ربورتاج

النواصـر … قريـة عشوائية

مستودعات تغرق حقول بوسكورة في وحل تسيب عمراني ينذر بكارثة

انتشرت تجمعات المستودعات العشوائية في تراب عمالة النواصر، ولم تعد المناطق المحيطة بفيلات وملاعب “كولف” المدينة الخضراء فلاحية كما كانت، بعدما أصبحت القرى المجاورة مغطاة بالكامل, بفعل التسيب العمراني والحسابات الانتخابية وتواطؤ السلطات المكلفة بالرقابة.

في آخر نقطة مرور بين جنوب جماعة عين الشق يوجد نفق تحت أرضي شبيه بقنوات تصريف مياه الأمطار، لكنه مخصص لمرور العربات والراجلين، بالنظر إلى بعد الممر المشيد فوق الطريق السيار المداري الرابط بين الطريق السيار البيضاء مراكش والطريق السيار البيضاء الرباط، لكن ما زاد من خطورته كثرة الشاحنات العابرة لهذا النفق التي يعتبر مدخل أكبر منطقة صناعية, لا توجد في سجلات الوكالة الحضرية ولوائح الوزارات الوصية.

أرقامه مخيفة

لم تعد منطقة أولاد حدو متنفسا طبيعيا كما كانت إلى حدود سنوات قليلة ماضية وأبت تجمعات من مستودعات ذات أسقف حديدية إلى أن تكسر تناغم المشهد الطبيعي، إذ تسببت المناطق الصناعية المتفرقة في إحداث تحولات، لم تجد الداخلية وسيلة لضبطها, سوى إجراء إحصاء أولي كانت أرقامه مخيفة.
ولم تتحرك السلطة إلا بعد توالي أعداد الشكايات المتوصل بها خاصة من قبل سكان المدينة الخضراء، إذ لم يجد بعض السكان الجدد الوافدين على مشاريع السكن الفاخر بين غابتي بوسكورة بدا من ترك سياراتهم على الطريق، والسير على الأقدام إلى فيلات بيعت لهم بمئات الملايين.
وأوضح بعض المشتكين لـ “الصباح”، الذين زادت الأمطار الأخيرة محنتهم، أن الطريق إلى منازلهم أصبحت مقطوعة بسبب “سويقة” عشوائية تجمعت بها عربات للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية قادمة من أسواق نموذجية بعيدة للاستقرار ليل نهار في “الغشيوة” مدخل المدينة الخضراء من الطريق السيار بين البيضاء ومطار محمد الخامس.

32 ألف درهم للشهر

بعد المدخل التحت أرضي تخترق الطريق حيا حاولت برامج مخططات إعادة التهيئة أن تجعله سكنيا, لكن يبدو أن البنيات التحتية التي مازالت أوراشها مفتوحة سيستفيد منها أصحاب تجارة تدر الملايين شهريا، فتماما كما هو الحال بالنسبة إلى أصحاب الشقق المفروشة في المدن الشاطئية، انتشر سماسرة في دوار “الدكالي” حيث يكثر الطلب على كراء المستودعات.
ليست العملية سرية إذ لم يتأخر مرافقنا في العثور على عروض كشفت مداخيل أصحاب هذه التجارة، منها مستودع للكراء، من 150 مترا مربعا، مقابل 32 ألف درهم في الشهر، وفي قائمة الملحقات يتضمن العرض مرحاضا وطابقا شبه علوي (سدة) من 50 مترا وربط بتيار الكهربائي ذي التوتر العالي, أو كما يطلق عليها الوسيط “تروافيل”.

أبواب محروسة

كل شيء في المنطقة عشوائي إلا ثانوية إعدادية بنيت قبل سنين بين الحقول لاستقبال تلاميذ مدارس جماعات بوسكورة والنواصر, وحتى من مديونة والأحياء المحاذية للطريق السيار المدار التابع لتراب جماعة عين الشق، لكن المؤسسة التعليمية التي كانت تظهر على بعد كيلومترات اختفت بين جدران عالية لمعامل سرية لا يعلم سكان الدواوير شيئا عما يقع داخلها، اللهم خروج ودخول شاحنات وسيارات نفعية.
وتخفي حالة الأزقة الملتوية لدوار “الدكالي” والتفاوتات الكبيرة في علو وحجم البنايات، واختلاف طبيعتها بين مساكن ما زالت تحمل جينات “الكاريان” و محلات صناعية صغيرة ومتوسطة، تنبعث منها أصوات آلات النجارة العصرية ورائحة أفران الصباغة، وتكشف حركات الأبواب المحروسة كميات كبيرة في مخازن صناع الأكياس البلاستيكية الممنوعة.

حملة انتخابية

لا يريد المشتغلون والمالكون لمحلات تشتغل في الصناعة الغذائية والأفرشة والمجالات شبه الصناعية مثل اللحامة وصنع المعدات والأسلاك النحاسية، الاعتراف بأن المنطقة غير قانونية، بذريعة أن أغلب مستودعاتها في ملكية منتخبين وأعضاء في المجالس، كما هو الحال بالنسبة إلى حمام عشوائي في ملكية رئيس جماعة ومواقف سيارات نقل مزدوج وأفران يحتكرها أقارب منتخب نافذ، إذ أظهرت وثائق اطلعت “الصباح” عن نسخ منها استعمال رئيس جماعة صلاحياته لمنح رخص الاستغلال في حسابات انتخابية، كما كشفت وثائق بحث قضائي أنه استقدم أشخاصا غرباء لاستصدار شكايات ضد خصومه، إبان حملة الاستحقاقات الجماعية السابقة، وتورط في إصدار قرار إغلاق فرن جر عليه دعوى أمام المحكمة الإدارية للبيضاء.

ريع العدادات

كما هو الحال في جماعة بوسكورة كشف سكان منطقة مرشيش التابعة لجماعة النواصر ريع العدادات الكهربائية، إذ ظلت طلبات الربط بشبكة الكهرباء تراوح مكانها، دون أن تحرك سلطات إقليم النواصر ساكنا، في مواجهة اتهامات للمتضررين، بالابتزاز وإعمال أجندة تعطي الأسبقية لأصحاب المستودعات.
ويشدد السكان المستجوبون أن احتجاجاتهم على الزبونية المستشرية في برنامج الكهربة ووجهت بتبريرات من قبل مصالح جماعة النواصر، بأن القرار الأخير بيد الكتابة العامة للعمالة التي تنسق بين ممثلي المجلس والمديرية الجهوية للمكتب الوطني للكهرباء، رغم أن التسويف والتماطل لا يظهر لهما أثر إذا تعلق الأمر بطلب الحصول على عدادات التوتر العالي التي يستفيد منها أصحاب “الهنكارات” العشوائية، في حين يجمد “بلوكاج” مشبوه طلبات الراغبين في الحصول على العدادات ذات الاستعمال المنزلي.
وكشف مشتكون لـ “الصباح” أنهم قدموا جميع الوثائق المطلوبة، وأدوا كل المبالغ المالية الخاصة بالربط بالكهرباء، دون جدوى، إذ يواجهون دائما من قبل المشرفين على هذه الخدمة العمومية بعدم التوفر على عدادات، رغم أن ميسورين تمكنوا من انتزاع هذا الحق بدفع مبالغ مالية إضافية.
وتمكن “المبالغ الإضافية” دافعيها من التزود بأحدث طراز من العدادات والربط بالشبكة الكهربائية دون انتظار، عكس المعوزين الذين قرروا تحدي ابتزازات المسؤولين وعدم قبول الدفع بـ”النوار” للاستفادة من الكهرباء.

شركات أشباح

ووصلت خروقات لوبي مستودعات النواصر إلى القضاء، إذ فتحت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية الزجرية بالبيضاء تحقيقا بخصوص شكايات تقدم بها ضحايا سقطوا في فخ شبكة للنصب بشركات أشباح، يستغل أعضاؤها أمية حرفيين يعملون في مجالات البناء والنجارة وحفر الآبار بـ”السوندات”، من أجل السطو على أموالهم وممتلكاتهم، باستخدام عقود “مخدومة” من قبل عقلها المدبر.
وكشفت شكايات توصل بها وكيل الملك لدى المحكمة المذكورة بخصوص تصرف في مال مشترك بدون إذن أصحابه والنصب والاحتيال وخيانة الأمانة طبقا للفصول 523 و540 و547 من القانون الجنائي، تفاصيل اشتغال شركات تخصصت في النصب على حرفيين، إذ اتخذت مقرات لها بمحلات عشوائية في ضواحي البيضاء، كما هو الحال بالنسبة إلى دوار “الحوامي” بتراب جماعة بوسكورة، كي تبقى بعيدة عن رقابة إدارة الضرائب والضمان الاجتماعي ومفتشيات الشغل.

إعداد : ياسين قُطيب تصوير (أحمد جرفي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق