fbpx
خاص

آسفي … التنمية المختلة

مؤهلات اقتصادية وصناعية لحاضرة المحيط ومواعد إقلاع مؤجل

منذ السنوات الأولى للاستقلال، كانت آسفي تبدو مدينة مؤهلة لأن تكون قاطرة للمدن الصناعية بالنظر إلى المؤهلات التي كانت تتوفر عليها، وهي عبارة عن بنيات صناعية واقتصادية مهمة اشتملت على إنتاج الفوسفاط والصناعات البحرية، لدرجة أن أبناءها ظلوا يرددون طيلة عقود أن آسفي بمثابة البقرة الحلوب للاقتصاد الوطني. كل هاته المعطيات وغيرها لم تشفع لحاضرة المحيط بامتدادها التاريخي وعمقها البدوي المحاط بسهول عبدة الخصبة، إذ ظلت هذه المدينة تفتقر الى أبسط مقومات التنمية المجالية، وفي مقدمتها البنيات التحتية الطرقية وتوقف عجلة التنمية بها، إذ في كل مرة تخطئ موعد انطلاقها، ليتراجع حلم الإقلاع إلى أجل غير مسمى. في هذا الخاص تستعرض “الصباح” أهم ملامح أعطاب التنمية بآسفي، وجوانب من تاريخها الاقتصادي والصناعي والبحري.

ميناء تاريخي يبكي حاضره

كانت آسفي أول ميناء للصيد في العالم من حيث الحمولة التي يستقبلها والأسماك من فصيلة التن متوفرة وكذلك اليد العاملة، التي تشتغل في معامل تعليب السمك ومعالجة المواد الغذائية المشتقة من السمك وفيرة بآسفي. لكن نزوح أسراب السمك إلى الجنوب أدى إلى حرمان آسفي من هذه الثروة السمكية، فتراجع نشاط الصيد وأقفلت جل المعامل أبوابها، وهكذا استفحلت أزمة الصيد في آسفي رغم الجهود المبذولة لإعادة الحياة إلى هذا القطاع من خلال بناء قرية للصيادين مثل التي بناها اليابانيون بالصويرة القديمة.
كان ميناء آسفي ميناء تجاريا ناجحا منذ القرن 18 إلى أن انتزعت منه الدار البيضاء تدريجيا منذ القرن التاسع عشر، ولكن إنشاء مركب كيماوي كبير لمعالجة فوسفاط اليوسفية ولتوفير حمولة أكبر عند التصدير قد أعاد بعض الحياة إلى هذه المدينة منذ الستينات، فبلغت حركة الشحن بميناء آسفي 5 ملايين طن، وما فتئت هذه الحركة تتزايد رغم توقف شحن الفوسفاط من هذا الميناء، وبالتالي فإن ميناء آسفي يلعب دور المنشط لمنطقة عبدة صغيرة المساحة.

عزلة برية واتصال بحري

ظلت آسفي في مختلف مراحل تاريخها معزولة عن المجال البدوي والفلاحي المحيط بها، ثم تعززت هذه العزلة خلال عهد الحماية، وبعد ذلك بدأ تصدير الفوسفاط من ميناء البيضاء وتنامى بها نشاط الصيد وتعليب السمك، ما جعلها تنفتح على البحر أكثر من انفتاحها على اليابسة، وانحصرت علاقتها الوحيدة مع الداخل في جلب يد عاملة من الفلاحين الفقراء للعمل في قطاع الصيد، ومن القرويات للعمل في معامل التعليب.
وقد خلق تخصص آسفي في قطاع الصيد ومشتقاته نشاطا محليا حقيقيا، ذلك أن آسفي كانت في الستينات أول ميناء للصيد في المغرب، إذ كان يجهز أزيد من 130 باخرة ويستقبل 100 ألف طن سنويا من سمك السردين أساسا والتن كذلك، وهكذا ظلت آسفي تشغل زهاء 12 ألف عامل في قطاع الصيد ومعالجة السمك، وتحتضن 38 معملا للتعليب، كما هو شأن الدار البيضاء بطابع المدينة الصناعية والعمالية. كما أن تناقص الموارد السمكية وإنشاء موانئ كبيرة جنوب المغرب أكثر تجهيزا وأقرب من أسراب السمك، كما هو الشأن بالنسبة إلى موانئ طانطان والعيون وأكادير التي باتت تحتل الصفوف الثلاثة الأولى في ما يخص قطاع الصيد، عوامل جعلت اليوم من ميناء آسفي ميناء متواضعا.
أما «شارع السردين» الذي كان يمتد على مسافة خمسة كيلومترات جنوب المدينة وتصطف على جانبه معامل التعليب ومشتقات الأسماك، فلم يعد اليوم سوى بوار صناعي تشتغل به فئة قليلة من العمال.

تصنيع بلا تنمية

استفادت آسفي سنة 1964 من توطين أول مركب للصناعة الثقيلة بالمغرب أقيم على الساحل جنوب المدينة. تغطي مؤسسات “مغرب كيمياء” و”المغرب فوسفور” مساحات شاسعة يزودها خط للسكة الحديدية بفوسفاط اليوسفية الموجود في النواحي، بينما تستقبل الأمونياك عن طريق البحر.
تنتج هذه المؤسسات الحامض الفسفوري والفوسفاط الثلاثي الممتاز، والفوسفاط الدياموني مما يعطي قيمة صناعية للمدينة. وتوفر هذه المؤسسات مناصب شغل عديدة.غير أن مركب آسفي يتسبب في تلوث كبير، وهو الأمر الذي يفاقم الصعوبات التي تعرفها المدينة.
ظهرت صناعات أخرى نفخت بعض الحياة في بنية صناعية أنهكها إقفال معامل التعليب، من بينها قطاع النسيج سيما الحبال وأكياس البلاستيك، وكذلك معامل الإسمنت ومطاحن الحبوب وأوراش الفخار التقليدية الشهيرة في المغرب برمته، وهي أوراش تصنعت تدريجيا.
أزمة البطالة أزمنة مزمنة في آسفي، وتنامت بها تناميا كبيرا التجارة والخدمات غير المهيكلة من قبيل المهن المتواضعة، لكن المدينة عاجزة عن استيعاب كتلة العاطلين وأشباه العاطلين الذين باتوا يعانون الحرمان بسبب أزمة صيد السمك. الوظيفة التجارية للمدينة متواضعة بينما المناصب التي توفرها الإدارة العمومية لا تتعدى ما تحتاجه عاصمة جهوية ولا يمكن الزيادة فيها.

بنية حضرية معزولة

البنية الحضرية لآسفي لا تسهل عملية إعادة الانتشار الاقتصادية، فهي غير منتظمة بين خطوط الربط بين الأحياء وصعبة نتيجة المنحدرات الطوبوغرافية والحواجز الطبيعية والأحياء المعزولة.
فإلى جانب المدينة العتيقة الكثيفة السكان و»الرباط» وهي القلعة البرتغالية والأحياء المختلطة اجتماعيا والنشيطة، مثل حي «تراب صيني»، انتشرت أحياء غير قانونية في الهوامش.
أما على الهضبة فقد نمت أحياء عصرية إضافة إلى نواة إدارية ومؤسسات القطاع الثالث كمظهر من مظاهر محاولة لم شتات أحياء المدينة، وقد غدا اليوم «شارع السردين» الطويل مهجورا جزئيا هو والمركب الكيماوي بالمنطقة الصناعية في اتجاه الجنوب، وهكذا فقد أصبح اليوم من اللازم إعادة تهييء المدينة، غير أن هذا الإعداد سيكون معقدا ومكلفا، ولكنه إذا ما تحقق فسيمكن المدينة من إعادة توفير بنيات اقتصادية واسعة للتشغيل وقدرة استقطاب جهتها التي تفلت من قبضتها حاليا.

قطاع صحة عليل

يعاني القطاع الصحي بإقليم آسفي، خصاصا كبيرا في الأطر الصحية، الأمر الذي أثر على جودة الخدمات المقدمة بمختلف المرافق الصحية بالإقليم، منها المستشفى الإقليمي محمد الخامس بآسفي. كما أن غياب الموارد البشرية الكافية سيما بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس بآسفي، نتجت عنه عدة مشاكل منها ضعف الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين الذين يترددون على المستشفى ، وهو ما نتجت عنه في أكثر من مرة احتجاجات طالبت غير ما مرة بالاهتمام بالوضع الصحي للمدينة، دون أن تبادر الوزارة الوصية على القطاع، إلى اتخاذ ما يلزم لإصلاح هذا الوضع. واستنادا إلى تقارير أعدتها فعاليات نقابية محلية بآسفي، فإن المستشفى الإقليمي محمد الخامس بآسفي، يعتبر قبلة لسكان العديد من المناطق منها أقاليم آسفي واليوسفية والصويرة ومناطق من إقليمي سيدي بنور والجديدة. غير أن هذه الجاذبية التي يشكلها مستشفى محمد الخامس بآسفي، باعتباره أهم بنية استئشفائية بالجهة، لم تواكبها خدمات طبية جيدة.يقصد جل السكان هذا المستشفى أو مستشفى اليوسفية من أجل العلاج،و في حالات كثيرة يفرض على المرضى التنقل إلى مراكش أو الرباط أو الدار البيضاء بسبب ضعف التجهيزات أو انعدام تخصصات. من أجل استشارة طبية، أو حقن إبرة أو مداواة جرح ،على المواطن القروي قطع مسافة لا تقل عن عشرة كلمترات، في المتوسط، للعثور على مستوصف بأحد المراكز الحضرية و لا قدرة له على تلبية الحاجيات و الضروريات.
كما أن الأرقام تكشف مدى الخصاص الذي يعانيه سكان آسفي والمناطق المجاورة لها، إذ أن الاطلاع على الخريطة الصحية للإقليم يؤكد أن واقع الشأن الصحي بآسفي مأساوي، وسبق أن نددت به احتجاجات مواطنين في عدة مناسبات، لكن دون أن يتحرك أحد، من أجل معالجة القطاع وتطويره، بل وتطهيره من المتلاعبين و المتاجرين بصحة المواطنين.

حـكـامـة ترابـيـة غائبـة

قال عبد الجليل التحادي، إن الحكامة الترابية، لغائبة لدى المجلس الترابي لآسفي وتوجد مجموعة من المعيقات البنيوية التي تشكل حجر عثرة أمام رقيها وتطورها وتنميتها، بسبب عدم تفعيل آليات الحكامة، وارتفاع مصاريف التسيير مما ترتب عنه عجز مالي يفوق 30 مليار سنتيم. فتوقفت عجلة التنمية بسبب عدم إعادة جدولة الديون وكذا فشل المجلس في استرجاع 18مليار سنتيم من الضرائب والرسوم التي بقيت في خانة الباقي استخلاصه من عند الشركات والمقاولات والمصانع والأراضي الفارغة.
وأضاف الفاعل الجمعوي أن الجماعة الترابية لآسفي التي كانت من أغنى الجماعات بالمغرب أصبحت تسير بفائض لايتجاوز ملياري سنتيم في السنة وهو مخصص للبرمجة للمشاريع.
وتابع التحادي أن المشاريع الكبرى التي تعرفها آسفي تعود إلى تدخلات الشركاء لإنقاذ حاضرة المحيط حتى لا تتوقف عجلة التنمية، ونذكر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمجلس الإقليمي لآسفي وجهة مراكش آسفي بشراكة مع المؤسسات المواطنة بالمدينة والإقليم وتقدر استثماراتها بالملايير.
وأردف أن الاوراش المفتوحة بآسفي بفضل هؤلاء الشركاء لتحريك عجلة التنمية، والميزانية الحالية تنبئ في القادم بوضع مترد واختلالات في كل المجالات.
وقد مرت أربع سنوات من عمر هذا المجلس ومؤشرات النمو في تراجعات والاقتصاد بالمدينة في تقهقر وصل إلى أدنى رتبه وفق المؤشرات وأرقام الميزانيات الجماعية بطبيعة الحال .وقال التحادي “يؤسفني أن أسجل أن المشاريع ذات الأولوية من طرقات وإصلاح الأرصفة من متطلبات السكان غض عنها الطرف من قبل المجلس الحالي، وفي ظل ارتفاع المديونية الجماعية والعجز المالي، يعيش التسيير الجماعي بآسفي في سلم تصاعدي للأزمات والتي نتجت عن اختلالات في برمجة التسيير الجماعي”.
كما تحدث التحادي عن المركز الجهوي للاستثمار مشددا على ضرورة بلورة المفاهيم الجديدة لعدم التمركز وجهوية الاستثمارات وتدبيرها مع تبسيط المساطر الادارية ومواكبة ودعم المستثمرين لانجاز مشاريعهم، ولترسيخ مبدأ التكافؤ وفي إطار اللاتمركز والجهوية الموسعة يجب أن يحظى إقليم آسفي بمركز للاستثمار مستقل في التسيير بإمكانيات ذاتية وألا يكون تحت وصاية المركز الجهوي بمراكش، لأن مراكش وآسفي قطبا الجهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى