خاص

النجاعـة القضائيـة … الهاجـس

فارس وضع إستراتيجية عمل للرفع من جودة الخدمات

وضع مصطفى فارس، الرئيس الأول لمحكمة النقض، خطة لأجل تحقيق النجاعة القضائية اتسمت بضرورة تسريع وتيرة معالجة القضايا، من خلال تطوير المحكمة الرقمية باعتماد التكنولوجيا في معالجة الملفات وتسيير الاجتماعات، وإعادة النظر في منهجية تحديد صنف القضايا وطريقة توزيع الملفات على الغرف والمستشارين، والدراسة الدقيقة للوثائق الأساسية للملفات المحالة على المحكمة باعتماد طرق علمية لتدبير المعلومة والوثيقة الكترونيا من قبل قسم الدراسات والبحوث القضائية، بغية مساعدة رئيس الغرفة في مهامه والاستغلال الأمثل لوقت المستشار المقرر وجهده وتفادي تضييع الوقت في الإحالة من غرفة إلى أخرى، وإقرار معايير محددة لتقدير أهمية القضية ووزنها، وتزويد المستشارين على الدوام وانتظام بالقرارات السابقة في المواضيع المشابهة لصلب الملف، والقوانين والاتفاقيات وبمختلف الدراسات القضائية، وتوجهات المحاكم العليا المماثلة ومساعدة أولئك المستشارين في إعداد مشاريع قرارات متسمة بالجودة وبالسرعة في آن واحد.
وارتأى فارس أنه لتحقيق تلك الغاية لابد من اعتماد الأساليب والطرق الحديثة للتوقع ومحاكاة وضعية محكمة النقض خلال فترة ثلاث سنوات وليس سنة واحدة، تفاديا للتغييرات الاضطرارية في تشكيلة الأقسام، إما بإضافة أو بالحذف مع ما يتطلب من إعادة توزيع الملفات على الأقسام، على اعتبار أن مثل تلك التغييرات تساهم في زيادة أمد البت وتناقض القرارات وبالتالي اهتزاز ثقة المتقاضين.
تم أيضا تطوير بنك المعطيات القضائية والقانونية وبالمبادئ القضائية التي استقرت عليها محكمة النقض، وتكوين المستشارين على طريق استغلالها بغية تسهيل ولوجهم إليها عند الحاجة ، تقليصا لمدة البحث عن المعلومة وبالتالي من مدة البت.

تقليص أمد التقاضي

اختارت محكمة النقض، في إطار إستراتيجيتها الجديدة، العمل على مبدأ تقليص الزمن القضائي في القضايا المعروضة أمامها، وتمكن إلى حد كبير من تجاوز تلك المعيقات، التي كانت في مخلف السنين الماضية، إذ استطاعت خلال 2018 تحقيق نتائج مهمة متميزة رغم كل الإكراهات المتمثلة في تزايد كبير في نسبة القضايا المسجلة بالمحكمة وصل إلى 80 % ما بين 2011 و2017، وهو رقم يؤشر على إقبال المتقاضين المتزايد وثقتهم الكبيرة في عدالة ونجاعة محكمة النقض.
وتزايد نسبة المحكوم الذي وصل خلال 2018 إلى 39911 قرارا، بتفعيل الحق الدستوري المتعلق بالتقاضي داخل أجل معقول، إذ وصل إلى نسبة 73 % من القضايا يتم البت فيها داخل أجل أقل.

المداولة الرقمية… تقليص الزمن القضائي

تعد المداولة الإلكترونية، التي شرعت في تدبيرها محكمة النقض، وتشكل عملية مشاركة آنية للمستندات والمعطيات الرقمية الضرورية لعملية المداولة، عبر شاشات حواسيب محمولة تكون في حوزة كل عضو بالهيأة القضائية، وعلى الخصوص مستند مشروع القرار المتداول بشأنه، مما يسهل مناقشة المشروع وإدخال التعديلات المتوافق عليها بطريقة فورية مع توقيع القرار إلكترونيا قبل إحالته على الصندوق الحديدي الإلكتروني، وتواجه المشروع صعوبات تتمثل في ضعف الثقافة الرقمية، وصعوبة تأهيل عدد مهم من العنصر البشري.
ورغم تلك الصعوبات تهدف محكمة النقض من خلال المداولة الرقمية إلى تجهيز القرار بعد النطق مباشرة لتعزيز ثقة المتقاضين والرفع من النجاعة القضائية، وتقليص المدة المطلوبة لإحالة الملف بعد البت فيه على محكمة الموضوع، وتقليص 90 في المائة من نسبة الورق المستعمل، وتسهيل الولوج للخدمات القضائية، وربح الوقت الضائع من جراء كثرة التصحيحات التي تجرى على مشاريع القرارات، وتطوير أساليب العمل من خلال اعتماد أساليب الكترونية للتداول والأرشفة.

التقاضي عن بعد

التقاضي عن بعد هو عملية تبادل معطيات التقاضي إلكترونيا بين المحكمة والمتدخلين الخارجيين يمكن معها للمحامي أن يوجه مذكرته للمحكمة كما يمكن لها أن تشعره بالإجراءات المنجزة في ملفاته عبر قنوات للاتصال، ومن أبرز الخدمات المزمع تقديمها تدريجيا في إطار التقاضي عن بعد، إجراء البحث بواسطة مراجع ملف محكمة الموضوع ومراجع محكمة النقض والحصول على كافة البيانات التفصيلية، وتتبع الجلسات والحصول على قائمة الملفات التي ينوب فيها وإشعار الأطراف بتوصل المحكمة بالملف المطعون فيه بالنقض، والمرافعة عن بعد، وتلقي الشكايات وتقديم طلبات الطعن بالنقض وتلقي المذكرات، ويتوخى من التقاضي عن بعد تقليص المدة المطلوبة لإحالة الملف على محكمة الموضوع، وتقليص حجم الورق المستعمل، وتسهيل الولوج إل الخدمات القضائية والرفع من جودتها.

الدبلوماسية القضائية

اختار مصطفى فارس، الرئيس الأول لمحكمة النقض، في إطار الدبلوماسية القضائية، التعريف بالقضية الوطنية من خلال كتاب
“وحدة المملكة من خلال القضاء” الذي أعدته محكمة النقض وساهم في إنجازه ثلة من القضاة والخبراء القانونيين والمفكرين والمختصين في التاريخ والثقافة والأدب، والذي يؤكد تلاحم المملكة المغربية ووحدة أجزائها وكيانها منذ مئات السنين.
وأكد مصطفى فارس غير ما مرة على أنها أصبحت أكثر إلحاحية أمام دقة المرحلة، باعتبارها معركة تحمل جوانب قانونية حقيقية يتعين مواجهتها بسلاح الحجة والوثيقة والدليل وهو ما لا يعوز أو ينقص، إذ يكفي التنقيب عنها والتعريف بها وطنيا ودوليا واستخدام كافة آليات التواصل واستثمار كل الفرص المتاحة من لقاءات ومؤتمرات وندوات وزيارات لحشد التأييد ومواجهة الطروحات المتهافتة لخصوم وحدتنا الترابية وهو ما سارت عليه محكمة النقض من خلال تنظيمها لندوة وطنية كبرى حول موضوع: ” وحدة المملكة من خلال القضاء” شارك فيها عدد هام من أعلام القضاء والفقه والتاريخ والدبلوماسية، الذين أكدوا من وجهات نظر مختلفة وحدة هذا الوطن وعراقته ، وتم توثيقها من خلال مؤلف قيم ترجم إلى الفرنسية والإسبانية والإنجليزية، يتم شرح مضامينه وإهداؤه لمختلف الوفود الأجنبية التي تزور السلطة القضائية، مطالبا بإنشاء مرصد وطني يعمل على إنشاء قاعدة بيانات ومعطيات تهم الوثائق والصور على اختلاف دعاماتها وإنجاز دلائل ودراسات ذات الصلة بقضيتنا والكل في إطار خطة مضبوطة بأهداف محددة ورؤية واضحة.

التعاون الدولي

في إطار الانفتاح والتعاون القضائي مع محاكم النقض الأجنبية، تم التأسيس لعدة مجالات للتعاون يتم تنفيذها من خلال زيارات متبادلة للمسؤولين القضائيين وتنظيم أيام دراسية في مواضيع ذات الاهتمام المشترك، وتمكين القضاة والموظفين من إجراء زيارات ميدانية للاحتكاك وتبادل الخبرات والتجارب.
هذه العلاقات تتوج بإبرام اتفاقيات التوأمة والتعاون مع بعض الدول، ومكنت تلك الاتفاقيات من تبادل الخبرات بين المؤسسات القضائية، والانفتاح على التجارب الأجنبية والتعريف بما شهده المغرب بعد دستور 2011، من قفزة نوعية تمثلت في استقلال السلطة القضائية. والنموذج المغربي يعد تجربة رائدة في إرساء سلطة قضائية بتركيبة متنوعة ومنفتحة واختصاصات متعددة وأدوار مجتمعية كبرى ذات أبعاد حقوقية وقانونية متميزة.

الأمن المعلوماتي

شهدت 2019 الشروع في التنزيل الفعلي لمجموعة من البرامج المعلوماتية المهنية التي تشكل النواة الأساسية للمنظومة المعلوماتية لحوسبة مساطر قضاء النقض وتدبير الملفات الرقمية، ومن أهمها برنامج تدبير ملفات الموضوع المطعون فيها بالنقض والطعون بالنقض وتسجيل الملفات لجميع المساطر.
أما بخصوص الأمن المعلوماتي فقد تم استكمال كافة الإجراءات التقنية و الإدارية لتثبيت حزمة أنظمة معلوماتية للأمن والحماية و التدقيق، مما سيعزز إمكانيات المؤسسة للتصدي للاختراقات والهجمات مع تحديد مصدر محاولات الاختراق، خصوصا مع تزايدها وتطورها، وهذا ما أبان عنه نظام التصدي للهجمات عبر البريد الإلكتروني المثبت بالمحكمة، وستمكن من إرساء بيئة معلوماتية آمنة، ضرورية لإنجاح سياسة الانفتاح للمحكمة مع جميع مكونات العدالة و محكمة النقض الرقمية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق