حوار

طليمات: الانتهازية أضعفت الاتحاد

القيادي الاتحادي السابق قال إن التهافت على المواقع يفقد الثقة في العمل الحزبي

أكد جليل طليمات، القيادي السابق في الاتحاد الاشتراكي أن بلورة وصياغة عرض سياسي جديد ينبغي أن يكون غاية الدعوة إلى المصالحة، يعيد صياغة الخط السياسي للاتحاد الاشتراكي، بما يجعل منه قوة سياسية حاضرة في قلب دينامية المجتمع. وأوضح طليمات أن ما يفقد الثقة في العمل الحزبي لدى المواطنين، هو تفشي أمراض الوصولية والانتهازية والتهافت على المواقع.
في ما يلي نص الحوار:
أجرى الحوار: برحو بوزياني – تصوير: (عبد المجيد بزيوات)
< أثارت دعوة لشكر إلى المصالحة الكثير من الجدل. من موقعك قياديا سابقا في الحزب، ما هي شروط نجاح المصالحة داخل الاتحاد الاشتراكي ؟
< لاشك في أن الدعوة إلى المصالحة الداخلية دعوة محمودة في حد ذاتها، ومطلوبة لأجل استعادة الحزب لموقعه الفاعل داخل المجتمع، وإعادة رص صفوفه تنظيميا.
ومن هذا المنطلق، فإن إعطاء هذه الدعوة أو المسعى مضمونا سياسيا وشحنة تعبوية تستنهض جميع الاتحاديين والاتحاديات على اختلاف مواقعهم حاليا يقتضي، في رأيي، إطلاق حوار جماعي واسع يكون محطة للمصارحة والمكاشفة والنقد البناء المسؤول، وورشة للتفكير والتقييم تطرح فيها أسئلة الهوية الحزبية والمشروع المجتمعي للحزب، والموقع السياسي المطابق لتاريخه ورصيده النضالي ولطبيعة التحديات التي تواجه بلدنا اليوم.

< لكن هذه الشروط لا تحتاج إلى مجرد نوايا، بل مبادرة سياسية وتنظيمية متكاملة. ما هي المداخل التنظيمية للمصالحة؟
< إن بلورة وصياغة عرض سياسي جديد تنبغي أن تكون غاية هذه الدعوة للمصالحة. عرض يستحضر أوضاع الوطن والمجتمع في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة، ويعيد صياغة الخط السياسي للحزب، بما يجعل منه قوة سياسية وازنة وحاضرة في قلب الدينامية المجتمعية الجارية بمختلف أشكالها.
إن المصالحة الداخلية لا تعني شيئا آخر غير قراءة نقدية لصفحات تجربة الحزب، منذ فترة التناوب التوافقي إلى الآن بدل طيها، مع استخلاص واستلهام دروسها، خاصة ما يتعلق منها بتدبير الاختلاف في الرؤى والتقديرات، دون تأثيرات سلبية على وحدة الممارسة والموقف، وعلى تماسك التنظيم الحزبي وفعاليته.

< ترى بعض الأصوات أن طريق المصالحة يتطلب عقد مؤتمر استثنائي وعرض سياسي جديد. هل ترون أن القيادة الحالية تستند إلى شرعية ديمقراطية في قراراتها؟
< أظن أن تحقيق المصالحة بالمضمون الذي حددته، يقتضي زمنا معقولا، ومناخا خاليا من ضغط أي استحقاق آخر ما يفرض إعطاء الحوار الداخلي كل مداه الزمني المعقول، إذ ليست الغاية هي استبدال قيادة بأخرى حالا، وإنما بلورة عرض سياسي جديد كما قلت، ومراجعة موقع الحزب في المشهد السياسي الذي أضحى دون مستوى رصيده التاريخي. من هنا، فإن مخرجات أي مؤتمر استثنائي يعقد على عجل سيهيمن عليها طابع تنظيمي بحت على حساب ما هو مطلوب من حوار فكري إيديولوجي وسياسي، يستشرف أفق استعادة وهج الحركة الاتحادية واليسارية عموما.

< هل معنى ذلك تأجيل كل القضايا إلى موعد المؤتمر العادي؟
< في نظري المتواضع، ينبغي الانطلاق من الغد في الحوار الداخلي الواسع، والإسراع بتشكيل آلية لهذه المهمة، تتمثل في هيأة إشراف متعددة الحساسيات والكفاءات النزيهة لتدبيره، وتركيب نتائجه وخلاصاته، وعرضها بعد ذلك على أنظار المؤتمر العادي للحزب.

< أثار رفض أطر قيادية لنداء المصالحة أسئلة حول مستقبل الحزب. ما هي في رأيك المداخل الحقيقية لإعادة توهج الاتحاد في الساحة السياسية؟
< بناء على ما قلته في الجوابين السابقين، أرى أن استعادة الحزب لتوهجه، أو ما سميته في مناسبات عديدة "بالانبعاث الجديد للحزب"، يقتضي من بين ما يقتضيه أيضا تجديد الثقافة التنظيمية، بإعادة ما اندثر أو توارى منها من ضوابط وأخلاقيات، خاصة ما يتعلق بالتضحية والبذل والعطاء دون حساب شخصي أو طمع، والصرامة في مواجهة مختلف المسلكيات التي تسيء لهوية الحزب ولصورته أو لخطه السياسي المتعاقد حوله في المؤتمرات.
إن ما يفقد الثقة في العمل الحزبي لدى المواطنين، هو تفشي أمراض الوصولية والانتهازية والتهافت على المواقع. وفي هذا السياق، أشدد هنا على مركزية الأخلاق في العمل السياسي والحزبي. كما أن استعادة وهج الحزب تتطلب، كما أشرت إلى ذلك، بلورة وصياغة مشروع سياسي جديد، ورؤية تقدمية ومستقلة، وخطابا تواصليا ومتفاعلا مع الدينامية المجتمعية، ومع قضايا المواطنين وحراكاتهم الاجتماعية، ونهجا تنظيميا يركز على القرب من الناس, والإنصات لنبض المجتمع.

< أثارت مشاركة الاتحاد بوزير واحد في حكومة العثماني الثانية، سؤال جدوى المشاركة. كيف تقيمون مشاركة الحزب في حكومة هي استمرار لحكومة بنكيران التي رفض الحزب المشاركة فيها؟
< هذه المشاركة امتداد لنهج اختاره الحزب بعد انتخابات 2016 ، لهذا فالسؤال ليس حول عدد الوزراء الممثلين للحزب في الحكومة المعدلة، رغم ما أثاره الإبقاء على وزير واحد من مشاعر غاضبة ومشروعة على أي حال وسط محيط واسع من الاتحاديين والاتحاديات، إنما السؤال هو حول هذا النهج ذاته، أي ما جدوى المشاركة في حكومات ائتلافية عريضة وهجينة التحالفات؟ وهل استعادة الحزب لوهجه وموقعه الطبيعي في المعادلات السياسية الوطنية وفي المجتمع ممكنة بالاستمرار في هذا النهج؟، أم باختيار موقع المعارضة ؟
وأعتقد أن سؤال جدوى الاستمرار في هذا النهج سيفرض نفسه بقوة في الحوار الداخلي، وفي أي تصور لعرض سياسي يشكل قاعدة للمصالحة المطلوبة مع الذات الحزبية، ومع المجتمع.

التقدم والاشتراكية أدى ثمن مواجهة "البام"
< أثار انسحاب التقدم والاشتراكية سؤال تقييم حصيلة مشاركة اليسار في الحكومة، في ظل ائتلاف أحزاب بهويات مختلفة. كيف تتوقع مستقبل التحالفات في انتخابات 2021؟
< أولا، هنيئا لمناضلي ومناضلات التقدم والاشتراكية بالانفكاك من التحالف مع طرف من تلك الثنائية التي أشرت إليها( أقصد حزب العدالة والتنمية). ولاشك أنه أدى ثمن مواجهته للطرف الثاني فيها (أقصد "البام"ّ)، وأيضا أثمان إخفاقات الولايتين الحكوميتين الأخيرتين في تحقيق الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية، وتعطيلها للتفعيل الديمقراطي للدستور. والأمل أن يستخلص هذا المكون التاريخي لليسار المغربي دروس تجاربه الحكومية، بعد الخروج من فترة "نقاهة" مشاركة طال أمدها ( 22 سنة).

توحيد اليسار جواب عقلاني
< يعرف اليسار تشرذما تغذيه الملاسنات بين مكوناته. هل يمكن تصور يسار دون الاتحاد الاشتراكي، وما هي السبل لبناء الجبهة التقدمية المنشودة؟
< تقع مهمة وحدة مكونات أو تنظيمات اليسار اليوم في قلب أي توجه سياسي للمرحلة المقبلة، فهي مدخل من مداخل تجاوز حالة الفراغ الناتج عن تلك القطبية الفاسدة والمزيفة التي أطرت المجال السياسي منذ 2011.
ولابد هنا من تسجيل أهمية ربط دعوة المصالحة بين الاتحاديين بالعمل على توحيد قوى اليسار، ذلك أن انبعاث الحركة الاتحادية واليسارية عموما، أمسى شرطا ذاتيا لكسر الثنائية القطبية المشار إليها. إن توحيد مكونات اليسار هو الجواب الذاتي العقلاني على الشرط الموضوعي الصعب بتحدياته لوضعية اليسار على الصعيد العالمي.
وتتمثل هذه التحديات على المستوى الوطني في تفاقم مظاهر أزمة مركبة، اقتصادية تنموية، واجتماعية وسياسية ومؤسساتية وقيمية، لا يمكن التغطية عليها بخطابات فرحة رغم المكتسبات المحققة، خاصة على مستوى عدد من الأوراش الكبرى.

< يعاني اليسار تراجع حضوره في ديناميات المجتمع، بسبب تشتت أذرعه النقابية والاجتماعية. كيف يمكن لليسار استعادة ارتباطه بالمجتمع؟
< لاشك في أن أي توجه لا ينخرط في الحركات الاحتجاجية الاجتماعية بالتوجيه والتأطير دفاعا عن مطالب المواطنين في الشغل والتعليم والصحة والتنمية المجالية العادلة سيعمق انفصال قوى اليسار وأحزابه عن المجتمع.
وعليه، فإن قوى اليسار مجتمعة تواجه تحديا وجوديا مرتبطا بهويتها ومبرر شرعيتها، إن هي بقيت خارج الدينامية المجتمعية الجارية وغير المؤطرة.
فبدون استنهاض القواعد الاجتماعية لليسار للانخراط في تلك الدينامية، والتعبير عن تطلعاتها و"تنظيم عفوية " مبادراتها الاحتجاجية ذات البعد الاجتماعي، سيزداد اليسار عزلة واندثارا. ومن هنا ضرورة توحيد مكونات اليسار على قاعدة برنامج أولويات مشتركة ومشروع مجتمعي يستعيد ويوضح هويتها الاشتراكية وينتزعها من جبة حداثة فضفاضة ومؤدلجة يتساوى فيها اليساري الاشتراكي والراديكالي مع "الأصولي" واليميني "المخزني" ومع جوقة الأحزاب الموسمية ومع "الهوياتي العرقي".
ولخدمة هذا الطموح الوحدوي، على مكونات اليسار التعاون كل من موقعه من أجل تجاوز مختلف العقبات القائمة والحساسيات التي تواجه هذا الطموح .
وفي هذا الصدد، فإن إنجاح المصالحة الاتحادية، وإنجاح مهمة الاندماج بين مكونات فدرالية اليسار سيشكلان معا مكسبا تنظيميا وسياسيا يعيد للحركة اليسارية عموما وهجها وتأثيرها في المعادلة السياسية الحالية والقادمة وفي المجتمع، فوحدة اليسار لن تستقيم بدون أن تشمل كل مكوناته، وعلى كل مكون تحمل مسؤولياته في ذلك بجدية وترفع عن أية حساسيات صغرى وحسابات ضيقة..

فشل السياسات العمومية
< وجد أغلب الوافدين من الحزب الاشتراكي الديمقراطي أنفسهم خارج الحزب. كيف تنظرون إلى إعادة بناء الحزب بما يخدم تعزيز البناء الديمقراطي؟
< المندمجون" اندمجوا منذ 14 سنة خلت، وبالتالي، فهم اليوم جزء من الوضع الحزبي المتعدد الرؤى ومن مشاكله القائمة ومن الألم والإحباط على ما آلت إليه أوضاعه وصورته، ولهذا هناك من هم خارج الحزب، ومنهم المنخرطون بفعالية في المؤسسات الحزبية المنتخبة، ومنهم المنسحبون أو المجمدون لعضويتهم، ومنهم أيضا المسؤولون مركزيا وجهويا وإقليميا.. فمنذ الاندماج لم يشكل "المندمجون" كتلة متراصة أو تيارا منظما داخل الحزب، وربما قد يكون ذلك من بين عوامل تعثره وضعف تأثيره ومردوديته.
< يتخوف الفاعلون السياسيون من ضعف المشاركة في الانتخابات المقبلة. ما هي الشروط الواجب توفرها لضمان انتخابات تحظى بمصداقية وثقة المواطن؟
< ما يمكن قوله الآن باختصار، ونحن على مسافة سنتين من الاستحقاقات الانتخابية لـ 2021، هو ضرورة العمل من الآن على توفير شروط سياسية وقانونية لضمان مشاركة واسعة فيها، وفرز تمثيلية سياسية لأغلبية ومعارضة "غير مفبركتين" من فسيفساء حزبي متنافر.
وفي رأيي، فبلوغ ذلك يقتضي: أولا، مراجعة وإصلاح المنظومة القانونية المؤطرة للعمليات الانتخابية، بدءا بنمط الاقتراع إلى العتبة "والكوطا الشبابية " وغير ذلك، ثانيا الارتفاع بالممارسة السياسية الحكومية والمؤسساتية عموما لتكون في مستوى التأويل والتفعيل الديمقراطيين للدستور. ثالثا، اتخاذ إجراءات سياسية واجتماعية مستعجلة تنعش الثقة بين الدولة والمجتمع وبين المواطنين والأحزاب، وتحفز على المشاركة الشعبية الواسعة.
وفي هذا السياق، فإنه سيكون من الإيجابي جدا اتخاذ قرار عفو عام عن جميع معتقلي وسجناء الحراكات الاحتجاجية الاجتماعية، وكذلك معتقلي حرية الرأي والنشر والتعبير.
ولعله من المهم جدا أن تترجم أحزاب اليسار في هذه الاستحقاقات إرادتها الوحدوية، بالتنسيق في دوائر معينة أو تقديم مرشحين مشتركين في دوائر مختلفة. قد أبدو متفائلا زيادة على اللزوم، ولكن في جميع الأحوال، فإنه لا مفر من العمل في هذا الاتجاه، فليس لأحزاب وتنظيمات اليسار ما تخسره في تنسيقها وتحالفها الانتخابي غير ضعفها، وخطر المزيد من تراجعها الانتخابي.

< تعرف البلاد دينامية اجتماعية خارج تأطير النقابات أو الأحزاب. ألا يسائل هذا الوضع مسؤولية مؤسسات الوساطة وأدوارها؟
< إن ما عرفته البلاد في السنتين الأخيرتين من حراكات اجتماعية احتجاجية، وما تعرفه يوميا من وقفات مطلبية قطاعية وفئوية، يعكس فشل السياسات العمومية في تلبية الحاجيات الأولية والحيوية لعيش كريم للمواطنين والمواطنات، ويعبر بالفعل عن انتهاء صلاحية "النموذج التنموي" الذي سارت عليه البلاد، منذ السنوات الأولى للستينات من القرن الماضي.
كما تعكس الدينامية الاحتجاجية العابرة للأحزاب والنقابات، عجز وانهيار هذه المؤسسات، بعد إفراغها من أدوارها الفعلية في التأطير والتنظيم و "الوساطة"، ما يشرع الباب على مصراعيه للعفوية، بما تحبل به من مخاطر انزلاقات غير محمودة. إن العفوية لا تنتج مخارج ولا تعود بمردودية على مطالب ومصالح الحراك نفسه، وهذا درس من دروس ما يسمى "الربيع العربي"، على القوى السياسية والمدنية من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني استحضاره في عملها.

الحاجة إلى كتلة يسارية

إن القوى السياسية والمدنية بدون استخلاص دروس الربيع العربي ستظهر بمظهرين، إما مظهر الانعزال والانفصال والتخاذل إزاء مطالب أي حراك، وإما مجاراة العفوية وتبجيلها دون رؤية لأفق تحقيق مطالبها المشروعة. إن الإفلات من هذين الموقعين لن يكون ممكنا، إلا ببناء كتلة اجتماعية يسارية تقدمية تضم كل الفاعلين اليساريين بمختلف مواقعهم وتنظيماتهم، سياسية كانت أو نقابية أو حقوقية أو ثقافية، ذلك أفق للتوحيد،لا مناص من العمل المشترك في اتجاهه، لأن وحدة أحزاب وتنظيمات اليسار أمست اليوم مصلحة وطنية عليا لتحصين المكتسبات، وتفعيل مطلب محاربة الفساد، وتنمية الحقوق الديمقراطية والسياسية وحماية الحريات الفردية والجماعية ..، ما سيحرر المجال السياسي من انسداداته، ويدرأ خطر الفراغ بما يحبل به من مخاطر على الدولة والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق