ملف الصباح

أريري: تفرق دم البيضاء بين الفرنسيين والإخوان

أريري قال إن مسؤولي البيضاء لهم أجندات أخرى غير هاجس تنميتها وتجويد عيش سكانها

شدد عبد الرحيم أريري الخبير في شؤون تدبير البيضاء، أن سبب محنة البيضاء وسكانها انخراط مسؤوليها في أجندات أخرى بعيدة عن تنمية المدينة وتجويد العيش فيها، على اعتبار أن الإسلاميين، الذين يحكمونها همهم الوحيد هو الوصول لمراكز القرار الوطنية والمحلية، وليس لديهم طموح في تحقيق مشاريع أو ترجمة تصورات،
بل إن الوصول إلى كراسي عمدة مدينة أو رئيس جماعة أو جهة أو العضوية في البرلمان أو الحقيبة هو هدفهم الأسمى. ولم يجد مدير نشر أسبوعية “الوطن الآن” وموقع “أنفاس بريس”، غير فرضيتين لتفسير أزمة تدبير البيضاء، إما أن الحزب الحاكم “قلبه معنا وسيفه مع معاوية ” وإما أنه “فارغ ولا أطر له، وليس فيه إلا الساقطون والفاشلون والأميون في التدبير العام»، موضحا أن المدينة وقعت ضحية الإخوان والفرنسيين، في إشارة إلى تحكم الشركات ومكاتب الدراسات الأجنبية في مصير القلب النابض للمغرب.وفي ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار : ياسين قُطيب

> رغم تعدد التنبيهات الملكية بخصوص التدبير في البيضاء، مازالت المدينة على حالها، إن لم نقل إن الأزمة تفاقمت أكثر، في وقت بدأت تتحسن فيه وضعية باقي المدن الكبرى، كيف تفسرون الأمر؟
> أزمة تدبير شؤون البيضاء كانت موجودة فعلا، لكن بعد الانتخابات الجماعية لـ 2015 وما ميزها من تصدر «بيجيدي» للنتائج، وبالتالي الفوز بمجلس المدينة وأغلب المقاطعات، جعل الأزمة تحتد وتشتد أكثر بحكم شد الحبل بين» المصباح» الدائر في فلك الإخوان المسلمين من جهة، وباقي شركاء الحقل السياسي المغربي من جهة ثانية، ذلك أن الأصوليين ” قلوبهم معك وسيوفهم مع معاوية”، بمعنى أن ولاء الأصوليين للدولة المغربية سياسي وليس ولاء مذهبيا ، وهو ما يجعل التوجس من أي خطوة يقومون بها، على اعتبار أن العقيدة الإخوانية لا تؤمن بالوطن، بل تؤمن بالأمة الإسلامية (وفي هذا الإطار سبق أن عشنا عدة مفارقات فاضحة أضرت بالمصالح الجيو إستراتيجية للمغرب في عهد بنكيران والعثماني)، وهذا ما يفسر الانحصار الذي تعيشه جل مناحي الحياة اليومية بالمغرب ، وليس فقط بالبيضاء.

> هل تعني أن هناك توجسا متبادلا بين الحزب المسير والدولة؟
> السلطة المركزية كانت تعي أن الأصوليين قادمون لتسيير المدن الكبرى ( بالنظر إلى العزوف الانتخابي وتكلس الأحزاب المنافسة )، واستبقت السلطات ذلك بإحداث شركات للتنمية المحلية التي استفردت بأهم الأوراش والموارد المالية بالبيضاء.  ولما حل «بيجيدي» بدأ “يضع العصا في الرويضة»، خاصة وأن هاجس الأصوليين لم يكن هو الوصول لمراكز القرار (وطني أو محلي) لتحقيق مشاريع أو ترجمة تصورات، بل إن الوصول إلى كرسي العمودية أو إلى البرلمان أو إلى الحكومة  – في ظنهم- هو الهدف الأسمى والنهائي، لأن هذا الوصول يترجم معتقدهم المتمثل في أنهم “انتصروا على عدو !”، وهذا في حد ذاته (أي الفوز بالمقعد الجماعي أو البرلماني) هو أهم منجز، وماعدا ذلك لا يحضر أي تصور تنموي أو تجويد عيش المواطنين هاجسا عندهم. من هنا نفهم لماذا تغيب لدى «بيجيدي» الكفاءات الملمة بمفاصل تدبير المدينة وقضاياها وبالرهانات الحضرية المطروحة، رغم أنهم كانوا في التسيير بالبيضاء منذ ثلاث ولايات جماعية، بل وكانوا حلفاء لمحمد ساجد، العمدة السابق لولايتين متتاليتين ( منذ 2003 إلى 2015).

> هل أنت مع الطرح الذي يقول بأن «بيجيدي» لم يتمكن بعد، رغم مرور ربع قرن من المشاركة السياسية، من إنتاج أطر مدربة على تدبير الشأن العام؟
> نعم بدليل أن عمدة البيضاء كان وزيرا ومديرا عاما للحزب ومنتخبا عدة مرات، لكن ما أن تسلم عبد العزيز عماري مقاليد بلدية البيضاء حتى عجز عن صياغة ميزانية “على حقها وطريقها”، بشكل جعل سلطة الوصاية تبطل الميزانية الأولى وتعيدها إليه حتى يصححها. الشيء نفسه حدث مع الهيكل التنظيمي للموظفين جماعة البيضاء، أو ملف تدبير القرض مع البنك الدولي (200 مليار سنتيم) أو مع الصفقة الأولى للنظافة أو للنقل الحضري، واللائحة طويلة. وللمقارنة فإننا نجد أنه في  مدينة أوربية لما يسيرها وزير سابق أو قيادي كبير بحزب معين(يميني أو يساري أو مسيحي) نلاحظ أن العمدة هناك يكون ” طيارة”، بمعنى انه يصبح دينامو حقيقيا يلعب دور الرافعة لتأهيل مدينته بشكل يوفر الثروة وتنعكس الثمار على الجميع(سكانا ومقاولين ومهنيين وغيرهم)، لكن من سوء قدرنا أن البيضاء يسيرها وزير وقيادي لا تعرفه الأغلبية الساحقة من سكان البيضاء ولا يحظى بمشروعية في المجتمع المحلي، لأن عماري لم ينجح إلا بـ 7121 صوتا من أصل 2 مليون من أصوات الناخبين، أي لم يحصل سوى على نسبة 0.3  في المائة من أصوات الناخبين !!
وهذا الرقم المخزي والصادم، كاف لوحده ليفسر سبب انهيار عاصمة المغرب الاقتصادية.

أحياء تعيش في الحرمان

> لماذا تظهر المدينة مناعة في وجه خطابات المسؤولين والمنتخبين في مجال الحكامة، مع أنها تخضع لأغلبية الحزب نفسه الذي يحكم المدن الكبرى الآخذة في التطور، كما هو الحال بالنسبة إلى طنجة ومراكش ؟
> أولا، لدي تحفظ بشأن الإقرار بوجود تطور  في طنجة ومراكش، بل على العكس الأموال الطائلة التي ضختها الدولة في طنجة ومراكش كان يفترض أن يكون لها عائد اقتصادي وتنموي أكبر مما نعاينه من حصيلة بهاتين المدينتين.
فإذا استثنينا الصحراء، بحكم حالة الحرب التي نعيشها مع الجزائر وبوليساريو، بشكل يفسر اهتمام السلطة المركزية بالأقاليم الجنوبية، لا نجد جهة بالمغرب استفادت من الاستثمارات العمومية الباهظة مثل طنجة، لكن لما وصل “بيجيدي” لرئاسة المدينة وحصول إلياس العماري من (البام) على رئاسة الجهة، وقع انكماش رهيب بعروس البوغاز بحكم تخاذل العمدة ورئيس الجهة في تفعيل التزاماتهما مؤسستين منتخبتين. العمدة تحكم خلفيته الاعتبارات التي صغتها بشأن سموم الأصوليين وعدائهم لكل ما يمثل الثوابت المذهبية للمغاربة، فيما يمكن تفسير موقف رئيس الجهة جوابا انتقاميا بعد لفظه من مربع ” مدفأة السلطة”.
أما في مراكش فالفضيحة أكبر، إذ وضعت الأمم المتحدة ثقتها في المغرب لاحتضان مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (كوب 22) وتم ضخ موارد هائلة من ميزانية المنتظم الأممي لتأهيل مراكش فضلا عن ضخ المغرب بدوره لموارد مهمة لضمان توهج عاصمة البهجة، ولحد الساعة مازالت بلدية مراكش في دائرة الشبهات بحكم الروائح النتنة التي أزكمت الأنوف في الوسط المالي والاقتصادي والسياسي، فضلا عن ذلك، فإذا أسقطنا المسارات السياحية بمراكش التي تحظى بالعناية، فإن باقي الأحياء تعيش في الحرمان.

لعنة مسيرين فاشلين
أوضح أريري أنه لم يسبق لأي مجلس جماعي، سواء بالبيضاء أو فاس أو مراكش أو طنجة أو غيرها أن حظي بـ”النعمة الحالية”، وأن المجالس في أغلبها مرهونة بيد منتخبي “بيجيدي”، ومجلس النواب (المشرع) بيده أيضا، كما يسير الحكومة، وهو ما يعني في نظره أن كل الذرائع التي كان يقدمها السياسيون من قبل من أنهم مكبلو الأيادي لأن الحكومة تنتمي لحزب خصم والبرلمان يسيطر عليه حزب آخر، إذ كان يشتكي عمداء المدن من ضيق الهامش، ومن الحروب التي كانت تخوضها الحكومات والأغلبيات ضدهم.
وسجل أريري أن الوضيعة تغيرت ولم يعد من المقبول أن “يتمسكن” عمدة البيضاء ويشهر ورقة أن الحكومة ترفض له مثلا طلبا ماليا و أن البرلمان يمتنع عن سن قانون ييسر معيشة المواطنين، على اعتبار أن المجلس البلدي للبيضاء والمقاطعات والمؤسسة التشريعية والحكومة بيد “بيجيدي”، “فلماذا لم تنعكس تلك الوقائع على تحسين جودة العيش بالبيضاء؟ ولماذا كل القطاعات التابعة للمجلس تعرف مشاكل؟”، معتبرا أن الجواب واضح “إما أن قلب هذا الحزب معنا وسيفه مع معاوية، وإما أنه حزب (خاوي) ولا أطر له ، وعامر فقط بالساقطين والفاشلين والأميين في التدبير العام”.

الولاء لجهات خارجية
ضرب أريري المثال على ما يقع في البيضاء حال بباريس في عهد نابليون الذيت استقدم هوسمان وأعطاه “كارت بلانش” وفق كناش تحملات يرتكز على نقطة محورية: جعل باريس ذات جاذبية تغري الكل بالعيش فيها، وأن النتيجة أن باريس اليوم تعد من أجمل مدن العالم، بل وتوصف بأنها مدينة/متحف ( ville musee ) لأن كل “حي كينسيك في حي آخر”، مطالبا بخصوص حالة البيضاء بإبعاد “الساقطين” عن تدبير المدينة القلب النابض للمغرب.
وذكر أريري بأنه طالب في مرات عديدة بإدخال الجيش لتدبير العاصمة الاقتصادية لسببين اثنين: أولا، الجيش ليس له ولاء خارجي، اللهم الولاء لله والوطن والملك من جهة، وثانيا الجيش يتوفر على المهارات والأطر التقنية العالية التي تنفذ الأوراش وفق ماهو متعارف عليها عالميا وتطبق القرارات حسب جدولة مرسومة، وكنموذج على ذلك المستشفيات العسكرية (العادية أو الميدانية) بالنظر إلى كيفية علاج المرضى والمردودية، وأيضا الطرق والقناطر التي يتولاها الجيش في الفيضانات والكوارث بالمغرب والتي يعاد بناؤها في زمن قياسي باحترام تام للضوابط الهندسية العالمية، إضافة إلى الحرائق الكبرى التي عاشها المغرب( لاسامير، الغابات…)  وكيف طوقتها عناصر الجيش بفعالية لافتة. 
واستغرب المتحدث كيف أن مهندسي وضباط وجنود القوات المسلحة الملكية كانوا يتعرضون لقصف يومي ورهيب من قبل الجزائر وبوليساريو في أوج حرب الصحراء، ومع ذلك تمكنوا من بناء إحدى أهم المعالم الهندسية العسكرية بالعالم، ألا وهي الجدار الأمني بطول 2600 كيلومتر في ظرف ست سنوات، في حين أن “ساقطين” فشلوا في إخراج كورنيش بالبيضاء في الوقت القانوني، رغم أن طوله لا يتعدى ثلاثة كيلومترات، و أخفقوا في إنجاز حديقة أو اقتناء حافلات أو توفير دواء “الأنسولين” لمرضى السكري بالعاصمة الاقتصادية .

حكم مكاتب الدراسات
شدد أريري على أنه لست من الرافضين للطرامواي، ولا من المتحمسين له. إذ كان يتمنى اعتماد نظام “الميترو” بالبيضاء، لاعتبارين اثنين: الأول يرتبط بضخامة المدينة وحاجتها لوسيلة نقل جماهيرية سريعة وذات حمولة مهمة، والاعتبار الثاني يتمثل في أن الميترو يجعل انسيابية التنقل مضمونة، لكن “حزب فرنسا” هو الذي ربح الرهان وفرض اختيار الطرامواي رغم أن الكلفة ليست من الاختلاف بشكل يجعل هذا الخيار أهم من الميترو، فمكتب الدراسات فرنسي والمكتب الهندسي فرنسي، وذلك الحال بالنسبة إلى الممول والمشرف والشركة المزودة بالقاطرات والشركة الحائزة على صفقة الاستغلال للطرامواي حاليا، مؤكدا أن فرنسا، التي مازالت تتوفر على عملاء لها بالمغرب، يجعلون الكلمة لشركاتها ولقراراتها التي لا تتناسب مع حاجياتنا وأولوياتنا، بدليل أن المستعمرات نفسها الفرنسية بشمال إفريقيا تبنت الطرامواي في تونس والجزائر والبيضاء والرباط من قبل مكاتب الدراسات الفرنسية ذاتها والممولين والمزودين والمستغلين الفرنسيين أنفسهم. وأن تونس العاصمة والجزائر العاصمة والبيضاء لم تشهد تحسنا في قطاع النقل الحضري ولم يعمل الطرامواي إلا على تأزيم إشكالية التنقل والجولان والرفع من منسوب الاختناق الطرقي في كل المحاور التي يعبرها، لدرجة أن الطرامواي ضاعف محنة الخاضعين للتكليف الضريبي بالإضافة إلى مشاكل أخرى تتمثل في إفراغ ولاية أمن البيضاء من حوالي 100 شرطي مخصصين فقط للتطرام ولفك الاختناق الذي يتسبب فيه، علما أن السكان في حاجة ماسة لذاك العدد من “البوليس” للتجول بأمان في الأسواق والساحات والقيساريات والأماكن العامة. 
وتساءل أريري ما إذا كانت المسألة مجرد صدفة، أن هذا الإشكال تسببت فيه مكاتب الدراسات الفرنسية بدفعها مدن المغرب العربي لاعتماد الطرامواي؟ أم هو إقرار بأن فرنسا مازالت تقرر في شؤوننا وفق مصالحها ومصالح شركاتها، وليس وفق أهداف المغرب ومصالح سكان مدننا؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق