ربورتاج

شتائل النخيل… مختبر بمعايير عالمية

طرق علمية في أكبر مختبر لإنتاج شتائل باثنين اشتوكة

واحدة من أكبر المختبرات لإنتاج شتلة النخيل، لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج سنوات من الدراسة والتجارب العلمية، فقبل نحو 10 سنوات، كان المهندس عبد الله بنجلون يبحث عن شتلات نخيل لزراعتها
في أرض اقتناها، لكنه وجد نفسه أمام ضرورة انتظار ثلاث أو أربع سنوات لإنتاج شتلات نخيل، التي يتبعها العالم المتقدم الآن، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار إنشاء مختبر علمي مختص في «زراعة الأنسجة”، وإنتاج شتلات النخيل بطرق علمية حديثة.

إنجاز : محمد بها – تصوير: عبد اللطيف مفيق (موفدا الصباح إلى اثنين اشتوكة)

من بين التساؤلات الحارقة التي جعلت المهندس بنجلون يفكر في تحويل مشروعه من حلم إلى حقيقة، لماذا على المغرب استيراد التمور رغم أنه من البلدان التي تتوفر على معايير وظروف طبيعية ملائمة لزراعة أشجار النخيل المثمرة وإنتاج كميات وفيرة من التمور؟ كيف يمكن تحسين إنتاج وجودة التمور في ظل حجم الطلب المتزايد على هذه الفاكهة المهمة؟

بداية الحكاية
يحكي بنجلون وهو يتذكر كيف تحول الحلم إلى حقيقة “لما أخذت أرضا فلاحية كنت أرغب فقط في زراعتها، وحينما شرعت في ذلك فوجئت بأن النخيل لا يوجد، وعلي انتظار ثلاث سنوات أو أربع، ولأنني مهندس فلاحي اقترح علي عدد من أصدقائي فكرة إنشاء مختبر، وهو ما شجعني على تحقيق ذلك ببنائه في اثنين اشتوكة».
وأضاف المتحدث نفسه “عقدت اتفاقية مع معهد البحث الزراعي باعتباره يتوفر على التقنية الوحيدة في العالم في هذا الميدان والتي جعلت المغرب محسودا من قبل عدد كبير من الدول، لمساعدتي في مشروع إنشاء المختبر».
وكشف بنجلون أن العالم يضم حوالي 11 مختبرا في ما يتعلق بتقنيات زراعة النخيل، من بينها سبعة في المغرب، ويظل المغرب أفضلها فعندما يرغب الشخص في إنتاج شجر من نوع “المجهول» ينجح في جعل تلك الشجرة تعطيه ثمارا 100 في المائة من نوع «المجهول» وليس خليطا، وهي الطريقة الموجودة في المغرب.

تجربة رائدة
يعتبر مختبر اثنين اشتوكة لصاحبه بنجلون، من المشروعات الرائدة في المغرب، لتزامنه مع مخطط المغرب الأخضر الذي أطلقته وزارة الفلاحة، للزيادة في عدد إنتاج التمور وتجويد أنواعها لتغطية الاكتفاء الذاتي خلال السنوات المقبلة.
ويعتبر المشروع لصاحبه المهندس الفلاحي بنجلون، تجربة رائدة للاستفادة من آلاف الأطنان من التمور المغربية وحل مشكل الاكتفاء الذاتي، واستشرافا للمستقبل لتصدير التمر وتبوؤ مكانة مهمة في الترتيب العالمي، وهي التجربة التي تنتظر التطبيق على نطاق واسع، وتعد نموذجا للاستفادة التي من الممكن أن يحققها المغرب من هذه النخلة المباركة.

تقنيات حديثة
غيرة الرجل وحبه لوطنه جعلاه يقرر إنشاء مشروع مختبر لإنتاج شتلات النخيل بأسلوب زراعة الأنسجة، وبأفضل تقنية علمية (تقنية تكاثر الأعضاء) لإنشاء مختبر لإنتاج شتلات نخيل باتباع هذه التقنية، باستثمار يقدر ب30 مليون درهم، وهو المختبر الكائن باثنين اشتوكة.
وإنتاج شتلات النخيل بطريقة زراعة الأنسجة، حسبما يوضح الخبراء في هذا المجال، هو الأسلوب الأمثل الذي يعتمد عليه العالم الآن، لإنتاج أعداد كبيرة من الشتلات في فترة زمنية قصيرة ومساحة صغيرة، مع ضمان الحصول على صفات وراثية جيدة تتطابق مع الصفات ذاتها المميزة للنخلة الأم المُراد إنتاج مثلها عبر تقنية «تكاثر الأعضاء»، هذا فضلا عن خلوها من الأمراض ومقاومتها لها، مقارنة بالطرق التقليدية القديمة، التي تعتمد على «الفسائل»، التي تنمو بجوار النخلة الأم.

قدرات خارقة
تزيد أهمية المختبر الكائن باثنين اشتوكة بإقليم الجديدة، بطاقته الإنتاجية الكبيرة، حسب المهندس بنجلون، إذ كشف أن مختبره يستطيع اعتمادا على أسلوب “زراعة الأنسجة” إنتاج 400 ألف نخلة عوض 30 ألفا في الوقت الحالي.
ويشدد المتحدث نفسه على أن الطريقة التي يتبعها المختبر لإنتاج الشتلات عبر زراعة الأنسجة فعالة في إكثار نباتات النخيل، حيث تؤدي لإنتاج نباتات بأعداد كبيرة في مكان صغير سهل التحكم فيه، وهو المختبر، كما تُنتج شتلات خالية من الفيروسات، ومن أي مرض يمكن أن ينتقل من خلال الفسائل، ويهدد زراعة النخيل.
يتميز المختبر من حيث الإمكانيات والتجهيزات العلمية والقدرة على إنتاج أصناف فائقة الجودة مطلوبة للتصدير، من بينها “المجهول” و»بوفكوس»، باتباع أفضل التقنيات التي تنتج فسائل نخيل نسيجية مطابقة للأمهات ودون أي تباينات وراثية تذكر.

معايير السلامة
الدخول إلى المختبر بعد ارتداء لباس خاص وتعقيم اليدين مكن طاقم “الصباح”، من الوقوف على مجموعة من الأمور التي تؤكد أن المشروع يتميز بمعايير دولية، إذ أن كل سنتيمتر في المختبر له مواصفات خاصة تستجيب للمعايير الدولية، بداية من مناطق الغسيل والتعقيم وحجرات تغيير الملابس، وحتى الحجرات المخصصة لنمو النباتات، مرورا بأجهزة ومعدات ضبط الإضاءة والحرارة والرطوبة والضغط…
وعلى سبيل المثال، فإن “كشافات الإضاءة التي تم تركيبها في كل حجرة من حجرات المختبر، توفر أحدث إضاءة مستخدمة في علم زراعة الأنسجة، من حيث أنها تحاكي الإضاءة الطبيعية الضرورية لإتمام عملية التركيب الضوئي عند النباتات، بهدف تسريع عملية النمو.
ويتضمن المختبر أيضا قاعة كبيرة الحجم، تعمل فيها أطر خلية نحل، قبل أن يشرح لنا المهندس بنجلون أنها مخصصة لتقطيع وإكثار النباتات، يتم تعقيم الهواء داخلها، وهو لا يسمح بمرور أي جرثومة، وهو الأمر اللازم لإنتاج شتلات سليمة خالية من الأمراض، ناهيك عن أن الهواء داخل المختبر مصفى.
ولا تقتصر معايير السلامة في مختبر اثنين اشتوكة عند هذا الحد، فمن المستحيل على غير العاملين الدخول، اللهم إلا في منطقة محدودة، يمكن أن يشاهد منها الزوار من الخارج عبر بوابة زجاجية تم تصميمها خصيصا لهذا الغرض للحد من عملية التلوث الميكروبي داخل المختبر، وذلك بعد مرورهم على منطقة عازلة يتم من خلالها إزالة الميكروبات العالقة بالملابس.

غرفة العمليات
وقف طاقم “الصباح”، على إمكانيات وحقائق مذهلة، كشفت أن إنتاج وزراعة نخيل التمور ليست بالأمر الهين، كما يظن البعض، وأن التمور عالم يحتاج إلى دراسات معمقة وتجارب علمية دقيقة للراغب في إنتاجها بوفرة وجودة.
ويعتبر المختبر ممنوعا على المتطفلين أو الأشخاص الغرباء، إذ يتم تعقيمه ولا يسمح لأي كان بدخوله ما عدا مديره وموظفيه الذين يلتزمون بمعايير السلامة المطلوبة، فالشتلات البراعم التي تم إنشاؤها في المختبر، الذي تم تجهيزه بغرف معقمة مخصصة لزراعة الأنسجة وإنتاج شتلات النخيل.
ويعتبر المغرب من بين أفضل الدول في العالم التي تنتح شتلات النخيل بأسلوب زراعة الأنسجة، لتصبح، كما يؤكد بنجلون واحدة من 11 دولة فقط على مستوى العالم تُنتج شتلات النخيل بهذا الأسلوب الاحترافي.

وزارة الفلاحة… داعم أساسي
كشف بنجلون أن عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، شكل من خلال إطلاق المخطط الأخضر تحت قيادة الملك محمد السادس، دعما أساسيا للفلاحين والمستثمرين الباحثين عن عصرنة المجال الفلاحي، مشيرا إلى أن الوزير أعطى تعليماته بدعم حاملي المشاريع الرائدة ودعمهم ماديا ومعنويا لتذليل الصعوبات أمامهم.
وأفاد بنجلون أن علاقته بالنخيل لا تنحصر فقط في المختبر العلمي، وإنما يتوفر على مشروع ثان يخص زراعة النخيل، إذ استطاع زراعة مساحات كبيرة بتافيلالت وتم دعمه من قبل وزارة الفلاحة لمساعدته وتشجيعه على السير قدما في مشروعه.

فوائد المشروع
شكل مشروع المختبر المُقام باثنين اشتوكة في توفير فرص الشغل بالمنطقة، إذ تم توظيف عدد من شبابها وهو ما حرك عجلة التنمية بالمنطقة، وهو الوقع الايجابي الذي انعكس على تافيلالت والعمال الموجودين بها في ما يتعلق بالأراضي المزروعة بها، إذ تم تشغيل سكانها المحليين وتشجيع المستثمرين في السوق المرتبطة بالنخيل والتمور.
وكشف المهندس بنجلون أن مواصلة تشجيع هذا النوع من الاستثمارات الواعدة، من شأنه تحقيق الاكتفاء الذاتي في التمور والنجاح في تصدير المنتوج المغربي إلى الخارج، وهو ما سيخلق فرصا كبيرة للشغل ومحاربة البطالة في صفوف الشباب، وسيوفر للمغرب العملة الصعبة ويحرك عجلة التنمية بالداخل.

حضانات زجاجية
في ما يتعلق بالقاعات المخصصة لنمو النباتات داخل المختبر والمسماة حجرات النمو، والتي يمكن تشبيهها بـ”الحضانات الزجاجية”، تتضمن مراحل نمو شتائل النخلة التي تستغرق خمس سنوات.
ويسعى المختبر لتجنب المشكلات التي مرت بها ولا تزال تعانيها زراعة أنسجة النخيل، بإنشاء وحدة يتم فيها إجراء تحاليل البصمة الوراثية لجميع الشتلات التي يتم إنتاجها في المختبر من أجل مراقبة جميع مراحل الإنتاج، والاحتفاظ بها للتأكد من مطابقة البصمة الوراثية للفسائل المنتجة مقارنة بالأمهات الأصلية، من أجل حماية مصالح الفلاح والاستجابة لطلباته بمعايير مضبوطة.
وتتميز قاعات إنتاج النخل بتوفير الضوء لمدة 16 ساعة و8 ساعات من الظلام يوميا، لمحاكاة الليل والنهار، لتوفير جميع الظروف المناسبة.

مرحلة ما بعد المختبر
يتميز مشروع اثنين اشتوكة، بوجود البيوت البلاستيكية ذات الاستعمال الفلاحي، التي تعتبر ملحقة للمختبر، إذ يتم فيها وضع الشتائل لتتأقلم فيها الشتلة بعد خروجها من المختبر، على البيئة الخارجية، وتوجد بها درجات حرارة ورطوبة تفصل أوتوماتيكيا لضبط درجة الحرارة طيلة الوقت، مع إخضاعها للسقي، وهو ما يعني أنها أصبحت جاهزة للتسويق.
ويتميز المشروع باثنين اشتوكة بالاستجابة للمعايير التي يطلبها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، الذي يبعث بلجانه للمراقبة والفحص، إذ تتم مراقبة الشتلة من الخلية إلى حين خروج الشتلة، وهذا كله لضمان جودة المنتوج.

آفاق مستقبلية
كشف بنجلون أن المغرب بإمكانه الاستغناء عن استيراد التمور، عن طريق تشجيع مثل هذه المشاريع الرائدة، التي ستزيد من إنتاج شتائل النخيل، ووفرة التمور، مشيرا إلى أنه إذا تمت زراعة 10 آلاف هكتار، فإن الأرباح ستصل إلى ملياري و500 مليون درهم سنويا، وهو ما سيجعل من زراعة النخيل مربحة بالنسبة إلى الفلاح والاقتصاد الوطني، وهذا ما يشجع عليه وزير الفلاحة ويحرص عليه شخصيا.
وإلى جانب خدمة الاحتياجات المحلية التي يعتبرها القائمون على المختبر أولوية، فإن بنجلون يتوقع أن يمثل مختبره إضافة كبيرة أيضا في جانب التصدير، إذ يرى أنه إذا توفرت له الإمكانيات المادية فإنه يستطيع تحويل مشروعه إلى مركز لتصدير شتلات النخيل لإفريقيا وأوربا وآسيا انطلاقا من المغرب، نظرا لما يتوفر عليه من طاقات بشرية مؤهلة، مشيرا إلى أنه تلقى عددا من العروض إلا أنه في الوقت الحالي يركز على الجانب الداخلي باعتباره المنطلق الأساسي لمشروعه الواعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق