تقارير

يا إلهـي … “الفرّاشـة” فـي باريـس

حولوا حي ״سان دوني״ إلى جوطية تباع فيها جميع العلامات ״المدرحة״ من״الشارجورات״ إلى السجائر

واهم من يعتقد أن الباعة المتجولين، الذين ينتشرون في الممرات ويغلقون على المارة الأزقة والشوارع ويعرقلون السير ويساهمون في بشاعة الفضاء بالبيضاء وغيرها من المدن المغربية، حكر علينا نحن فقط في أجمل بلد في العالم. “الفرّاشة” موجودون في باريس أيضا، مدينة النور، بجلال قدرها، يفترشون سلعهم المتنوعة أمام المتاجر والمحلات، ويعرضون بضائعهم أمام المارة، “على عينك آ بن عدّي”.
ورغم حملات البوليس الفرنسي، الذي ضاق ذرعا بمطاردتهم، يعودون من جديد. حاملين “فرّاشاتهم” ليرابطوا في المكان عينه، علّ وعسى يجدون لبضاعتهم مشتريا، غير آبهين بتهديدات رجال الأمن، ولا بتوعداتهم. أغلبهم من إفريقيا جنوب الصحراء، التي يصل مواطنوها إلى فرنسا، إما لاجئين أو “حاركين”. في حي “سان دوني” بالضاحية الفرنسية، وجدوا ضالتهم، حيث اختلطوا وسط الأشقاء الجزائريين، الذين يحكمون الحي بقبضة من حديد، و”التوانسة” والمغاربة، لا يتزحزحون عن أماكنهم أبدا، حتى ولو تطلب الأمر دخولهم في معارك ضارية مع الجيران وأصحاب المحلات، في سبيل الحفاظ على “مكان عيشهم”.
هم أيضا يبيعون الساعات والنظارات “المدرحة”. ويبسطون فوق “فرّاشتهم” مختلف أنواع العطور الإفريقية القوية التي تزكم رائحتها الأنوف، أو “البراسليات” المصنوعة من الخيط والتي تحمل ألوان بلدانهم و”الشارجورات” والمجوهرات “الفانتازية” والماكياج، إضافة طبعا إلى سجائر “المارلبورو” (كونتر باند).
لقد حوّلوا الحي إلى مملكة خاصة بهم، يحكمها قانون الدفاع عن النفس و”الرزق” بجميع الطرق والوسائل، التي تصل إلى الضرب والجرح المفضيين إلى الموت. المتجول في شوارع “سان دوني” سينسى للحظة منفلتة من الزمن، أنه موجود بمدينة الفن والجمال، وسيعتقد لوهلة، أنه في “البرانس” أو “باب مراكش” أو شارع محمد الخامس، حيث استولى الباعة المتجولون على جميع الأمكنة والفضاءات وحولوها إلى “جوطية” كبيرة.
إنهم يمارسون التسول و”السعاية” أيضا، في الشوارع المجاورة والأزقة. مثلما يقع عندنا بالضبط. لكنهم، لحسن الحظ، لا يستطيعون تجاوز منطقة الضواحي، التي تتعامل معها فرنسا التنوير وحقوق الإنسان، مثل “غيتوهات”، وإلا قطعت السلطات أرجلهم. إنهم غير مسموح لهم بالاقتراب من باريس الحضارة والرفاهية والرقي… لكن لا بأس من أن يظلوا داخل “محميتهم”، يؤنسون أشقاءهم المغاربيين الكادحين، حيث الفقر والبؤس والهشاشة والجريمة تؤثث الأمكنة والفضاءات.

نورا الفواري (موفدة “الصباح” إلى باريس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق