استبطان «الريع» ومأسسته وتقنينه، من خلال التهييء لمشروع قانون جديد يهم استعمال المقالع، وإحصاء تلك التي تستغل بطريقة عشوائية خارج القانون، و تحديد الضريبة التي يمكن أن تستخلص منها، وفرص الشغل المحدثة بسببها…
ويطرح البعض أكثر من تساؤل حول ما إذا كان وزير التجهيز والنقل، عبد العزيز الرباح، خضع لضغوطات من جهات نافذة في الدولة للتغطية على أسماء المستفيدين الحقيقيين من مقالع الرمال، كما كشفت عن ذلك لائحة الوزارة، أو لربما كانت المدة الفاصلة بين «تهديد» الوزير بنشر هذه اللائحة، حينما نشر لائحة أخرى لمستغلي رخص النقل قبل عدة أشهر، كافية لكبار المستفيدين لتغيير أسماء بأخرى غير معروفة لدى الرأي العام»، بينما يفند مصدر مقرب من وزير التجهيز هذا الإدعاء، ويؤكد أن اللائحة، كما نشرت، كانت موجودة قبل أن تأتي حكومة بنكيران، في قاعدة معطيات الوزارة، واقتصر عمل رباح على نشرها فقط، دون أن يستبعد إمكانية إحفاء المستفيدين الكبار من رخص المقالع لأسمائهم عبر تأسيس شركات، إلا أنه يستطرد بالقول إن مهمة الإعلام والمجتمع المدني، تبقى أساسية في البحث عمن يقف وراء هذه الشركات من رجال السلطة وعسكريين وسياسيين نافذين.
إلا أن هذا المبرر سرعان ما يتهاوى أمام فرضية أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، عندما طرح أكثر من تساؤل من قبل، حول السبب الذي جعل حكومة بنكيران تتأخر شهورا، في نشر لائحة المقالع التي كانت موجودة، كما تأخر الإفراج عن دفاتر التحملات المرتبطة بالقطاع، فهل خضع بنكيران لضغط قوي من محيطه ومن جهات خارجية لتهييء شروط نشر لائحة «مبتورة وغامضة» ؟ الجواب عند رئيس الحكومة.

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق